الرئيسية | أعمدة الوطن | ليس غباء عزيزي كريشان و لكنه الكبر

ليس غباء عزيزي كريشان و لكنه الكبر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

إسماعيل القاسمي الحسني

 

 

 لست من هواة المناكفات و الأمر ليس كذلك، لكنها حرب ضروس لا تعني بالضرورة استعمال أدوات منطقية و حقائق واقعية، تهدف لاكتساح ما أمكن من مساحات وعي العقل العربي و احتلالها، ليجد المرء نفسه مجبرا على خوضها، هذه الحرب ليست أصلا في الصراع، لكنها مجال حيوي تدور حوله رحاه، ذلك أن كل طرف يرى ضرورة كسب الرأي العام لصفه، دعما لموقفه من ناحية، و استقواء بمده و لما لا مدده من ناحية أخرى.

 أن تقنع كل الناس بصواب رأيك، يعد أمرا مستحيلا بطبيعة الناس أنفسهم،  فدرجات معرفتهم و ذكائهم متفاوتة خلقا و اكتسابا، و تكفي الإشارة هنا لوجود عدد قد يتجاوز ثلث سكان الأرض لا يؤمن أصلا بوجود الله، و هي القضية الأقدم و الأخطر على الإطلاق، و يرفض كل طرح الطرف الآخر أيا كانت مرتكزاته العقلية و المنطقية؛ و نظير هذا العدد يؤمن بأن الله موجود لكن له ابن و زوجة، و يسخر تماما بكل دفوع من ينكر عليه ذلك؛ إذا كان اختلاف العقول بشأن موضوع "وجودي" لا يرقى لخطره موضوع آخر، فمن ذا الذي يتوهم إجماعهم على صواب طرح حزب الله ! و لا يتصور في المقابل من يخالفنا الرأي بأن البشر سيتفقون بإجماع على صحة زعمه؛ إذن ليس بالضرورة إن كنت على حق أن يؤمن به الكل و يصدقه، حتى و إن استعرضت حججك بلغة "القرآن" نفسه، التي لا ترد في منظومتنا الفكرية علما و معتقدا. و كم تصادف عقلا متميزا بطاقات و ملكات ترفعه إلى مصاف العباقرة المبدعين يقول بخلق الكون صدفة و لا وجود لخالق، مع إقراره المعرفي بدقة الخلق المتناهية، فان رددت عليه بالقول متسائلا: و هل السيارة صنعت صدفة و الطائرة وجدت صدفة و غيرهما؟ يجيبك : ليسوا سواء هكذا بكل بساطة؛ يسمى العلماء عندنا موقفا فكريا كهذا بالكبر و المكابرة لا غير، لأنه لا يستند لمنطق، و لست ملزما في هذه الحال بالدخول معه في جدال لإقناعه بفساد رأيه، ذلك بأن الأمر لم يعد تقابلا فكريا، و إنما فكر في مواجهة كبر.

 و على هذا الأساس لست هنا لأبرر أو أدافع عن مواقف "حزب الله" التي عبر عنها أمينه العام سماحة السيد حسن نصر الله، و لا حتى تفسيرها و إنما مراجعة من يتصيدون عبارات مجتزأة من سياقها، أكان ذلك عن سوء فهم بحسن نية، أم أداة صراع تقف من حيث تعلم أو لا في صف خصوم هذا الحزب؛ فضلا عن قراءة قرارات الحزب دون الرجوع للتعريف الأصيل له، كأنما لا تاريخ له سابق يتربع على ثلاثة عقود على الأقل، و لا مواقف مفصلية بالغة الأهمية يمكن اعتمادها مرجعية، و قاعدة يقترض البناء عليها بالضرورة، للوصول إلى حكم يقترب ما أمكن من الصواب. و هنا نقف على الحقائق و الواقع التالي:

 1-      حزب الله، حزب يقوم على مجموعة مؤسسات، سياسية و عسكرية و أمنية و مدنية، كلها في المجمل تصنع قراراته، و يشارك قادتها و إطاراتها في صياغة سياساته؛ و ليس صحيحا و لا واقعيا  أن مواقف هذا الحزب خاصة منها المفصلية، تعود لأمينه العام وحده.

 2-      المسلمة الثانية أن هذا الحزب يعتمد في تقدير الأوضاع أكانت محلية أو إقليمية و دولية، على أدواته و قدراته الذاتية بالدرجة الأولى، بمعنى أن المعلومات التي هي بالضرورة يؤسس عليها التصور، تقف عليها كوادر الحزب عيانا و مشاهدة، و ليس نقلا عن وسائل الإعلام أو مصادر أخرى، حتى يكون بناء موقفه على مرتكز واقعي؛ هنا يحضرني قول الأمين العام لهذا الحزب، أنه بداية الأزمة السورية، تنقل بنفسه للقاء الرئيس بشار الأسد، و استعرض معه تطويق الأزمة بفتح الحوار مع المعارضة و الاستجابة للمطالب المشروعة، و من ثمة قام حزبه بالاتصال المباشر برموز قيادات المعارضة السورية؛ إذن مواقفه لم تبنى على ينقله الإعلام و تصريحات هذا أو ذاك، و إنما على ما عاينه هو بنفسه واقعا، و ما يملكه من حقائق قطعية تمكنه من استخلاص الموقف الأقرب للصواب.

 3-      المسلمة الثالثة، و هي التي لا يكاد يختلف بشأنها الخصم و الصديق، اعتماد هذا الحزب على امتداد  مسيرته الحافلة بالمواقف الخطيرة على الصدق، و هذا ما كان خصومه اليوم من بني جلدتنا يشهدون له بذلك، و إن كان غير ذلك، فمن أهم وسائل الإعلام الثقيلة التي ظللت الشعوب العربية، بوصفه حزبا مقاوما صادقا، هي قناة "الجزيرة" التي تتحمل الجزء الأكبر من هذا التظليل.

 4-      يشهد الأستاذ محمد كريشان ذاته، في حوار أجراه مع هرم الإعلام العربي "محمد حسنين هيكل" بشأن لقائه مع السيد حسن نصر الله، الذي امتد لخمس ساعات، و رأيه في الرجل بأنه على أعلى المستويات المعرفية، ملما بأدق تفاصيل التطورات في عالم السياسة و الواقع، و له طاقة هائلة للاستيعاب و التحمل و العمل ما رآها لدى غيره، إلا فيما قل من قادة العالم (قناة الجزيرة)؛ و ذات الشهادة نقلتها قناة "الجزيرة" للموسوعة العالم الراحل عبد الوهاب المسيري رحمه الله، الذي أكد إضافة عما سبق، أنه ما عرف قائدا أو  عالما عربيا، له من الدراية بالعدو الاسرائلي حق المعرفة العلمية الدقيقة مثل "السيد حسن نصر الله"(قناة الجزيرة)؛ ألا يمكن البناء على ما تقدم ذكره لمحاولة فهم موقف حزب الله، من غير زاوية "اليوتيوب" و " الشهود العيان" النكرة للمتلقي العربي؟.

 5-      مع احترامنا للمكانة الإعلامية للأستاذ كريشان، لكن لا يمكن بحال قياسها بالأستاذ هيكل، الذي أثار تساؤله لما له من علم و خبرة، حول دور قناة الجزيرة في حواره مع المعني، و كان أول رجل من مستواه يعلن بشكل واضح توجسه مما تبطنه تلكم الحملة المسعورة ضد النظام السوري في بدايات الأزمة، ملمحا لاحتمال وجود هواجس جدية و مؤشرات مخيفة لما يراد من ورائها،   و لعله كان آخر تسجيل لهذا الهرم الإعلامي مع القناة، لم يكن هيكل مؤيدا للنظام السوري فضلا على أن يكون أحد شبيحته كما يحلو للبعض وصفه؛ لكن خبرته العالية الإعلامية دعته لاتهام قناة الجزيرة مباشرة بتأجيج الوضع، خارجة عن المهنية و الوعي بمسؤولية تداعيات هكذا سياسة،والانتقال من مربع العمل الصحفي المحترف إلى موقع آخر. (قناة الجزيرة).

 6-      و من باب تنشيط الذاكرة الذي اعتمده الأستاذ كريشان ساخرا مع الأسف في ختام مقاله 29/05، و دون سخرية مني، لطالما شخصيا أرقني تساؤل، حول معلومة ألقى بها "سامي الحاج" (مصور قناة الجزيرة الذي كان معتقلا في غواتنامو) في حواره مع الأستاذ، مفادها عرض تلقاه من المخابرات الأمريكية للعمل لصالحها من داخل القناة، و حين سألهم كيف يتواصل معهم، كان الرد بأن لديهم عملاء داخل القناة؛ هنا تساءل الأستاذ كريشان عن هذه المعلومة الخطيرة هل بلغها صاحبها للإدارة، فكان الجواب نعم و قد وعدت بفتح تحقيق (قناة الجزيرة-الحلقة الأخيرة من لقاء خاص مع سامي الحاج)؛ السؤال الجدي: أين نتائج التحقيق؟.

 أخيرا، اتفقنا مع حزب الله أو اختلفنا  بشأن موضوع سورية، تقتضي الموضوعية عدم إسقاط سياساته و مرتكزاتها و مكنزماتها التي قامت على دماء شهداء و تضحيات جسام، و تجاوزها هكذا لمجرد الاختلاف؛ و علينا الإقرار بأن مواقفه مؤسسة على معاينة و متابعة ميدانية و تواصل مباشر مع كل المعنيين، و غيره يعتمد "اليوتيوب" و "الفوتوشوب". حتى لا توصف على الأقل أحكامنا بالمكابرة   و ليس الغباء فحسب.

 

- مواطن جزائري

ismailelkacimi@gmail.com

 

شوهد المقال 2072 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب"

نجيب بلحيمر   ثلاثة أيام من الحملة الانتخابية كانت شاقة وطويلة على المرشحين الخمسة. كل المؤشرات تقول بأن المخاطرة لم تحسب جيدا من طرف السلطة الفعلية،
image

العربي فرحاتي ـ حتى يخرس الخراصون ..انعدام معايير الإنتخاب في الجزائر

د. العربي فرحاتي  ما أجملها من قيمة إنسانية حين نجعل "من الحبة قبة " في مثل حدث المرأة التي إعتدي عليها بالملاسنة..ما أجمل أن
image

محمد هناد ـ أصل الداء ..قيادة العسكر باسم الشعب

د. محمد هناد  إصرار القيادة العليا للقوات المسلحة على المضي، بسرعة، بالانتخابات رغم المعارضة الشعبية الواسعة لها لأسباب لا تحتاج إلى توضيح، يدل على أن
image

نوري دريس ـ برنامج مرشحو هواة التعيين

د.نوري دريس   حتى بوتفليقة في حملته الانتخابية الاولى , كان يقول انه سيحارب الفساد و يسترد الأموال المنهوبة...و حصيلة رئاسته باتت معروفة, و اللخزي الذي لحقه
image

فارس كمال نظمي ـ الثورة ... بين النقصان والاكتمال..!

 د.فارس كمال نظمي  يقول فكتور هوجو: ((الثورة فيضُ غيظ الحقيقة))، لكن الحقيقة لا تتحول إلى ملموس واقعي متحقق على الأرض دون إطار سياسي ذي حدٍ
image

مصطفى قطبي ـ تصعيد الاقتحامات والانتهاكات للحرم القدسي... هل هو تحضير لمخطط تهويد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم...

مصطفى قطبي* ما يجري من عدوان يومي ممنهج بحق المسجد الأقصى من قبل شرطة الاحتلال ومستوطنيه تخطى كل عدوان سابق وكل ما يمكن تخيله منذ
image

نجيب بلحيمر ـ تبون.. الإثارة ومخرج النجاة

نجيب بلحيمر   هل للجيش مرشح في انتخابات 12 ديسمبر؟ رئيس الأركان أجاب قبل طرح السؤال بأن الجيش لن يكون له مرشح، وبالأمس فقط قال
image

أحمد سعداوي ـ انتفاضة تشرين العراقية

 أحمد سعداوي    قد لا يبدو من الواقعي القول أن انتفاضة تشرين انطلقت منذ البداية بوعيٍ حاضر للاعتراض على النفوذ الإيراني، أو أن الكثير من
image

رضوان بوجمعة ـ انتخابات في الجزائر تحت ضغط الاعتقالات والمظاهرات (1)

د. رضوان بوجمعة  تبدأ اليوم الحملة الانتخابية للرئاسة الجزائرية التي عُيّن لها موعد 12 كانون الأول/ ديسمبر. فمن يكون هؤلاء الخمسة الذين أعلنوا ترشحهم وما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats