الرئيسية | أعمدة الوطن | غزة ومصر وثوابت العلاقة

غزة ومصر وثوابت العلاقة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بقلم نقولا ناصر*

سوف يظل قطاع غزة يمثل قضية أمن وطني لمصر، أيا كان من يقود الإدارة الحكومية في القطاع، وسوف تظل مصر عمقا استراتيجيا لفلسطين والقطاع و"شريان حياة" لأهله و"عمودا فقريا" لأمنه واستقراره، أيا كان من يقود دفة الحكم فيها، فهذه ثوابت العلاقة المصرية الفلسطينية عبر القطاع المحاصر، وهي الثوابت التي تجعل غزة تتأثر، إن سلبا أو إيجابا، بالمتغيرات المصرية تأثيرا مباشرا. 

لذا فإن أي استغلال انتهازي للتطورات التاريخية الجارية الآن في مصر لتحريضها ضد القطاع، أو العكس، سوف يظل زبدا سياسيا يطفو على السطح وقد يعيق إرساء العلاقات الثنائية على ثوابتها لبعض الوقت، لكن هذه العلاقات سوف تستقر ضمن ثوابتها إن عاجلا أو آجلا.

إذ مهما كانت الاختلافات بين أي حكم جديد في مصر وبين القطاع فإنها لن ترقى إلى الخلافات التي كانت قائمة بين القطاع وبين مصر إبان حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك لها، بالرغم من مفاصلها العاصفة، من دون أن تتمكن من زعزعة ثوابت العلاقات الثنائية. 

وإنها لمفارقة حقا أن يتفق المحللون السياسيون للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية المحتلة وفي دولة الاحتلال الإسرائيلي على كون المتغيرات التي أعقبت الثلاثين من حزيران / يونيو الماضي في مصر تمثل "كابوسا" أو "نكسة" لحركة حماس التي تقود القطاع، ليشتط بعضهم في "تمنياتهم" حد أن تراودهم توقعات غير واقعية بأن يكون التخلص من رئاسة جماعة الإخوان المسلمين لمصر، ممثلة في شخص الرئيس محمد مرسي، نذيرا ومقدمة للتخلص من المقاومة في القطاع، بالتخلص من قيادتها الإسلامية ممثلة بحركة "حماس"، بحكم العلاقة الأيديولوجية التي تربط بين هذه القيادة وبين الإخوان في مصر.

ولم ولا تحاول "حماس" ولا "الإخوان" في مصر نفي هذه العلاقة أو التنصل منها، بل إنهم يعتزون بها، ويعتبرونها رصيدا دعويا وسياسيا لهما معا، ويسعيان إلى توثيقها، لكن الخصوم السياسيين لكليهما يتعمدون الخلط بين "حماس" كحركة مقاومة وتحرر وطني وبين حاضنتها "الإخوانية"، وبخاصة في مصر حيث دفنت التطورات الأخيرة طموح الحركة إلى مشروع تعاون استراتيجي بين القطاع وبين مصر قبل أن يرى النور، والهدف الحقيقي الأول والأخير هو رأس المقاومة الفلسطينية وإن كان رأس حماس ورأس الإخوان هدفا لهم كذلك.

لكن لا يمكن إنكار أن صورة حماس كحركة مقاومة وتحرر وطني قد أصابها تشويش واضح، ساهمت فيه عوامل ذاتية استغلها خصومها السياسيون فلسطينيا وعربيا بطريقة ميكافيلية لم يتورعوا فيها عن الاختلاق والتلفيق والمبالغة بهدف توسيع شقة خلافاتها مع خصومها السياسيين فلسطينيا ودق الأسافين عربيا بينها وبين حلفائها السابقين في سوريا وإيران بهدف تحويل اختلافاتها معهم إلى خلافات خصومة سياسية دائمة، وهذا ليس هدفا فلسطينيا ولا عربيا بل هو هدف إسرائيلي – أميركي. 

ومن هذه العوامل الذاتية تفاؤل حماس ب"الربيع العربي" الذي قاد إخوانها إلى سدة الحكم في بعض الأقطار العربية، وبخاصة في مصر، حيث تسرعت فاعتقدت أن تحالفها مع الإخوان المتحالفين مع قطر الموجهة أميركيا بديل يعوض عن تحالفهم مع سوريا وإيران، وعدم انتظار استقرار الاستقطاب العربي الحاد الناجم عن الأزمة السورية قبل الانحياز في هذا الاستقطاب، وغير ذلك من العوامل التي سلطت الأضواء على حماس كفرع فلسطيني لجماعة الإخوان المسلمين وحجبتها عنها كحركة مقاومة وتحرر وطني تنتظر استتباب الأمر لإخوانها في مصر وغيرها قبل أن تخاطر ب"التهدئة" مع دولة الاحتلال الإسرائيلي مخاطرة تربك المرحلة الانتقالية التي يمر بها عمقها الاستراتيجي المصري.

لكن لأنها ما زالت حركة مقاومة محاصرة في رأس الاستهداف الإسرائيلي تطمح إلى ممارسة مصر لسيادتها الوطنية لدعمها وفك الحصار عنها لم تخل علاقاتها مع مصر حتى في عهد رئاسة مرسي من توترات واختلافات، ولم تخل علاقاتها مع قطر من الاختلاف معها حول تعديل مبادرة السلام العربية، فلم يمنع "البعد الإخواني" للحركة من ظهور هذه الاختلافات والخلافات إلى العلن.

وفي الانقسام الفلسطيني وجد خصوم "حماس" في التخلص من رئاسة إخوانها لمصر فرصة لاستنساخ التجربة المصرية في قطاع غزة، فبالغوا لأسباب سياسية في تعظيم العلاقة بين "حماس" وبين إخوان مصر للتغطية على كونها حركة مقاومة أولا، وفي خلط الأوراق بينها وبين "الإخوان" آملين أن يبعدها هؤلاء عن المقاومة، وهللوا لاطاحة رئاسة مرسي، واعتبروا يوم تغييره "يوما تاريخيا"، وكان محمود عباس أحد أوائل الرؤساء العرب المهنئين بتعيين الجيش للرئيس عدلي منصور خلفا له، ويستمر إعلامهم في ترويج الحملات الإعلامية لخصوم الإخوان في مصر ضدهم ومنها الادعاء بتدخل "حماس" في الشؤون الداخلية لمصر دعما للإخوان، قبل الإطاحة بمرسي وبعد الإطاحة به، بالرغم من نفي حماس المتكرر وعلى كل المستويات لأي تدخل كهذا لا في مصر ولا في غيرها من الدول العربية، وبالرغم من نفي السفير الفلسطيني بالقاهرة بركات الفرا لهذه الاتهامات بإعلانه يوم الجمعة الماضي إنها مجرد تقارير إعلامية لم تصدر حتى الآن عن أي جهة رسمية مصرية تسوغ الرد عليها رسميا.

إن من يوغلون في ترويج مثل هذه الحملات الإعلامية عبر الانقسام الفلسطيني إنما يتجاهلون حقيقة أن نتيجة اصطفافهم ضد الإخوان في مصر إنما هو تدخل في الشأن المصري أيضا وينعكس سلبا على الوضع الفلسطيني، لا يختلف عن اصطفاف حركة حماس مع الإخوان ضد خصومهم المصريين، وأن الخلاصة الحتمية ل"شيطنة" قطبي الانقسام المصري لقطبي الانقسام الفلسطيني إنما تنعكس سلبا على العلاقة بين الشعبين في مجملها، وتفقد الشعب المصري الثقة في القيادة الفلسطينية عبر الانقسام، ما ينعكس بدوره سلبا على الدعم المصري لقضية الشعب الفلسطيني العادلة ومقاومته الوطنية.

ويزعم من يروجون مثل هذه الحملات من الفلسطينيين أن خسارة الإخوان لرئاسة مصر سوف يجعل حماس أكثر ضعفا ثم قبولا بالمصالحة الفلسطينية، موحين بذلك أن "حماس" هي السبب في عدم إنجاز هذه المصالحة حتى الآن، وفي مثل هذا الزعم الكثير من الخلط المتعمد، فوجود "حماس" ذاته كحركة مقاومة، واتفاقها على المصالحة الفلسطينية، وأسباب الانقسام الفلسطيني أسبق من رئاسة الإخوان لمصر، وأعمق من علاقة "حماس" بإخوانها المصريين.

لذلك فإن الايحاء بأن وصول الإخوان إلى الرئاسة المصرية وعلاقتهم المعلنة مع حركة حماس هو سبب تأجيل تنفيذ المصالحة الفلسطينية إنما يستهدف التستر على السبب الحقيقي لهذا التأجيل المتمثل في استمرار مراهنة الرئاسة الفلسطينية على الجهود المستمرة لوزير الخارجية الأميركي جون كيري لاستئناف المفاوضات بينها وبين دولة الاحتلال، والمتمثل أيضا في استمرار الرئاسة الفلسطينية في معارضتها للمقاومة الوطنية بالأشكال التي تتبناها وتمارسها الحركة والفصائل الأخرى التي تتخذ من قطاع غزة قاعدة لها.

إن استمرار الاستقطاب السياسي المصري في زج الانقسام الفلسطيني في صراعاته الداخلية، أو العكس، إنما يتم على حساب ثوابت العلاقات المصرية الفلسطينية عبر قطاع غزة، ويوسع الشقة بين الشعبين وعلى حساب كليهما كذلك، وهذا بالتأكيد ليس هدفا مصريا أو فلسطينيا، بل هو هدف رئيسي لدولة الاحتلال الإسرائيلي.

* كاتب عربي من فلسطين
* nassernicola@ymail.com

شوهد المقال 1655 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ الدرس الثاني من وحي الخيانة الوطنية خديعة التغيير في ديانة الوصوليين

د. حكيمة صبايحي  ستحاول مرارا، عندما تصاحب العاطلين، المقاومة، ستجهد اجتهادك كي تغير نأمة في نأمة مسألة، وبكلٍ روحٍ للمثابرة، ستخلق مبادرة تلو المبادرة،
image

سعيد لوصيف ـ ليس من تقاليد الثورات الانتحار..

د. سعيد لوصيف   ابحثوا عن الخطابات في نضالاتكم ، ولا تبحثوا عنها في صالونات فارغة لا تملك رؤى و لا استراتجيات.. ابحثوا عن مأسسة مؤسسة رئاسية، ومؤسسات
image

السعدي ناصر الدين ـ المهنة : استاذ الهوية : متشرد

 السعدي ناصر الدين  عندما شاهدت تقريرا مصورا بثته قناة " الجزائرية " عن محمد استاذ اللغة الالمانية الذي رحّلته حملة الترحيل الى العراء في العاصمة،
image

نوري دريس ـ التسلط عشيق الريع

د.نوري دريس  ربما يمكن للسلطة ان تجادل في عدم فصل العلم في أخطار استغلال الغاز الصخري على البيئة, وربما تدعي ان التقنية تطورت بشكل
image

أحمد سعداوي ـ أحزاب السلطة العراقية ومليشياتها وتعاملها مع ثورة تشرين

أحمد سعداوي    منذ البداية تعاملت أحزاب السلطة ومليشياتها مع تظاهرات تشرين على أنها مشكلة، وليست أعراضاً لمشكلة أو مشاكل أعمق.وما زالت حتى الساعة تنظر إليها على
image

رضوان بوجمعة ـ الرئيس يسجل ضد مرماه !

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 150   اللقاء الذي جمع الرئيس عبد المجيد تبون بمدراء ورؤساء تحرير الاجهزة الإعلامية العمومية والخاصة، أمس، كشف عن وجود استخفاف كبير
image

محمد هناد ـ حكومة جزائرية تفتقد للشجاعة

  د. محمد هناد   كما هو معلوم، من عادة الحكومات التي تعاني ضائقة مالية أن تلجأ إلى أسهل طريق لإعادة الروح إلى خزينتها وذلك من خلال
image

العربي فرحاتي ـ خطر التفاهة .. وثقافة "سقد واعقب"

د. العربي فرحاتي  كما عرفنا من تقدم العلوم الفيزيائية أن للفوضى نظام ..أنقلت التفكير من حالته التبسيطية التسطيحية إلى التعقيد والعمق..فإن "التفاهة" حسب "
image

وليد عبد الحي ـ معارك الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ أن نشر Leon Carl Brown دراسته عام 1984 حول النظم الاقليمية المخترقة تزايدت أدبيات " النظم الاقليمية المخترقة " والتي
image

فوزي سعد الله ـ فن "الحوفي"...من بساتين وديار تلمسان إلى قاعات العروض الموسيقية

فوزي سعد الله   "...الحوفي صيغة تعبيرية شعرية شفوية شعبية من نَظْمِ النساء في تلمسان العتيقة، ظهر خلال القرون الأربعة أو الخمسة الأخيرة قبل أن ينتقل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats