الرئيسية | أعمدة الوطن | العراق الأمريكي

العراق الأمريكي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بقلم نقولا ناصر*

إن الترويج الاعلامي السوري المتسرع الذي يرقى إلى "التمني" أكثر مما يعكس موقفا عراقيا أصيلا عن انضمام العراق إلى محور الممانعة، وتركيز دول الخليج العربية على "النفوذ الايراني" المتنامي فيه بمبالغة تحجب النفوذ الأمريكي الأهم في العراق وفي هذه الدول معا، ومنح المقاومة العراقية الأولوية للتحرر من هذا النفوذ "الصفوي" الايراني بافتراض أن العراق قد تحرر نهائيا من الاحتلال الأمريكي في افتراض سابق لأوانه، إنما هي جميعها عوامل تساهم في تعزيز التغطية على الدور الأمريكي الأخطر في العراق الذي يمثل المحرك الأهم لسياسة الحكومة المنبثقة عن الاحتلال الأمريكي في بغداد.

وهو ما يجعل العراق قنبلة أمريكية موقوتة يظل توقيت انفجارها في وجه سورية وإيران مسألة وقت فحسب، فساتر الدخان الأسود الكثيف المنبعث مما يسمى "الربيع العربي" الذي يطغى عليه لون الدم الأحمر صرف الأنظار بعيدا عن رؤية "العراق الأمريكي" وسلط الأضواء على العراق "الايراني" و"الطائفي" بما يخدم التعمية على دور الولايات المتحدة فيه.

وعندما يوقع وزير دفاع الولايات المتحدة ليون بانيتا ببغداد في السادس من هذا الشهر مذكرة تفاهم على التعاون العسكري والأمني مع سعدون الدليمي، وزير الدفاع العراقي بالوكالة (حيث ما زال رئيس الوزراء نوري المالكي يحتفظ بحقيبة وزير الدفاع)، "استمرارا للاتفاقية الاستراتيجية" الثنائية طويلة المدى، كما قال الدليمي، التي وقعت بين البلدين كشرط مسبق لانسحاب قوات الاحتلال الأمريكي بنهاية العام المنصرم، بينما تقود واشنطن حرب "تغيير النظام" في دمشق، وبينما الإعلام الرسمي السوري يروج للعراق المنبثق عن الاحتلال الأمريكي باعتباره قد أصبح عضوا في محور الممانعة والمقاومة مع سورية وإيران، فإن التناقض الصارخ بين ما "يوقع" على الأرض في العاصمة العراقية وبين ما "يروج" له عن العراق في العاصمة السورية يثير أسئلة جادة عما يحدث في العراق تحت ساتر الدخان الأسود الكثيف الذي يغطي سماء الوطن العربي نتيجة لما يسمى "الربيع العربي" ويجعل رؤية وقائع وحقائق ما يحدث فيه مهمة تزداد صعوبة يوميا، وبخاصة في العراق.

ففي الصورة العامة الظاهرة يبدو العراق اليوم تكتيكيا مغازلا للتمنيات الشعبية العربية ويسير في الاتجاه المعاكس للسياسة الأمريكية الإقليمية ما يزيد في التعتيم على علاقاته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.

فهو يعلن معارضته للتدخل العسكري الأجنبي في سورية، ويعارض تسليح المعارضة الذي يدمر الدولة السورية من دون أن يلوح في الأفق القريب أنه قادر على "تغيير النظام" فيها فيما تبذل واشنطن قصارى جهودها لتغييره، ويوثق علاقاته في كل المجالات مع إيران التي تلوح واشنطن بخيار الحرب عليها لوقف برنامجها النووي حد اتهام حكومته بأنها صنيعة إيرانية وألعوبة بايدي طهران، ويرفض فتح العراق أمام تركيا عضو حلف الناتو الذي تقوده الولايات المتحدة طريقا لتجارة الترانزيت التركية بديلا للطريق السوري الذي أغلق في وجهها، ويستمر في مواجهة مع دول الخليج العربية المتحالفة مع أمريكا، ويحول السلاح الأمريكي القليل الذي يحصل عليه ضد منافسيه العراقيين المدعومين من أمريكا وحلفائها الأتراك والخليجيين، ويلوح بصفقة تسلح مع روسيا التي تخوض حربا باردة مع الولايات المتحدة حول سورية، ويحول الأراضي العراقية إلى جسر إمدادات دعم إيراني لسورية، ويوقع مع إيران وسورية العام الماضي مشروعا لبناء خط أنابيب للغاز الطبيعي الايراني يوصله إلى سواحل البحر الأبيض المتوسط، ويدعو مندوبه الدائم للجامعة العربية قيس العزاوي إلى استخدام "سلاح النفط" العربي للضغط على الولايات المتحدة أثناء العدوان الاسرائيلي الأخير على قطاع غزة الفلسطيني، ويطلق سراح علي موسى دقدوق، أحد قادة حزب الله اللبناني، بالرغم من مطالبة الولايات المتحدة تسليمه لها بتهمة قتل جنود أمريكيين، ... الخ.

وبالرغم من كل ذلك وغيره لا يسمع المراقب أي احتجاج من واشنطن، ناهيك عن ممارسة أي ضغوط أمريكية تهدد بفرض عقوبات تسارع الولايات المتحدة إلى فرضها قبل التهديد بها على دول أخرى لا تفكر بأكثر من مجرد "تطبيع" علاقاتها مع سورية وإيران، لا بل إن واشنطن في الحالة العراقية تسارع إلى "مكافأة" العراق بتوقيع مذكرة التفاهم العسكري والأمني الجديدة معه، وتعتبره "الآن شريكا رئيسيا للولايات المتحدة في المنطقة"، و"تقيم صلات قوية وواسعة" معه "في القضايا الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية والأمنية طبقا لاتفاقية إطار العمل الاستراتيجي" بين البلدين، حسب بيان الحقائق عن العلاقات الثنائية المنشور على الموقع الالكتروني لمكتب شؤون الشرق الأدنى بوزارة الخارجية الأمريكية في السابع من أيلول الماضي.

بل و"تفخر" واشنطن بأن العراق الذي "حررته" كما تدعي يرأس جامعة الدول العربية الآن ويستضيف محادثات دولية حول برنامج إيران النووي ويلعب دورا اقليميا متناميا.

إن التزامن بين التراجع العراقي عن صفقة السلاح الروسي بحوالي أربع مليارات دولار أمريكي وبين التوقيع على مذكرة التفاهم العسكري والأمني العراقية الأمريكية أوائل الشهر الجاري مؤشر واضح إلى نفوذ الولايات المتحدة الاستراتيجي في العراق باعتبار الصفقة الروسية لو أبرمت كانت ستمثل تحولا استراتيجيا ماديا بعيدا عن هيمنة هذا النفوذ.

وكان استخفاف المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند بمشروع استراتيجي آخر بعيدا عن هذه الهيمنة مؤشرا آخر بقولها في العشرين من الشهر الماضي إن واشنطن سمعت بالتقارير عن خط أنابيب نفط الغاز الطبيعي الايراني عبر العراق وسورية "ست أو سبع أو عشر أو 15 مرة من قبل، ولا يبدو أبدا أنها سوف تتجسد" واقعا ماديا.

لكن المؤشر الأحدث والأهم إلى أن الولايات المتحدة هي صانع القرار الاستراتيجي الأول في العراق ظهر خلال اجتماع منظمة "أوبيك" الثاني والستين بعد المائة الذي انعقد في في فينا بالنمسا يوم الأربعاء الماضي برئاسة وزير النفط العراقي عبد الكريم لعيبي باهض وقرر الحفاظ على مستوى الانتاج الحالي لأوبيك البالغ (30) مليون برميل يوميا.

فعلى ذمة "رويترز"، ظهر الخلاف بين عملاقي الانتاج النفطي العربي السعودي والعراقي حول الدول الأعضاء التي ينبغي أن تخفض إنتاجها في حال انخفاض سعر البرميل الحالي البالغ (108) دولارات أمريكية، إذ رفض العراق الذي حل محل إيران كثاني أكبر منتج بعد السعودية أي استعداد لخفض إنتاجه بينما يعد "خططا طموحة لمضاعفة الانتاج ثلاث مرات" بحلول عام 2020 كما قال نائب رئيس وزرائه حسين الشهرستاني، ليقارب العشرة ملايين برميل يوميا، مع أن ضبط الانتاج بما يخدم مصالح الدول المنتجة لا مصالح الدول المستهلكة هو سياسة معلنة لايران التي تعد "الحاكم بأمره" في العراق اليوم في رأي واشنطن ومن يدور في فلكها، ليذكر هذا الرفض العراقي بأن زيادة الانتاج وعدم خفضه في إطار الاتفاق الاستراتيجي الأمريكي العراقي كان هو الجائزة الكبرى لغزو الولايات المتحدة للعراق فاحتلاله عام 2003.

* كاتب عربي من فلسطين 
* nassernicola@ymail.com

شوهد المقال 2188 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة المبدعة وإفلاس السلطة "المرضعة"

  د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 160   تدخل الثورة السلمية عامها الثاني، الأسبوع القادم، وهي باقية ومستمرة، واضحة في رؤيتها، وسلمية وذكية في أدواتها، ووطنية في جغرافيتها
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية.. مفاجأة الجزائر لنفسها

نجيب بلحيمر   بدهشة اللحظة الأولى يحيي الجزائريون سنوية الثورة السلمية التي كانت مفاجأة الجزائر لنفسها.. جمعة أخرى ترتسم فيها صورتان، الأولى لجزائر المستقبل التي
image

العربي فرحاتي ـ الحراك ..والكيد لمحاولات اعتقال الحراك والسطو ...

 د. العربي فرحاتي  صحيح أن العصابات أرهقت الشعب طيلة حكمها منذ الاستقلال بكيدها ومكرها وبسياساتها التحكمية والاحتوائية .حيث أزاحوا الشعب ومقومات ثورته باسم الشعب
image

النظام الجزائري يرفض رسمياً ترخيص لإقامة ندوة جامعة في قاعة حسان حرشة لفتح نقاش جاد بين نشطاء وفعليات الحراك

بيان  تأجيل الندوة الجامعة لنشطاء وفعاليات من الحراك الشعبي والدعوة الى عقد ندوة صحفية غدا الخميس *نحن فعاليات ونشطاء من الحراك الشعبي، احتفالا بالذكرى الأولى
image

وليد عبد الحي ـ في مختبراتهم نحو المستقبل

 أ.د . وليد عبد الحي  ما الجديد في جعبة العلم القادم ؟ وما هي المشروعات التي يفكرون ويعملون على انجازها ؟  1- الوصول الى
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الفقر يصافح صانعه

عثمان لحياني  يحدث أن يلتقي الفقر بصانعه في قصر المؤتمرات في العاصمة الجزائرية، فعلى شاشة كبيرة شاهد الرئيس عبد المجيد تبون والوزراء في الحكومة
image

سعيد لوصيف ـ الموقف: ارادة التغيير لا تتأتى ببيانات.. المبادرات تشخيص مغلوط لواقع معلوم...

د. سعيد لوصيف  الواقع مستمر منذ سنة ويعبر عن صراع ارادات : ارادة التغيير في مواجهة ارادة اعادة انتاج النظام واستمراره... القول بندوة جامعة ينمي
image

فوزي سعد الله ـ عن إسهام الأندلسيين في نهضة بجاية وازدهارها والدِّفاع عنها...

فوزي سعد الله   "...في القرن 13م، أًصبح الأندلسيون، يقول ناصر الدين سعيدوني في "دراسات أندلسية" ، يحتكرون تقريبا المناصب العليا في الدولة في
image

نجيب بلحيمر ـ سلطان الظلام ..القانون غير المكتوب في الجزائر

نجيب بلحيمر  في ثلاثة ايام يظهر الحكم بالإعدام الذي صدر في حق جريدة النهار. لا يهم رأينا في الجريدة ومحتواها، لا نعرف كيف اتخذ قرار حرمانها من
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats