الرئيسية | أعمدة الوطن | رسائل شهرزاد إلى ملك البلاد (الرسالة 12) لعنة الأطباء ... لميس ضيف

رسائل شهرزاد إلى ملك البلاد (الرسالة 12) لعنة الأطباء ... لميس ضيف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
    
لم يحدثْ في مدينة من مدن العالم.. أن تولى الجاهلُ على العالم..واستهدف الأطباء؛ لأنهم تصرفوا كأطباء واستهدف الصحفيين الذين لم يسجدوا للنظام مادحين.. ووزعت أموال المعتقلين كغنائم، وراعي الرعية عن كل هذا نائم.. أتعرف يا ملك البلاد أن تاريخك سيخضب بالدموع والدماء لأنك راقبت بهدوء المشير و"الكبير" وهما ينتقمان من شعبك الفقير لأنه قال: نريدك أن تفي بما جاء بالميثاق فشددت عليه الوثاق وغداً تلتف الساق بالساق وإلى ربك تساق، وهناك لن ترَ حولك مشير ولا وزير ولا من كنت تستخير، بل ستقف وخصمك الأمهات اللواتي لُفقت لأبنائهن التهمات لما نطق قضاتك الخراصون أحكاماً: بعشر وعشرون، فأعمار الناس عندهم لعبة والعدالة نهبة والأحكام يستهلها كلٌ من جيبه ، وما نرتجي ممن لا يخاف ربه إلا أن يستر بفبركة التهم عيبه !!

شهرزاد ستروي اليوم قصة الأطباء الذين ملكوا الأدلة لإدانة القوات الأمنية؛ وهي تهمة استحقوا عليها المنية !!
شهرزاد

***

الأطباء.. الصوت الذي كان يجب أن يخرس..

بوحشية وجنون استهدف العسكر المتظاهرين تارة بنية قمع التظاهرات وأخرى بشهية الانتقام لترديدهم شعارات ضد المجنسين ( لاحظوا أن قوات الشغب إما مجنسون أو ينتظرون أوامر بتجنيسهم) ! على كلٍّ وجد الأطباء أنفسُهم – للمرة الأولى- أمام مئات الحالات التي تصرخ وتطلب العلاج..وكانت تلك بحد ذاتها محنة بالنسبة لطاقم الطوارئ الذي اعتاد على استقبال حالات التسمم والبرد ونوبات السكر والسيكلر، وكان استقبال ست مصابين بحادث سيارة -في وقت واحد- كفيل بإرباكهم فما بالكم بمئات المصابين دفعة واحدة !!

لن أنسَ ما حييت صوت أختي وهو يتسلل متحشرجاً وسط دموعها وهي تردد بصوت وهن ( الدم في كل مكان الكل يصرخ..أشعر أنني في غزة !!) لم تكن الأسرة تستوعب الجرحى وكنا نمر على جرحى ملقون في الممرات ينتظرون فراغ سرير لاستقبالهم في وجود آخرين -بنصف وعيهم- على كراسي الإنتظار.. كان الجرحى يصلون على دفعات على أكتاف المتظاهرين الذين يصرخون بصوت يتقاوى على الحزن والخوف بالتكبير المتواصل.. إصابات في العين، كسور مختلفة ،جرحى بالرصاص وحروق بسبب تفجر القنابل الصوتية على الأجساد.. لم يستطع أحدٌ منع الأمهات الثكالى والزوجات والشقيقات من الانتشار في كل ركن من المستشفى.. كان منظر مسن يبكي أو أم تدعي وتحتسب مألوفا في كل زاوية من المشفى.. وكلما فتح باب شخصت الأبصار وهي تنتظر خبرا -مفرحاً أو مدمراً- بعد ساعات أصبح التمييز بين المصابين وأهلهم صعبة: الكل كان يبدو موجوعًا ومتألمًا..

سرعان ما تملك الإحساس بالعجز والألم حتى الطاقم الطبي.. كثيرون منهم أخذوا ينتحبون كالأطفال: أسىً على الشباب أو خوفاً من الإخفاق في مساعدتهم.. كان الوضع هستيرياً.. كل شيء كان خارج السيطرة.

ولو أن أحداً قال للأطباء الذين واصلوا الليل بالنهار ليساعدوا الناس أنكم ستعذبون وتسجنون عوضاً عن أن تكرموا.. وأنكم ستتهمون بحيازة الأسلحة والاحتلال وستواجهون أحكاماً تفوق عقوبات تجار المخدرات؛ وسيعطونكم اعترافات وسيجبرونكم على قراءتها أمام العدسات؛ وسيشهر بكم وبعائلاتكم ليل نهار؛ لما صدقوا.. ولربما أطلقوا ضحكة مجاملة على هذه الفكرة المجنونة !

مارد الإنسانية.. يتغلب على تحفظ التكنوقراط

من المعروف عن التكنوقراط والتجار والمهنيين -حول العالم- تحفظهم السياسي.. قلما يكترثون للسياسة ونادراً ما يتبنون مواقف حادة ومن غير المحتمل أن يعبّروا عنها علناً.. الأطباء عالميا جماعات مستقرة مادياً وموقرة اجتماعياً..روح التحدي والمواجهة التي تملأ نفوس النقابيين والسياسيين والناشطين بعيدة عنهم..ولكن الظرف الذي وُضع فيه أطباء البحرين – ولم يختاروه- جعلهم يتمردون على تحفظهم ويفعلون ما لم نتوقعه منهم.. وقفوا بوجه السلطة ولم يحسبوا النتائج..

كانت وزارة الداخلية قد أمرت بعدم إرسال سيارات الإسعاف فيصر الطاقم الطبي على إسعافهم.. كان العسكر يقطعون الطريق لكي لا تصل سيارات الإسعاف فيراوغ المسعفون وينقلونهم.. قيل لهم لا تصرحوا بأعداد الجرحى فصرحوا للصحف المحلية والدولية.. أمرهم الوزير ورهطه أن يخفوا تقارير تشريح القتلى ففضحوا ولم يذعنوا.. أما الخطيئة الكبرى التي حوّلت الأطباء لألد أعداء القوى الأمنية فكانت رفضهم التستر على جريمة استخدام الرصاص الحي على المتظاهرين..

كانت القوى الأمنية – ولازالت بالمناسبة- تصر على أنها تستخدم الرصاص المطاطي فقط -وباعتدال- ولكن الأشعة التي سربها الأطباء تثبت استخدام الجيش للرصاص الحي في تفريق المتظاهرين !!

(خطر الاطباء.. ومكالمة المحرق)

كان الأطباء يعرفون أنهم يجازفون: بمناصبهم وترقياتهم –وبوظائفهم ربما- سيما عندما تملكهم الانفعال وخرجوا لدقائق يهتفون في باحة المستشفى.. كانت مجرد دقائق: ولكنها نفّست عن غضبهم وحزنهم.. دقائق: كانت كفيلة بتغيير مستقبلهم للأبد. دقائق: حولتهم لخطر حقيقي على النظام.. ولكن ذلك لم يبدو مهماً في تلك اللحظة التاريخية..

(اللحظة التاريخية في الماركسية: هي لحظة لا تتكرر.. تختزل الصراع وتناقضات الأحداث وتفرز الشخصيات لتنتج في النهاية.. تبلور الأحداث..)

****

ربما يشكك الناس في أقوال السياسيين والحزبيين ولكن كلمة الأطباء ذات موثوقية واعتمادية عالمية لذا كان يجب أن تدفن أصواتهم وتطعن في مصداقيتهم..بيد أن تحويل الأطباء لمجرمين ليس بالأمر الهين؛ وربما كان هذا هو أصعب تحدٍ واجهته الأجهزة الإستخبارتية والإعلامية وحتى تلك الأجهزة لا تزعم أنها نجحت في تمرير "فريتها الكبرى" إلا على فئة في الداخل.. ولتحقيق ذلك منع الأطباء من الظهور الإعلامي ومررت – بشكل ممنهج- مكالمات وحوارات تسيء لهم وحجب كل اتصال يرتجي تبيان الحقيقة.

( خارج النص: ذات ليلة فاجئني اتصال خمسينية غاضبة "اتصلت ببرنامج الراصد – قالت مخاطبةً إياي- وأخبرتهم أن لدي رسالة مهمة بخصوص السلمانية فأخذوا رقمي واحتفوا بي واتصل بي المعد مرتين ليتأكد بأني سأكون قرب الهاتف في العاشرة. وعندما بدأ البرنامج وضعني على الانتظار وخلالها أعطاني التعليمات " يمه قولي شكثر تعذبتي وطلعي كل اللي في خاطرج" قال لي المعد فأجبته " وليش أجذب؟ اتصلت لأقول للمرضى ألاّ يخافوا ويذهبوا للعلاج..أنا وشقيقتي مصابتان بالسرطان وبسبب ما نسمعه في التلفزيون خفنا ولم نذهب للعلاج لأسابيع، ولما اتصلت الممرضة مستفسرة عن سبب تخلفي عن جلسة الكيماوي فأخبرتها إننا سمعنا أن المستشفى محاصر ضحكت وشجعتني؛ فذهبت ولم نر شيئا واحداً مما تقولون ! الوضع من " أحسن ما يكون". فما كان من المعد إلا أن استسمح ووعدني بإعادة الاتصال ثم " سفهني" وحاولت على مدى أيام الحديث ولكنهم تهربوا مني " حرام يمه- قالت لي- هناك مرضى سيتضرّرون بسبب خوفهم، اكتبي على لساني وانشري إن شئتي حتى رقمي السكاني"..

بالطبع هذه السيدة الكريمة – وغيرها الكثير- منعوا من الحديث علناً لأن تجاربهم ستفسد المخطط العام المرسوم بعناية من قبل وزارتي الإعلام والداخلية لتجريم الأطباء..
من هم المستهدفون..؟

أتعرفون من هو د.على العكري الذي تواطأت وزارتا الصحة والإعلام على تشويه سمعته ،وتم القبض عليه وهو في غرفة العمليات ؟

هو الطبيب الذي توجه برفقه د.نبيل تمام لغزة ورفعا هناك اسم البحرين عالياً ولازال أطباء فلسطين يحلفون بهم.. جريمتهم ليستْ احتلال السلمانية -التهمة الأسخف عبر تاريخ القضاء " فكيف لـ20 طبيبا أن يحتلوا مستشفى به أكثر من خمسة آلاف موظف" كما قالت د.ندى ضيف.. بل أن جريمته أن مكانته الدولية كانت ستجعله شاهداً على كل ما ارتكب في حق المتظاهرين..
****
أتعرفون من هو د.غسان ضيف؟ هو استشاري استثنائي وتخصصه نادر -ليس أخي بالمناسبة كما يشاع وإن كنت أعدّه الآن كذلك رغم أني لم ألتقه شخصيا في حياتي- أتعرفون لماذا أنزله العسكر من الطائرة وعذبوه واختطفوا زوجته وروعوا أطفاله؟ كانت الأشعة التي ثبتت أن قوات الأمن استخدمت رصاصا حياً قد مسحت تماماً من كل حواسيب المستشفى في تجاوز صارخ لكل القوانين والأعراف الطبية فما كان من د.غسان إلا أن أعلن أنه كان يعلم أن الوزير وطاقمه المغوار سيخفون الحقائق لذلك احتفظ بنسخة من كل الأشعة والوثائق..!

لقد كان تفانيه في خدمة المرضى وتصريحاته التي – وإن تخللها بعض الشطط والمبالغة تحت وطأ الحالة النفسية- هي سبب اعتقاله وتعذيبه وقد تواردت أنباء تشير إلى أنه كان يزحف من الألم لمدة أسبوعين من فرط ما تعرض له من تعذيب في السجن وأكد من رأوه خلال المحاكمات بأنه بدا يومها أكبر من والده وهو الذي لم ينتصف به العقد الرابع بعد..

****
أتعرف يا شهريار لِم نُكّل بهؤلاء الأطباء الأحرار ؟

ليخرسوا..ولا ينطقوا بما رأوه..

وبالمناسبة ما هي أعداد جرحى المواجهات الأخيرة؟ وكم منهم إصاباته خطيرة ؟ أم كانت قوات الأمن ترمي المتظاهرين بالمكسرات وترشقهم.. بالقبلات !؟
كان هناك جرحى وأعدادهم غفيرة. ولكن بغياب أطباء يعالجونهم ويصرحون وبظلامتهم يجهرون" ضاعت الحسبة" وهذا هو كيدهم الذي كادوه ولكن فليكيدوا كيداً.. وسيكيد الله كيداً فأمهلهم... أمهلهم رويداً
وها قد أذن الصباح وآن لشهرزاد.. أن ترتاح ..

8- أكتوبر- 2011
     




شوهد المقال 3443 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00
Free counter and web stats