الرئيسية | أعمدة الوطن | شرعنة الديني في السياسي

شرعنة الديني في السياسي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد بغداد

استغلال الدين لأغراض سياسية، قضية طالما شكلت خزان الجدل السياسي والفكري للنخب العربية، ولكن اخيرا تراجع العلمانيون، وتخلوا عن اتهاماتهم المتكررة لخصومهم التقليدين، واخيرا قرر العلمانيون، اعتماد ما كانوا يرفضونه منذ سنوات، واعتبارهم حتمية إبعاد الديني عن السياسي، ليجدوا انفسهم في النهاية أمام إهمال دولي وعزلة غربية، وتجاهل من طرف نماذجهم الغربية، واخيرا أعلنوها صراحة ومارسوها واقعا، لتكون بذلك شرعنة لما يأتي من الأيام القادمة، التي ستكون أيام الاحباط التنموي، والتراجع الديمقراطي، والزحف الديني وهيمنته على مختلف مناحي الحياة.

المحطة الحاسمة

عندما حسمت قيادة الجيش المصري قرارها وشرعت في تنفيذ الانقلاب احتاجت الى الدعم والمساندة التي تسوغ تسويق قرارها للناس فسارع الى الاستعانة برمزي الديانتين في الوطن والعالم الاسلام شيخ الازهر وزعيم الكنيسة ولولا الاحراج لتم الاستعانة بالدين اليهودي يكون الاخراج مناسبا والاقناع قويا وان كانت القيادة العسكرية هدفها استمالة الرأي العام وتوجيه ضربة لخصومها واقامة الحشد الكافي لدعم قراراتها وتبعث برسالة الى خصومها بانها تملك من الاعتمادات والارصدة الدينية ما يوازي ما عندهم لكنها في الوقت نفسه كانت توجه ضربة قاصمة لحلفائه العلمانيين وتهينهم علانية عندما تقدم عليهم الرموز الدينية التي لا تكمن مهمتها في تسويغ وتسويق قراراتها ولكنها تعطي لها الشرعية المطلوبة.

إن التأكيد على أن اغلبية المقاتلين للنظام السوري، هم من المنتمين إلى التيارات الدينية، والممارسات اليومية للعناوين والاسماء، ذات الدلالة الدينية للكتائب والقيادات، والدعم القوى الذي يتلقاه هؤلاء الثوار، واصرار الكثيرين من حصر انخراط حزب الله، في المستنقع الشامي، بالدافع الطائفي الديني، والدعوات المتوالية للجهاد من الطرفين، وما يستجلبه من داعيات ورمزية دينية، يجعل الموضوع محاصر بالترسانة الدينية في النهاية، ولا يمكن ان تخرج النهاية عن الإطار الديني العام.   

التفطن المتأخر

 أخير تفطن الجميع، إلى أن شعوب المنطقة، وهي في قمة الانهيار المعيشي، والفراغ العاطفي، والخواء الاجتماعي، والانحطاط الحضاري، لا تعيش ولا تنقاد، إلا بالدين، وما ينتجه من قدرات أمل رهيبة تجعل الكثير من الالم تتواري عن صاحبها، وترفعه إلى عليين كونه الوقود التاريخي، الذي تمكن من خلاله الكثير من النخب، من الانتقال إلى مراحل متقدمة من الانجازات السياسية، وتشييد الكيانات الحزبية، التي اصبحت اليوم عصية على التدمير، مما جعلها رقما اساسيا في المشهد السياسي التداولي اليومي، وهو ما يجعل من المعادلة، مما يعني الاعتماد على رهان استعمال الديني في الممارسة السياسية، كأداة مهمة في الاستحواذ على الفضاءات الوعي السلوكي والمفاهمي للمواطن، وهو ما يعبر عن الزاد الذي يمكن هذا المواطن، من الحصول على الاعتراف بشرعية وجوده الاجتماعي والثقافي، وأيضا السياسي ويحقق الاشباع النفسي، بعد مراحل التنكر والتهميش الذي يعاني منه طويلا.  

اسرائيل تفضح الجميع

إن الذي يؤلم النخب العلمانية العربية والغربية، ويضعها في موقع الحرج، اصرار النخب الصهيونية على يهودية الكيان الاسرائيلي، ومطالبة الجميع بالاعتراف به، على اساس ديني، والتعامل معه من منطق الاشتراطات الدينية، مما يجعله الكيان الديني، الذي يتطلب منطق الصراع في الشرق الاوسط، أن تكون هناك اطراف أخرى، تتعامل معه من نفس المنطق، وبنفس الاستراتيجية، وهو الأمر الذي يلغي واقعيا، امكانية تحييد الدين من الساحة الاقليمية، ويجلب تداعياته إلى الساحة المحلية.

إن النموذج الذي تفرضه اسرائيل اليوم، من خلال يهودية الكيان، وفي نفس الوقت هذا الكيان، طالما شكل القوة التطورية والتقدمية للتيارات العلمانية، يفرض بالضرورة فرض الديني على السياسي في المنطقة برمتها، ومما يزيد من تلك الهيمنة ضغطها المستمر، على اضعاف التيارات العلمانية، التي فشلت في الحصول على ادني الحقوق والتوازنات للمشهد، الذي يمكن أن يضمن التعايش وقيام عملية السلام، مما يجعل الحراك اليوم خاضع للمنطق الفيزيائي، كون الأمر يتعلق بان لكل فعل رد فعل مساوي في القوة، ولكنه معاكس في الاتجاه، ليكون الاعتراف السياسي بالقوى الدينية في المنطقة، أكثر من ضرورة وممارساتها حتمية تاريخية.

المشهد القادم

إن التيارات الإسلامية، تنتظرها أيام التغول والسيطرة في السنوات القادمة، بما توفره الاجواء الجديدة في المنطقة والعالم، وبالذات بعد صدمة إفلاس الرأسمالية وتوحشها في الارض، وانهيار التيارات العلمانية سياسيا وفكريا، وفشل الانظمة السياسية، فلم يبقى أمام الاجيال الجديدة والحالية، سوى الاحتماء بالسماء أو ممارسة متعة التكنلوجيا، في اشباع الذات والحصول على اعتراف الاخرين بقدراتها.

إن الاصرار القوى، الذي تبديه التيارات العلمانية، على الاستنجاد بالمؤسسات الدينية التقليدية والحديثة في مصر، وطلب مساعدتها للوقوف إلى جانبها في دعم قراراتها، يجعلها تعلن للعالم، أنها عاجزة على الاستمرار في خارطتها، بدون هذه المساعدة، فقد حولت جهات طلبتها من القوى الغربية، التي تعودت على الاحتماء بها، وهي القوي التي تدير ظهرها لها اليوم، وتنكفئ على همومها ومشاكلها، ليجد العلمانيون انفسهم محاصرين ومجبرين، على الاعتراف باستعمال الدين لأغراض سياسية.

إن الهيمنة الزاحفة للأرمادة اللغوية والسلوكية الدينية، عبر مجالات الإعلام والسياسة والممارسة، واقحام وقود الاستشهاد والظلم والاغتصاب، ووضعها في السياق التراجيدي التاريخي، وفقدان المساندة والدعم الغربي، وغلق الافاق المستقبلية أمام الشعوب، وانكسار الأمل في المستقبل، وانهيار كل فرص نجاح دمقرطة المنطقة، يجعل من القادم مثقلا بالهيمنة الدينية القوية.         

 

كاتب ومعد ومقدم برنامج ضيف الثالثة على الفضائية الجزائرية . 

شوهد المقال 1709 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats