الرئيسية | أعمدة الوطن | رمضان ومحنة الإعلام الديني في الجزائر

رمضان ومحنة الإعلام الديني في الجزائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 محمد بغداد 

بحلول شهر رمضان الفضيل، وجد المستهلكون لمنتوجات الإعلام الوطني، أنفسهم تحت قصف شديد من المواد الإعلامية الدينية، التي انبرت لها المؤسسات الإعلامية، في تنافس محموم في رواق القصف الديني، ولكنها فرصة ذهبية لقراءة الذهنية الإعلامية الوطنية،بمختلف أنواعه ومؤسساته وانماطها، التي تتعامل إعلاميا مع المادة الدينية، وبالذات في المناسبات المقدسة، لنجعل من هذه المادة، التي بين أيدينا عينة لتشريح وفهم هذه الذهنية، الممارسة للفعل الإعلامي في سياقه الديني.

استغباء

لا تختلف الذهنية المسوقة للنصوص الدينية إعلاميا عندنا، في شهر رمضان، عن تلك الذهنية التجارية الريعية البسيطة المنتشرة، على أرصفة الطرق في شورعنا، التي تسعى إلى الاسترزاق، معتبرة  أن المستهلك يملك من الغباء والاندفاع نحو الاستهلاك، تحت سطوة الرغبات والميولات الدينية الدفينة، التي تجعل منه مجرد مقاتل شرس، من أجل الحصول على دقائق، يقضي بها على صيامه المزعج له، ومن هنا فإن هذه الذهنية، تستخدم الهواجس والمشاعر السلوكية، لتعليب سلعها الدينية لتسويق سلعها، لأن شعارها يقول، أرمي في السوق كل شئ، دون أن تحترم المعايير الإعلامية المهنية العلمية منها، وحتى الذوقية كون السوق تعرف أعلى درجات الاستهلاك في هذه الفترة المقدسة، لتكون قدسية الشهر، الحجاب الذي يحمي الرؤية، ويمنع التبصر، ويقضي على التفكير، وهي مناسبة تكتشف ملامح المستهلك في الذهنية المنتجة للرسالة الإعلامية، وهو المستهلك الغبي البسيط والساذج والمتردد والضعيف، الذي يسهل كثيرا، في قوة هذه الذهنية قيادته السيطرة عليه، كونه الوسيلة المناسبة، التي تدر الكثير من الأرباح، وبالذات في الفترة الحالية.

وكم يكون حزينا وبائسا، عندما تصل نخبة معينة إلى زمن، يكون فيه مجتمعها، مجرد صورة باهتة، تحمل معايير الغباء والاستغفال، والدفع إلى الاستهلاك بدون وعي، أو إدراك، ومن هذا المنطلق تكون المرآة التي ننظر بها إلى أنفسنا، مصابة بالعتمة وعدم الوضوح، فبدل أن تجسد صورتنا، تذهب إلى استيراد صور أخرى، ربما قد تشبهنا في بعض ملامحها، ولكنها تختلف في أدق خصائصها، وهو الأمر الذي يحول بين قدرتنا الضعيفة، على تمثلها، فتسعى مؤسساتنا الإعلامية والذهنيات التي تقودها، إلى الاحتماء باستراتيجيات الإستغباء لمستهلكيها، فتنشر فيها الخبل والخرفات، وتكرس في فضاءاتها الدجل والاساطير، التي تحرمها من مواجهة نفسها، وادراك ذاتها، مما يجعلها مجرد اطروحات كاذبة، ومشوهة ومشردة.


تسول

تجد مؤسساتنا الإعلامية في غالبها الأعم،تصر على الخضوع في عمليات السطو والتسول، على مواقع الأنترانت، من أجل التسويق للسلع الدينية الإعلامية، من أجل تعبئة المساحات الفارغة، والظهور بمظهر يجلب الشفقة، كون الكثير من هذه النصوص، مبتورة عن سياقها ومجزئة عن مسارها، دون أن تكون ذات رسالة واضحة، تفضح أصاحبها وتجعلهم في الموقع، الذي يسوق سلعا، لا يعرف هويتها، سوى العناوين التي تأخذه ببريقها الجميل، بعيدا عن مضمونها المختلف، وهو ما يجعلنا أمام ذهنية بليدة وغير واعية بما تفعل، فهي تنقل أو بالأحرى، تسرق النصوص والفتاوى من المذاهب الاخرى، والمرجعيات المختلفة، والتي يتم انتاجها في ظروف متباينة، وذات خصوصيات معينة، فتنشرها في مجتمعنا الذي لا تعرف خصوصياته المؤثرة، وتحاول أن تستورد له النجوم والشخصيات والسلوكات الاخرى، متجاهلة الخصوصيات والمعايير الذاتية للمجتمعات الاخرى، فنجد أنفسنا أمام ذهنية، لا تعرف محيطها، وتسعى إلى التصادم معه، والاخطر من ذلك، تلك السلوكات المستباحة للتسول والنقل من الاخرين، الذين ينتجون من الابداعات والقوالب، التي تتناسب مع العصر وطبيعة تطور ديناميكية مجتمعاتها، ونحن فقط نروج لها وننسبها لأنفسنا بدون خجل أو حياء.


السلاح المخدوع

الرسالة النهائية والأساسية التي تستخلصها، وأنت تتابع تلك الحملة التسويقية للنصوص الدينية إعلاميا، هي أن هذه الحملة الهدف منها، هو الصدام الشرس مع المرجعية الثقافية والفقهية،المؤطرة لهوية المجتمع، وتجربته التاريخية، التي تأتي هذه الحملة لتضربها في الصميم، وتحيلها على الاقصاء ورفوف التهميش، والقاء الشك والريبة في أذهان الأجيال الجديدة،ونجد مؤسساتنا الإعلامية اليوم، تحرص على توجيه سهامها وضرباتها القوية، إلى هذه التجربة التاريخية، التي كانت لها فوائدها الاستراتيجية، ولكننا اليوم نجد أن الضربات منصبة إلى قطع كل الاوصال، وتهديم كل الجسور مع هذه التجربة التاريخية، وإلقاء الأجيال الجديدة في مهاوي المجهول والغامض، الذي تحمله أيام الصراعات الدولية الكبرى، ذات الطابع الصدامي والمشحون بالمضمون الايديولوجي والديني، منه على وجه الخصوص.

وفي الوقت الذي تخوض التجارب والمشاريع الإعلامية الكونية، معارك ضارية من أجل الانتقال إلى مستويات قادمة، معقدة وفاعلة ومتفاعلة، في أداء أدوار تاريخية في مجتمعاتها، عبر إشاعة الوعي الجديد، وصناعة معاني مختلفة للحياة، وانماط المعيشة، الأقل تكلفة والأكثر متعة والاوسع رحابة، تتجه نخبنا الإعلامية إلى الوراء، وتنجز كل يوم المزيد من الاحباط والتخلف والانحطاط، وكأنها تصنع الأسلحة التي تدمر بها ذاتها، وخاصة في المناسبات المقدسة، التي يعتقد البعض أنها المخرج المناسب من الكثير من المزالق الخطيرة.

 

السلعة المغشوشة

البعد التجاري واضح، من شفرات الرسالة وملامح الجهود المبذولة في هذه الحملة، التي تسير على قدم وساق، هي الحصول على أكبر قدر من الأرباح المالية، والانجذاب نحو الواجهات الإعلامية المروجة للسلع الدينية، التي في أغلبها غير صالحة للاستهلاك الآدمي، فهي لا تعبر عن مضمون الدين، وتسئ لأهدافه السامية، ذات الابعاد الانسانية، ولكن الذهنية الإعلامية تعودت عندنا، أن تستفيد من السلع غير الصالحة، والتي يكون مردودها المالي والاشهاري عاليا جدا، لأن السوق يستوعب كل انواع السلع، والجهود تتجه نحو إغراق هذه السوق بالمستوى الضعيف من السلع، حتى إذا غلبت كانت هي السائدة وهي المسيطرة، وتهيمن على التصور العام، فيجعلها هي المطلوبة، ويفقد كل كوابح التردد نحو الانجذاب نحوها، وفي غياب القوة الردعية، التي تقوم بواجب المراقبة، وحماية الاهداف الاستراتيجية للأمن القومي، التي يفترض أن تكون من أولويات النخب القائمة على حماية الوطن، وصون مكانته وحفظ امنه القومي.

ومما تكشفه نخبنا الإعلامية عبر سلوكاتها اليومية، ذلك المستوى الخطير من الجهل بمفاهيم الأمن القومي، وابعاده الاستراتيجية التي تتجسد اليوم، في الكثير من العمليات الإعلامية، وتخوض في القضايا العميقة للمجتمعات، والتي  يتصدرها المفهوم الديني الحديث، الذي يعمل على بناء الجدار السميك والقوى، المتين لتطوير المجتمع، والانتقال به إلى المراحل المتقدمة، التي تحول طموحاتها المستقبلية، إلى مشاريع حضارية، يشكل المفهوم الديناميكي للدين، في السياقات الإعلامية الذكية، المخرج المناسب من دوائر التخلف والانحطاط.

 

بؤس نخب

الغائب الأكبر في الحملة الإعلامية الدينية، هو النخب المحلية التي لا يكاد يظهر لها أثر في انتاج الخطاب الإعلامي الديني، الذي يجعلنا أمام مشهد لا وجود فيه لنخب، قادرة على التسويق أو التفكير في القضايا الدينية، وهي نخب أعجز من أن تكون قادرة على الانخراط في هذه الحملة، فتتواري، لتترك مكانها لتلك الاسماء الفقيرة والضعيفة، من أن تكون في مستوى التمثيل الحقيقي، ولكنها في الوقت نفسه تسعي إلى تسويق خطاب، يتناسب مع مستويات الانحطاط الاجتماعي، في ابعاده السلوكية والتفكيرية، وتجذبه نحو أعماق الهاوية.

فهل يعقل؟ أن يكون المشهد الوطني الواسع، خالي من أسماء قوية وذات تأثير اجتماعي مهم، يحتاجها المجتمع لقيادته، نحو تلبية معقولة، وإشباع طبيعي لرغباتها، وإنارة طريقها إلى المستقبل، وكم هو حزين ومؤلم، أن يفتقد مجتمع ما، رموزه الذاتية، التي تمثل هويته، وتجسد خصائصه، وتجعله في مستويات الانتعاش الروحي والثقافي، الذي يطمئن اليه.

كثيرة هي أوجاع ومنغصات المشهد الإعلامي الذاتي، وكثيرة هي الأسئلة التي تفرض نفسها عبر التحديات الحالية، وأكبر من ذلك المجازفة التي تقوم بها النخب، التي تقود المؤسسات الإعلامية اليوم، وهي المجازفة التي بإمكانها أن تحرق الوطن برمته، وتقامر بالأجيال القادمة، دون أن يكون لها من الشعور والمسؤولية الإنسانية، والقدرات التفكيرية التي تسمح لها، بأن تكون الناجحة في مهمتها النبيلة، التي تكاد تلحق بها الأذيالذى لا يمكن أن ينتج عنه إلا الاضرار التاريخية المؤلمة، التي ستجعل الجميع أمام تلك العتمة القاتمة، في مواجهة بريق السجنجل.

 

شوهد المقال 1777 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats