الرئيسية | أعمدة الوطن | خروج على ثابت فلسطيني

خروج على ثابت فلسطيني

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بقلم نقولا ناصر*

كان وما زال عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول العربية، وفي المنازعات بينها، ثابتا من الثوبت الفلسطينية، ومحل إجماع فلسطيني، يتجاوز الانقسام الوطني الراهن وكل الخلافات بين فصائل العمل الوطني. لكن تأييد ممثل فلسطين في جامعة الدول العربية لقرار تعليق عضوية سورية في الجامعة في الثاني عشر من الشهر الجاري مثل خروجا واضحا على هذا الثابت الفلسطيني، لا يحظى باجماع فلسطيني، ولا يزال ينتظر تفسيرا رسميا يوضح حيثياته وأسبابه والغموض الذي لا يزال يحيط بدواعيه.

وفي غياب أي تفسير رسمي، يتلخص ما حدث، حسب ما ورد في وسائل الاعلام، في تنازل فلسطين المفاجئ دون مقدمات عن الرئاسة الدورية للدورة ال 136 لجامعة الدول العربية لصالح قطر، وهذه واقعة ليست موضع جدل، فقد أعلنها في الثالث عشر من أيلول / سبتمبر الماضي وزير خارجية سلطنة عمان يوسف بن علوي بن عبد الله الذي كانت بلاده الرئيس الدوري للدورة ال 135 السابقة. وكانت هذه المبادلة مفاجئة، ففي اليوم السابق كان ممثل فلسطين بركات الفرا قد تولى الرئاسة، ونقلت عنه وكالة الأنباء الرسمية للسلطة "وفا" حثه للأقطار العربية الشقيقة على الدعم السياسي لطلب عضوية فلسطين في الأمم المتحدة، ودعم السلطة الفلسطينية ماليا، ودعم المؤسسات الفلسطينية في القدس المحتلة.

غير أن الجدل يدور حول أسباب التنازل الفلسطيني، وسط تكهنات إعلامية قال أحدها، على ذمة "مصادر" نقلت عنها صحيفة الأنباء الكويتية، وغيرها، إنه حدث ضمن "تفاهم" مع قطر، تتولى الدوحة بموجبه تغطية النفقات المالية للسلطة الفلسطينية في رام الله لمدة أربعة أشهر، في إطار مواجهة السلطة للأزمة المالية الناجمة عن العقوبات المالية التي فرضتها دولة الاحتلال الاسرائيلي وراعيها الأميركي عليها مؤخرا لإرغامها على سحب طلب عضوية دولة فلسطين في الأمم المتحدة وعدم تنفيذ اتفاق المصالحة الوطنية مع حركة المقاومة الفلسطينية "حماس". ولم يصدر لا عن السلطة ولا عن قطر ما ينفي تلك "التكهنات" حتى الآن.

ومع أن بعض وسائل الاعلام المؤيدة لسورية اعتبرت أن توقيت "المبادلة" الفلسطينية القطرية مكن قطر من احتلال موقع قيادي في الجامعة العربية استغلته الدوحة للتصعيد العربي ضد دمشق، فإن الموقف السوري الرسمي المنشغل بمنع أي تدخل عسكري أجنبي من الخارج وبالتصدي لما يقول إنه "عصابات إرهابية مسلحة" في الداخل قد تحاشى الدخول في ملاسنة ثانوية تحمل أي مسؤولية لمنظمة التحرير الفلسطينية جراء قرارها التنازل عن رئاستها الدورية لقطر ثم قرارها بتأييد تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية وفرض عقوبات اقتصادية عربية عليها.

لكن انعدام رد الفعل السوري لا يجب أن يكون سببا كافيا لعدم وجود رد فعل فلسطيني، يصر في الأقل على معرفة أسباب وحيثيات القرارين، ليس فقط لأن مبادلة "ثابت" وطني ب"نجدة" مالية هو أمر مرفوض وطنيا من حيث المبدأ، وليس لأن القرارين لا يحظيان باجماع فلسطيني فحسب، بل أيضا لأن الخروج على هذا الثابت الفلسطيني بالذات يثير مجموعة من الأسئلة الوطنية الهامة.

وأول هذه الأسئلة يتعلق بالتناقض بين القرارين وبين ما أعلنه رئيس السلطة محمود عباس برام الله في السادس عشر من الشهر الجاري حول موقفه من "الربيع العربي" عندما قال: "موقفنا هو أن لا نتدخل في الشؤون العربية الداخلية. نحن نراقب ولا نقول كلمة هنا وكلمة هناك". وهذا هو موقف حماس ايضا، وقد كرر عضو المكتب السياسي للحركة د. محمود الزهار التأكيد عليه بقوله لصحيفة الأخبار اللبنانية في الخامس والعشرين من أيار / مايو الماضي إن "موقفنا مما يحدث في سورية هو ذاته موقفنا مما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن: نحن لا نتدخل في الشأن الداخلي العربي في وقت الثورات ولا في وقت الهدوء. نحن ضيوف على القطر هدفنا هو العودة الى فلسطين. من يتدخل في الشأن السوري في هذا الاتجاه أو ذاك عليه أن يدفع ثمن ذلك". لكن "ثمن" القرارين المناقضين لهذا الموقف المعلن لا يمكن أن يقتصر على فصيل فلسطيني بعينه، ولذلك لا يجوز السماح لأي فصيل بالخروج على الاجماع الفلسطيني على هذا الموقف باعتباره من الثوابت الوطنية.

ولا يسع أي مراقب محايد إلا ان يتساءل كيف يمكن للانحياز الفلسطيني الى محور عربي ضد سورية والتدخل الفلسطيني في شأن سوري داخلي أن يساهم ايجابيا، على سبيل المثال، في إنجاح مساعي المصالحة الوطنية عشية لقاء عباس في القاهرة مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل الذي يتخذ من دمشق مقرا له.

وثاني الأسئلة يتعلق بمصير أكثر من نصف مليون لاجئ فلسطيني تستضيفهم سورية معززين مكرمين منذ النكبة عام 1948. وسواء صدق أم لم يصدق الخبر الذي نشرته صحيفة المدينة السعودية يوم الأربعاء الماضي عن قلق أردني من تهجيرهم الى الأردن، فإن تجربة اللاجئين الفلسطينيين الى العراق ما زالت نازفة بعد "التحرير الأميركي للعراق من الدكتاتورية"، والقلق على مصير مماثل لأشقائهم في سورية قلق مشروع يتزايد طرديا مع تزايد احتمالات التدخل الخارجي في الأزمة وتصعيد التمرد المسلح المدعوم من ذات القوى الأجنبية المسؤولة عن مأساة الفلسطينيين في العراق، ناهيك عن مصير فصائل المقاومة الفلسطينية التي تحتضنها دمشق.

وثالث الأسئلة يتعلق بالموقف الفلسطيني المتناقض الذي يجد نفسه اليوم في مواجهة دبلوماسية وسياسية مع دولة الاحتلال الاسرائيلي وراعيها الأميركي اللذين يسعيان فيها الى عزل فلسطين وقياداتها جميعا لكنه يتخذ قرارين يستهدفان عزل السند العربي السوري التاريخي الاستراتيجي لحركة التحرر الوطني الفلسطينية. يوم الأربعاء الماضي نشرت اليومية العربية السعودية باللغة الانكليزية، "أراب نيوز"، مقالا بعنوان "عزل سورية هدية لاسرائيل" قالت فيه كاتبته، ليندا هيرد، ما كان يجب ان يدركه متخذ قرار تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية، ففي رأيها أن "إخراج سورية من المعادلة الاقليمية" سوف يطلق يد "اسرائيل حرة لتفعل الأسوأ" في جعبتها و"يمهد الطريق لهجوم اسرائيلي على ايران تسنده الولايات المتحدة" وهو الهجوم الذي يردع رد الفعل السوري واللبناني والفلسطيني المتوقع دولة الاحتلال عن شنه الآن، لتخلص الى القول إن "سورية حاليا قد تكون خارج الجامعة العربية مؤقتا لكن يجب عدم التخلي عنها لمن يعوون كالذئاب على أعتابها".

ورابع الأسئلة الهامة يتعلق بالأولوية التي تحتلها القضية الفلسطينية على جدول الأعمال العربي في الوقت الراهن. إن سحب الملف الفلسطيني من احتكار الرعاية الأميركية له والذهاب به الى الأمم المتحدة مباشرة قاد الى وضع القضية الفلسطينية في مركز الصدارة التي كانت تحتله إبان المقاومة الوطنية التي وضعتها على رأس جدول الأعمال الدولي الاقليمي. لكن الولايات المتحدة نجحت كما يبدو في إزاحتها عن مركز الصدارة لصالح قضايا عربية وشرق اوسطية اقل اهمية منها بكثير في تقرير مصير الحرب والسلم في المنطقة.

وكان المطلوب عربيا وفلسطينيا تعزيز الموقف الفلسطيني كي تظل قضيته الوطنية في موقع الصدارة دوليا، والرئاسة الفلسطينية الدورية للجامعة العربية تخدم هذا الهدف، لكن التنازل المجاني عن هذه الرئاسة يظل بحاجة الى تفسير مقنع ينفي كونه مجرد ثمن باهظ لمجرد تمويل رواتب موظفي السلطة لبضعة اشهر. فبعد هذا التنازل لا يجادل اثنان اليوم في أن القضية الفلسطينية لا تحتل صدارة ما تبقى من العمل العربي المشترك، بينما كل دولة عربية على حدة منكفئة على ذاتها ومنشغلة بالخروج سالمة من عاصفة الحراك الشعبي التي يختلط فيها حابل الثوران الداخلي المشروع بنابل التدخل الأجنبي غير المشروع.

لقد أوصى المجلس الاقتصادي والاجتماعي للجامعة العربية في السادس والعشرين من هذا الشهر بحزمة عقوبات عربية ضد سورية، وفلسطين جزء من هذه العملية. وكان المقرر يوم الجمعة الماضي أن تبلغ الجامعة "مجلس الأمن الدولي بهذا القرار" وتطلب منه "دعم جهود الجامعة العربية في تسوية الوضع المتأزم في سورية". وفلسطين جزء من هذه العملية العربية لتدويل الأزمة السورية.

والرئيس عباس يقول: "نحن نقول إننا مع الشعوب". وقال أمين عام مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، د. محمد ربيع، في مذكرة سلمها الأربعاء الماضي الى أمين عام الجامعة العربية، د. نبيل العربي، إن عزل سورية اقتصاديا "سيعاقب الشعب السوري أكثر مما سيعاقب النخب السياسية". فهل كان القرار الذي اتخذه عباس بتأييد تعليق عضوية سورية و"الاجراءات" اللاحقة المبنية عليه قرارا في خدمة "الشعوب" حقا، وبخاصة الشعبين الشقيقين الفلسطيني والسوري؟

* كاتب عربي من فلسطين
* nassernicola@ymail.com

شوهد المقال 5341 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر
image

العربي فرحاتي ـ ندوة العائلات المعذبة للسجناء السياسيين في الجزائر ..28 سنة بركات

 د. العربي فرحاتي  في هذه اللحظات من يوم (١٨ جانفي ٢٠٢٠ ) تجري في مقر جبهة القوى الاشتراكية (الافافاس) بالعاصمة فعاليات ندوة "بعنوان " ٢٨
image

محمد الصادق مقراني ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

محمد الصادق مقراني سليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران
image

سعيد لوصيف ـ الثورة و التوافق المجتمعي الذي يستشف من المسيرات...

د. سعيد لوصيف   مرّة أخرى تثبت الثورة في أسبوعها 48 ، أنّها ثورة تتجاوز كل الاختلافات، و أن القوى المجتمعية الفاعلة فيها، بالرغم
image

صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

 صلاح باديس   بالصُدفة... وصلني رابط فيديو تتحدّث فيه امرأة شابّة عن والدها السّجين منذ تسعينات القرن الماضي. "سُجناء التسعينات" هذا الموضوع الذي اكتشفه الكثيرون
image

وفاة الدكتور عشراتي الشيخ

 البقاء لله.توفي اليوم والدي د. عشراتي الشيخ عن عمر يناهز 71 سنة بعد مرض عضال ألزمه الفراش.عاش عصاميا متشبعا بعروبته متشبذا بأصله بدأ حياته في
image

فوزي سعد الله ـ أول مستشفى في مدينة الجزائر خلال الحقبة العثمانية أُنجِز قرب باب عزون...

فوزي سعد الله   عكْس ما رددته المؤلفات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص طيلة قرون زاعمة عدم وجود مستشفيات في مدينة الجزائر العثمانية وفي هذا البلد
image

وليد عبد الحي ـ تركيا والتمدد الزائد

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن تطبيق نظرية المفكر الامريكي بول كينيدي حول " التمدد الزائد" على القوى الاقليمية في الشرق الأوسط (غرب آسيا)
image

سعيد لوصيف ـ تصويب "ساذج" لتفادي زنقة لهبال...

د. سعيد لوصيف  اعذروا سذاجتي... واعذروا ما قد يبدو أنه تطرفا في الموقف... لكن الامر الذي انا اليوم متيقن منه، هو أنني لست

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats