الرئيسية | أعمدة الوطن | إعلان الحرب على "حزب الله"

إعلان الحرب على "حزب الله"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 إسماعيل القاسمي الحسني

من السهل للغاية أن يجاري المرء التيار الإعلامي العربي الجارف، المدعم طبعا بتصريحات رموز السياسة الأمريكية و صناع قرارها، و أتباعهم الأوروبيين، طلبا لشهادة "الوطنية" وصك "الدفاع عن حقوق الشعوب" و غيرها من الأوسمة التي يبدو أنها باتت بضاعة رخيصة يحتكرها بعض المفكرين  و السياسيين، يوزعونها نياشين على من اصطف في طابورهم، و إلا رجموه بكل نعت قبيح، هو كذلك حكر في قواميسهم، و ملكية خاصة لا يمكن في تصورهم أن ترتد عليهم بكل بساطة، لأنها مجانية  و ملك من لا حجة له.

و لعل من أعقد المشاكل التي تعترض المفكر، هي توضيح الواضحات من الأمور، و محاولة تبين المسلمات؛ لا يجادل أحد في مستوى العدالة و سياسة المجتمع للدول المشار إليها على الصعيد الداخلي، لكن هل ينسحب ذلك بالضرورة على السياسة الخارجية لها، و علاقتها على وجه الخصوص بالعالم الإسلامي و شعوبه؟ التاريخ المعاصر بكل مراحله و محطاته المفصلية، يؤكد بأنها (الدول الغربية) قامت بجرائم ضد الإنسانية كنا نحن أهم و أكثر ضحاياها، نتيجتها ملايين الشهداء و الأرامل و الثكالى و اليتامى، دون احتساب نهب الثروات، من المغرب الأقصى إلى بورما، و العداء و الحرب علينا مازالا قائمين إلى اليوم، على جميع الأصعدة و بكل الأدوات الممكنة و منها طبعا الإعلامية و إن كانت عربية اللسان؛ لا أدل على ذلك لمن يريد معاينة وطيسها أن يقف على حال فلسطين وطنا محتلا، و شعبها الذي شرد منه الملايين،   و حال الحصار القائم إلى الساعة على جزء منها "قطاع غزة"؛ و هل من الصعب فهم العدالة، بكونها كلٌ لا يمكن أن يتجزأ ! لن أستدل بجريمة هيروشيما 1945 كما فعل الراحل محمد درويش في قصيدته المعلقة، لينتهي إلى الزبدة "أمريكا هي الطاعون و الطاعون أمريكا"؛ و لكن باختصار شديد، هذه الدولة بذاتها و حلفاؤها ساعدوا بالأمس القريب الشعب الأفغاني ضد الاحتلال السوفيتي، هدف إنساني شرعي لا خلاف حوله، ثم ألم تقم هي بدورها باحتلال هذا البلد و تدميره و نهب ثرواته؟ هي نفسها و من معها حررت الشعب العراقي من ظلم و استبداد نظام البعث، كذلكم صيغت المبررات التي ليس لأحد أن ينكر وجاهتها، ثم أليست هي من احتلت العراق و مزقته و أبادت مئات الآلاف بل الملايين من شعبه، و حولته من أغنى الشعوب إلى أفقرها، و تقوم إلى اليوم بنهب ثرواته، التي قدرت بخمسة تريليون دولار ! دون تفصيل حال ليبيا اليوم و اليمن، أليست كلها أضحت دولا فاشلة بامتياز بعد أن انتصرت أمريكا و حلفاؤها لشعوبها و حقوقها المشروعة؟. كم يتعذر على المرء فهم إمكانية تصديق أن الولايات المتحدة و حلفاءها، يقفون إلى جانب الشعب السوري و اللبناني، خاصة من عايش جرائمهم ضد بقية الشعوب العربية  و الإسلامية.

 الحرب الإعلامية على حزب الله ليست وليدة أحداث سورية، و إنما أعلنت بشكل رسمي على لسان جيفري فيلتمان مساعد وزير الخارجية آنذاك، في الكونجرس الأمريكي 08/07/2010، حين أقر بصرف مبلغ نصف مليار دولار بدء من انتصار الحزب 2006؛ لتحقيق خمسة أهداف، ثانيها كان "الحد من صورة حزب الله الايجابية لدى الناس" و آخرها كان "عدم تهيئة الظروف ليتمكن حزب الله من ملء الفراغ أو من أن  ينمو و يقوى"،  و من الغفلة توقع هذه الحرب الإعلامية عبر أدوات غربية، بل تفطن الغرب منذ زمن بعيد، يعود لما قبل الإطاحة "بالخلافة" العثمانية، لمحدودية العقل العربي، و ملخصها "إن لم تكن معي فأنت ضدي"، و بنا عليها سياسته التي تتمثل في شحن أدوات الحرب للإخوة الأعداء، و يتولون نيابة عنه التدمير الذاتي بكل قوة.

 و ها نحن اليوم نشهد عبر فضائياتنا و صحفنا عملية "شيطنة حزب الله" فضلا عن إيران و النظام السوري، تكاد تمل سماء العالم العربي و أرضه، و هي التي بالأمس القريب كانت تعتبره مقاومة وطنية شريفة، بل و أسقطت عنه انتصاراته كلها - عقيدة و سلوكا- بما فيها تلكم التي نقف اليوم على ذكراها الثالثة عشر 25/05/2000 لتحرير الجنوب اللبناني؛ لا يتوقف العجب هنا على اعتبار نقطة التحول الدراماتيكي، لحظة إعلان الأمين العام لحزب الله عن وجود عناصر تابعة للحزب في سورية، دفاعا عن مقام السيدة زينب و منطقة القصير، إنما العجب كله في محو ما تقدم هذا الموقف، من أدلة و تقاريرو وقائع تنتهي بالضرورة الحتمية لموقف "نصر الله"، أو على الأقل توضح بشكل ما أسباب هذا التطور الخطير للغاية.

 تقدم موقف السيد حسن نصر الله، بحوالي شهرين تقرير لمنظمة العفو الدولية 14/03/2013 يعرض بالتفصيل لجرائم حرب ترقى لوصفها "جرائم ضد الإنسانية" بحق مدنيين من الشيعة و العلويين، تقوم بها الجماعات المسلحة في سورية، أكثر من ذلك يفصل التقرير بأن من بين المواقع التي تعرضت لمثل هذه العمليات الإجرامية كما وصفتها المنظمة "منطقة القصير" تحديدا؛ هذه الشهادة تهمل، و لا يلتفت إليها من يتحامل على موقف حزب الله، كأنما ضحاياها لا يعدون بشرا، أو هو دعم ضمني كأنما يستحقون فعلا الذبح، و أحسن ما تجود به قريحة هؤلاء هو الطعن في صحة التقرير كما حدث بخصوص السلاح الكيميائي تماما.

 و لا يفهم المرء كيف يستقيم القول بأنه مسموح للمقاتلين الأجانب، الذين اعترف بوجودهم في سورية العالم بأسره، فضلا عن أحمد معاذ الخطيب و الوجوه البارزة من المعارضة مثل هيثم مناع، الدفاع عن المدنيين السوريين، بل و تدعو الدول بشكل رسمي لتسليح هؤلاء، كما أقر اليوم الكونغرس الأمريكي 21/05، و يحرم على "حزب الله" ذات الذريعة، أي الدفاع عن مدنيين سوريين (من أصل لبناني)، أثبتت المنظمات المستقلة و المعارضة بأنهم مهددون فعليا في حياتهم.

 ختاما أقول: إن توصيف الفعل بالجرم لا يتغير بحكم تغير الفاعل، بل هو وصف أصيل لصيق بطبيعة الفعل ذاته، بمعنى لا يمكن اعتبار ما يفعله النظام السوري ضد المدنيين جرما، و ما تفعله الجماعات المسلحة قربانا إلى الله، بل هو عينه ذات الجرم، و كما استدعى ذلك الشرعية لدفاع الأجانب عن المدنيين، هو نفسه ما يعطي الشرعية لحزب الله بالدفاع عن المدنيين؛ حري بالولايات المتحدة و لفيفها إذا سلمنا لها بإجرام النظام السوري و حزب الله، أن يبرروا لنا جرائمهم هم ضدنا من أفغانستان إلى الجزائر على امتداد ما يزيد عن القرن، بدل إقناعنا بصورة "الأسد" و "نصر الله"؛  وإن كنت أتفهم اتهامات وجوه المعارضة السورية لحزب الله، و هم الطرف الآخر في وجهه، و التي سخرت لها كثير من الفضائيات، فالحري بهم أن يفسروا لنا التهم الموجهة إليهم هم أنفسهم بالمتاجرة بدماء السوريين و أرواحهم، و التي جاءت ضمنا خلال خطاب أحمد معاذ الخطيب، يوم تنصيب غسان هيتو، و ما أفضى به علنا هيثم مناع تبريرا عدم الانضمام إليهم، و آخرهم ما ورد من اتهامات خطيرة في مقال مشال كليو 19/05/2013 بصحيفة السفير؟ هنا فعلا مربط الفرس. ليبيضوا وجوههم التي سودها شهود منهم، قبل السعي لتسويد وجوه غيرهم بإعلان الحرب على حزب الله.

 

- فلاح جزائري

ismailelkacimi@gmail.com

شوهد المقال 2967 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats