الرئيسية | أعمدة الوطن | حيث لا يكون السفير دبلوماسيا

حيث لا يكون السفير دبلوماسيا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


(لفهم السلوك "غير الدبلوماسي" للدبلوماسي الأميركي الأول في دمشق اليوم لا بد من العودة الى دوره "الدبلوماسي" المماثل أثناء خدمته في العراق)

بقلم نقولا ناصر*

السفير الأميركي في دمشق، روبرت ستيفن فورد، حالة دبلوماسية فريدة من نوعها في شذوذها عن الأعراف الدبلوماسية المعمول بها، حيث المفترض أن يمثل بلاده لدى حكومة البلد المضيف، والمفترض كذلك أن تركز مهمته الأولى على تحسين العلاقات الثنائية بين البلدين وبين الحكومتين. لكن فورد يعتبر نفسه ويعتبره كثيرون من صانعي السياسة الخارجية الأميركيون مبعوثا للولايات المتحدة لدى "المعارضة" التي تسعى علنا وصراحة الى "اسقاط النظام" الحاكم الذي اعتمده مبعوثا لبلاده في العاصمة السورية، ويسعى جاهدا الى "توحيد" المعارضة كي تتأهل بصورة افضل من أجل عدم التخلي عن هذا الهدف، ويصف رأس النظام، أي الرئيس بشار الأسد، بأنه "شر"، ولا يتردد مثلا في "التسلل" خفية الى حماة دون علم الحكومة المضيفة بينما المدينة في حالة تمرد على الحكومة الشرعية أخرجتها لفترة وجيزة عن سيطرة السلطة المركزية، مما أثار أزمة دبلوماسية كادت تقطع العلاقات بين البلدين، وقادت الى تقييد حركة دبلوماسيي السفارة الأميركية ضمن حدود خمسة وعشرين كيلومترا، وسط تكهنات سياسية وإعلامية تتوقع إما طرده من سورية أو سحب واشنطن له منها.

وقد لخصت ال"سي إن إن" حالة روبرت فورد الشاذة، وضعا ومهمة، في عنوان مدونة لها في الثامن من أيلول / سبتمبر الجاري هو: "دبلوماسي أميركا غير الدبلوماسي في سورية".

والمفارقة أن الرئيس الأميركي باراك أوباما كان قد عينه في منصبه في أواخر عام 2010 كأول سفير أميركي في دمشق منذ عام 2005 عندما سحب سلف أوباما، جورج دبليو. بوش، السفيرالسابق نتيجة لمضاعفات اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري، بهدف تطبيع العلاقات الثنائية، وقد عينه دون مصادقة الكونغرس على تعيينه، مستغلا كون الكونغرس في عطلة، بسبب معارضة الكونغرس لتطبيع العلاقات مع سورية لا بسبب معارضته لتعيين فورد شخصيا. وإذا لم يصادق مجلس الشيوخ الأميركي على تعيينه قبل نهاية كانون الأول / ديسمبر المقبل، يتوجب على فورد أن يعود الى بلاده قبل حلول العام الجديد. وبالتالي فإنه يعمل حاليا بصفة "ممثل شخصي" للرئيس الأميركي في العاصمة السورية بمرتبة سفير لم تصادق السلطة التشريعية على عمله "سفيرا" بصفة رسمية، في مظهر آخر لحالته الدبلوماسية الشاذة.

والمفارقة الثانية أن شذوذ وضعه الدبلوماسي، وشذوذ المهمة الدبلوماسية التي يقوم بها عن الأعراف المألوفة، قد تحول إلى مسوغ "أميركي" لإضفاء الصفة الرسمية على وضعه ك"سفير" والى تغيير طبيعة المهمة الرسمية المكلف بها كممثل للرئيس الأميركي، وإلى تآكل المعارضة لتعيينه بسبب شذوذ مهمته على وجه التحديد، وإلى تغيير مواقف الكثيرين من أعضاء الكونغرس المعارضين لتعيينه. فعلى سبيل المثال، قالت افتتاحية للواشنطن بوست في السابع عشر من الشهر إن فورد قد "انكب على مهمة مختلفة بالكامل، وبدلا من السعي الى الاتصال مع النظام، كان يوجه دبلوماسيته نحو الشعب السوري"، لتخلص الصحيفة الأميركية التي كانت متحفظة على تعيينه وكانت تحبد سحبه إلى "انه ينبغي أن يبقى في دمشق" لأن "الأسباب لمعارضة تعيينه قد اختفت مع اختفاء مهمته الأصلية"، ولأن فورد "يعمل كممثل من نوع ما للولايات المتحدة لدى المعارضة في سورية .. ضد الأسد" كما قال المعلق المحافظ بوب كاجان، أسوة بالسيناتور اليهودي جو ليبرمان الذي قاد مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ الذين انقلبوا على معارضتهم السابقة لتعيين فورد. وفي الأسبوع الماضي ذكرت النيويورك تايمز أن إدارة أوباما سوف تتركه في منصبه "كي يتسنى له الحفاظ على الاتصال مع قادة المعارضة وقادة الطوائف والجماعات الدينية الكثيرة في البلاد"، كمهمة رئيسية له "من أجل تجنب الفوضي في حال" سقوط النظام، في تغيير واضح للمهمة التي عينته أصلا من أجلها.

والمفارقة الثالثة أن فورد أعلن بأنه "قطعا لا يحاول خلق وضع يقود الى طرده من سورية"، قائلا: "أنا لا أريد أن أكون سفيرا أميركيا يشجع حشدا من الناس على إسقاط النظام، فهذا سيكون تحريضا، وذلك خط أحمر"، كما نسب اليه القول تقرير نشرته "فورين بوليسي" يوم الجمعة الماضي. لكن قوله هذا يتناقض تماما مع أفعاله ك"ممثل" لبلاده لدى "المعارضة" منذ تسلل الى حماة في تموز / يوليو الماضي، ثم الى جاسم في محافظة درعا الشهر الماضي في تحد سافر لتقييد حركته ضمن خمسة وعشرين كيلومترا، قبل أن يذهب لبيت عزاء الناشط غيث مطر في الحادي عشر من هذا الشهر، ناهيك عن انتهاز كل فرصة يتمكن فيها من حضور أي مؤتمر للمعارضة، حيث لا بد وأن يكون قد شجعها على إعلان يوم الجمعة في الثامن من الشهر "جمعة الحماية الدولية" وعلى إعلان يوم الجمعة الماضي "جمعة توحيد المعارضة"، انسجاما مع دعوات وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون المتكررة الى الحماية الدولية وتوحيد المعارضة السورية كسياسة رسمية لادارة أوباما.

والمفارقة الرابعة أن فورد في الوقت الذي يقول فيه يوم الخميس الماضي، على ذمة رويترز، "لا أعتقد أن الحكومة السورية على وشك الانهيار اليوم" وأن "الجيش السوري لا يزال يتمتع بنفوذ قوي ولا يزال قويا للغاية، وتماسكه لا يواجه خطرا اليوم"، فإن نائبه السياسي، هينز ماهوني، في لقاء مع صحفيين سوريين وغير سوريين تحدثوا إليه عن "استحالة سقوط النظام" في سورية "نظرا لتماسك المؤسسة العسكرية والدبلوماسية والسياسية والأمنية والاقتصادية" رد ماهوني عليهم بقوله إن "الضغط الطويل والعقوبات كفيلان بتغيير تلك المعطيات"، في تعبير صريح عن الاصرار الأميركي على استمرار تصعيد التدخل السافر في الشؤون الداخلية السورية، كبديل وحيد متاح ربما يعوض عن فشل واشنطن حتى الآن في الحشد الدولي للتدخل العسكري الخارجي على النمط العراقي أو الليبي.

والمفارقة الخامسة أن شذوذ مهمة الدبلوماسي الأميركي الأول في سورية عن المألوف الدبلوماسي عالميا إنما يكشف عن محاولة بائسة لخداع الرأي العام العربي بأن الولايات المتحدة تصطف الى جانب الطموحات الشعبية العربية في التغيير والاصلاح، علها تغطي على اصطفافها في الخندق المعادي لهذه الطموحات في كل اقطار الحراك الشعبي العربي التي يهدد فيها هذا الحراك أنظمة حليفة او صديقة لها، وكان تواطؤها من خلف واجهة عربية مع عودة الرئيس اليمني علي عبد الله صالح الى صنعاء الأسبوع المنصرم مثالا واضحا على هذا الاصطفاف.

والمفارقة السادسة أن فورد وإدارته بينما يصرون على أن يتحولوا الى ناطقين باسم المعارضة السورية في الخارج، سواء بلغة انكليزية أم بألسنة عربية، مما يضع عقبة كبيرة أمام انفتاح فرص الحوار الوطني السوري، فإن المعارضة السورية في الداخل، باستثناء القلة التي تبنت "جمعة الحماية الدولية"، تنتهز كل فرصة للتبرؤ من كل شبهة أميركية، وللتأكيد على لاءاتها الثلاث: لا للتدخل الخارجي، ولا لتسليح المعارضة السلمية، ولا للطائفية، كما جاء في بيان هيئة التنسيق الوطني لقوى المعارضة الأسبوع الماضي، مما فتح قناة اتصال بين هذه الهيئة وبين لجنة الحوار الوطني التي ألفها الرئيس السوري، ليجتمع وفد من اللجنة الثانية مع رئيس الهيئة حسن عبد العظيم.

غير ان المفارقة الأهم تكمن في خلفية "السفير" فورد غير الدبلوماسية، كونها هي الحقيقة الوحيدة التي يمكنها أن تفسر سلوكه الشاذ عن كل ما هو مألوف في الأعراف الدبلوماسية. فقد كان الرجل الثاني في السفارة الأميركية ببغداد بمرتبة "وزير مستشار للشؤون السياسية" في ذروة المقاومة العراقية ضد الاحتلال الأميركي بين عامي 2004 – 2005، عندما أسهم بخبرته في "الاتصال مع قادة المعارضة وقادة الطوائف والجماعات الدينية الكثيرة في البلاد" في الالتفاف على المقاومة من الداخل بتفجير الفتنة الطائفية التي تصاعدت حتى أصبحت المسوغ لزيادة عديد قوات الاحتلال الأميركي بذريعة إخمادها، بقيادة السفير الأميركي آنذاك جون دي. نوغروبونتي الخبير العريق في استخدام "فرق الموت" والمليشيات شبه العسكرية للقضاء على الثورات اليسارية في أميركا الوسطى.

وكشف تقرير نشرته "الصنداي تايمز" البريطانية في العاشر من كانون الثاني / يناير عام 2005 بعنوان "فرق موت على نمط السلفادور ستنشرها الولايات المتحدة ضد المتطرفين في العراق" أن نوغروبونتي ورجله الثاني فورد أشرفا على مشروع للبنتاغون باسم "خيار السلفادور في العراق"، وأن هنري اينشر الذي كان نائبا لروبرت فورد آنذاك و"دبلوماسي" شاب آخر يعمل تحت إمرته هو جيفري بيلز قد لعبا دورا هاما في فريق تنفيذ المشروع ب"التحدث مع سلسلة من العراقيين، منهم متطرفين" (النيويوركر في 26/3/2007).

ولفهم السلوك "غير الدبلوماسي" للدبلوماسي الأميركي الأول في دمشق اليوم لا بد من العودة الى دوره "الدبلوماسي" المماثل أثناء خدمته في العراق.

* كاتب عربي من فلسطين
* nassernicola@ymail.com

شوهد المقال 2231 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رائد جبار كاظم ـ التظاهرات في العراق تعدد السيناريوهات وصراع الارادات

د. رائد جبار كاظم  واقع الحال أن ما يجري في العراق من تظاهرات وأحتجاجات شعبية منذ مطلع تشرين الأول 2019، وأستمرارها الى يومنا هذا
image

سعيد لوصيف ـ في مشروعية مطلب الثورة في تمدين الدولة ،،، هلاّ تحدّثنا بهدوء؟

د.سعيد لوصيف   يعتبر تناول موضوع الفصل بين السلطة العسكرية و السلطة المدنية، موضوعا يحوي على الكثير من الحساسيات لدى الكثير من النخب السياسية
image

رضوان بوجمعة ـ من المحاكم الخاصة إلى قضاة القوة العمومية!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 132  ستبني الجزائر الجديدة سلطة قضائية مستقلة عن باقي السلطات، عندما تنجح في بناء المؤسسات ودولة الحق والقانون من قبل مجتمع
image

عثمان لحياني ـ كتاب واحد ..قاموس الأزمة

 عثمان لحياني   تقرأ السلطة من كتاب واحد ربطت عقلها اليها، وأعقلت خيلها وخيالها الى قاموس التسعينات ، تغرف من ديباجته حرفا بحرف وتدبير بتدبير، ولم
image

يسين بوغازي ـ إستراتيجية الأقلية السياسية من لا يملك الى من لا يستطيع ؟

يسين بوغازي   إن أخوف ما تخافه الأقلية السياسية رئيسا مدنيا ، وإذا اقول رئيسا فالمعنى نهاية المناورات السياسية والإعلامية التي تبثها  الأقلية
image

يوسف بوشريم ـ من الإعتقالات والسجون السياسية إلى غلق صفحات الفايسبوك ..مؤشرات نظام يحتضر

 يوسف بوشريم   من الاعتقالات والسجون السياسية إلى الإعتقالات والسجون الفايسبوكية مؤشرات نظام يحتضر  بعد فشله الذريع في كل أشكال الثورات المضادة التي تهدف إلى إجهاض و إحتواء
image

رضوان بوجمعة ـ عبد المجيد تبون...موظف سياسي على باب القصر الرئاسي!

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 131سيحتفل عبد المجيد تبون بعيد ميلاده الـــ74 يوم 17 نوفمبر، وهو ما يصادف تاريخ الانطلاق الرسمي المفترض للحملة الانتخابية، فهل هي
image

عثمان لحياني ـ التاريخ يتحدث : تعاطي العقل العسكري

 عثمان لحياني  ثمة أطروحة تبريرية في تعاطي العقل العسكري راهنا مع الشأن العام وفرضه مسارا سياسيا محددا، ويعتبر أصحاب هذه الاطروحة (بحسن نية
image

نجيب بلحيمر ـ مرشح الفراغ

نجيب بلحيمر   عاشت الجزائر في ظل شغور فعلي لمنصب رئيس الجمهورية ست سنوات, وكانت هناك نية في تمديد فترة الفراغ لخمس سنوات أخرى.هذا هو الفراغ الذي
image

ناصر جابي ـ رئاسيات الجزائر: انتخابات ليست كالانتخابات

د.ناصر جابي  يشكِّل الشباب أغلبية الجزائريين ولم تعد الانتخابات الشكلية تستهويه مثل سكان المدن بالشمال حيث الكثافة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats