الرئيسية | أعمدة الوطن | نصر الدين قاسم ـ الجمعة 134 فشل العلاج من خطأ التشخيص السلطة وحصاد العجز الدائم

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 134 فشل العلاج من خطأ التشخيص السلطة وحصاد العجز الدائم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 نصرالدين قاسم
 
في الجمعة الرابعة والثلاثين بعد المائة "سلمي"، الموافق للعاشر من سبتمبر ألفين وواحد وعشرين ميلادي، الموافق للثالث من صفر ألف وأربعمئة وثلاثة وأربعين هجري، ختمت السلطة فصلا جديدا من فصول التشخيص الخاطئ للخلل المستديم والإخفاق السرمدي في تسييرها للشأن العام والخاص، ووضع السياسات الداخلية والخارجية على حد سواء..
♦ إدانة أشخاص لتبرئة السلطة..
الإيغال في تبني التشخيص الخاطئ للأمراض المستشرية في جسم الوطن، لتبرير قرارات مزاجية ترضي غرور السلطة وتوفر لها أسباب المحاججة للدفاع عن استئثارها بالحكم ورفضها التغيير، سيحرم الوطن من الشفاء، ويبقيه رهينة أسقامه وعلله المتعددة إلى ما شاء الله..
استدراك السلطة لأخطائها في حق الأبطال شبه الأولمبيين ومعاقبة المسؤولين من الدرجة الثانية، أعاد شيئا من الاعتبار والكرامة لضحايا الإهمال وعدم الشعور بالمسؤولية، لكنه لم يبيض ساحة السلطة ولم يكسبها عذرية جديدة بعد كل الإخفاق والتقصير المسجل في أدائها السياسي تجاه الوطن والمواطنين بصفة عامة والأبطال من ذوي الهمم العالية بصفة خاصة.
♦ السلطة تقرر ولا تتحمل المسؤولية
الإجراءات العقابية بإقالة المسؤولين عن الإهانات في حق أبطال جزائريين، والمقصرين في مواطن أخرى طالت مسؤولين من الدرجة الثانية ولم تذهب إلى موطن الخلل ، ومكمن الداء..فكان المقالون مجرد كباش فداء لاحتواء الغضب والحفاظ على ماء الوجه وتبرئة للذمة من تهم ثابتة في حق مسؤولين آخرين ما زالوا في مناصب المسؤولية دون أن يكونوا أهلا لها..
سلسلة مسؤولية الفضيحة والإهانة والتقصير تتدرج إلى أعلى مستويات المسؤولية في السلطة، لتضعها في قفص الاتهام.. ذلك لأن التقصير والإخلال بالمسؤولية أصبح سمة ثابتة من سمات السلطة وخصائصها البارزة.. وهذا يعني أن التشخيص الذي اعتمدته السلطة لوصف الدواء اقتصر على نظرة مجتزأة للظاهرة لتفادي وصول الإدانة للحوت الكبير أو رؤوس أكبر من المضحى بها..
♦ "السلمية" أكبر المستهدفين..
وعليه فإن الإجراءات المتخذة لن تغير من الأمر شيئا ولا تقطع دابر هذه الفضائح ولا تمنع تكرارها.. فمعالجة مظاهر وأعراض الداء المستشري في جسد السلطة، دون أسبابه ومكامنه لا يضمن لها الشفاء من تلك الأسقام.
وعلى ذات النحو تواصل السلطة تعاملها مع الحراك الشعبي السلمي.. تستحضر أسوأ القراءات وأخطرها، وتعد من التدابير ما لا يخطر على بال لا لشيء سوى لإثبات بأن الحراك انتهى وحقق مطالبه، وشيطنة أية محاولة لبعثه من جديد بشتى السبل متدثرة بقوانين خاطتها على المقاس تضمن لها الحصانة وتمنع عنها كل محاولات التشكيك أو حتى النقاش اتقاء مغبة الوقوع تحت طائلة القانون والخوض في النقاش المحظور أو الكلام غير المباح..
♦ رواية السلطة ومحاذير النقاش..
خراطة مهد السلمية بلا منازع ظلت السباقة للتحرك الجماهيري السلمي الحريص على الوحدة الوطنية ورائدة الاستئناف.. خراطة قلعة الحرية والسلمية المعلمة، تُتهم بين عشية وقبل ضحاها في سلمية حراكها، وبأن مسيراتها تُحركها وتحرض عليها عناصر من حركة "الماك" الانفصالية التي تصنفها السلطة منظمة إرهابية..
رواية السلطة عن أحداث خراطة تصيب الحراك في مقتل، وتحرم المحلل المستقل أو المحايد الحق في تفصيل وتحليل القراءة الرسمية، والخوض في طرح عديد التساؤلات المشروعة، خشية أن يتهم بالإساءة لمؤسسات الدولة، أو إهانة هيئات نظامية أو أمنية..
♦ .. وتبقى خراطة رمزا للسلمية والوحدة الوطنية
وبعيدا عن تأييد رواية السلطة وتأكيدها أو التشكيك فيها ونفيها، فإن خصوصية الحالة لا تبرر عمومية الفرض، أي أنه مهما كانت حقيقة التهم الموجهة للمشتبه فيهم، والأدلة الموثقة، فإن ذلك لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يكون مطية للمساس بسلمية الحراك في خراطة المعلمة أم البدايات، ولا يمكنه أن يكون ذريعة لقمع السلمية في مهدها السبّاق، وجعلها أم النهايات في إحدى عواصم الوحدة الوطنية..
ولأن خطأ التشخيص المزمن فيروس مستشر في طيات النظام برمته، فقد كان طبيعيا أن تنتقل عدواه لكل مفاصل النشاط، وتطال مختلف مناحي التسيير والتقدير، وتصيب مختلف السياسات الداخلية أو الخارجية منها..
♦ السياسة الخارجية انعكاس للسياسة الداخلية
"السياسة الخارجية انعكاس للسياسة الداخلية" مبدأ ظل ملازما لمواقف الجزائر ونظرتها للعلاقات الدولية وما تسميه الانتشار الديبلوماسي.. المبدأ نفسه ما يزال يحكم سياسة السلطة وإن لم تعد تتبناه صراحة أو تؤكد عليه، لكن مع الفارق في القياس والمقارنة بين مختلف الفترات التي عرفتها الدبلوماسية الجزائرية منذ الاستقلال إلى يوم الإخفاق التام..
عهد الأحادية وبدايات الانفتاح الديمقراطي يمكن وصفه بالعهد الذهبي لسياسة الجزائر الخارجية. في تلك الفترة كانت الجزائر رقما في الساحة الدولية وكان لها دور فاعل في عديد الأزمات الدولية لم يقتصر على المحيط الإقليمي أو الإفريقي ليصل تأثيرها إلى آسيا وأمريكا اللاتنية..
♦ الدبلوماسية وانتكاسات متواصلة..
بدايات الانتكاسة، وأسوأ فترات الدبلوماسية الجزائرية كانت في زمن "الحرب الأهلية"، والفترة البوتفليقية التي عرفت فيهما انكفاء وفشلا وأفولا لنجمها.. عهد الجزائر الجديدة لم يكن فترة أفضل.. لقد كانت استمرارا لعهد العزلة والانطواء كرست غياب الجزائر عن الساحة الدولية وانكماشها خاصة على الصعيد الإقليمي، وإخفاقها في العودة إلى الساحة رغم محاولات محتشمة لم تؤت أكلها لحد الآن..
قرار الرئيس باستحداث مناصب دبلوماسية جديدة بتعيين سبعة مبعوثين خاصين لقيادة ما أُسمي العمل الدولي تحت السلطة المباشرة لوزير الشؤون الخارجية، خطوة أخرى غير مضمونة النجاح.. الرئيس يراهن على المبعوثين المعينين، حسب ما تداولته تقارير إعلامية، الاضطلاع بتعزيز قدرات الدبلوماسية على التفاعل والتأثير، ومضاعفة حضور الجزائر على الساحتين الإقليمية والدولية وفعالية عملها..
♦ دعاية مضللة عارية من الموضوعية
القرار على أهميته وما يترتب عليه من التزامات مالية وسياسية لم يحظ بأي نقاش، أو تقييم من طرف خبراء مستقلين أو هيئات رقابية منتخبة.. واكتفت السلطات لتمرير قرارها بحملة دعائية تكفلت بها أذرعها الإعلامية بمعية محلليها المعروفين بتأييدهم اللامشروط وتثمينهم لكل قرارات السلطة مهما كانت كارثية..
قرار تعيين المبعوثين الخاصين خطوة أخرى في المجهول كانت نتيجة تشخيص مغلوط لأسباب العجز الدبلوماسي للبلاد.. ذلك لأن انكفاء الدبلوماسية الجزائرية وفشلها في فرض دور الجزائر في أقرب الأزمات المحاذية لحدودها لا يمكن تفسيره بقلة العنصر البشري أو قلة عدد الدبلوماسيين..
♦ الجزائر وجيش عرمرم من الدبلوماسيين
الجزائر من الدول القليلة في العالم التي تتمتع بجيش عرمرم من الديبلوماسيين في مختلف أصقاع العالم دون أن يقدموا شيئا أو يفرضوا وجود الجزائر حيث هم موجودون.. وإضافة تعيين سبعة مبعوثين آخرين لجيش السفراء والقناصلة والملحقين سيكون مجرد إضافة أعباء أخرى على الخزينة العمومية..
وحتى إذا سلمنا بأن ذلك الجيش من الموظفين في الخارج أثبت فشله وافتقاره للكفاءة، فإن المبعوثين المعينين لا يمكنهم تحقيق المرغوب، لأنهم ليسوا أفضل من نظرائهم في الخارج، إنهم من المدرسة نفسها والإدارة نفسها والجيل نفسه.. المبعوثون السبعة ليسوا كفاءات عالية أو أصحاب نظريات أو رؤى في السياسة الخارجية، بل لم يثبتوا أهليتهم لتبوئ تلك المناصب..
♦ فاقد الشيء لا يعطيه...
إن معظم الأسماء المعينة ظل في دواليب الخارجية سلبيا لا يقدم إضافة نوعية تجعله دبلوماسيا مفوضا فوق العادة، وبعضهم الآخر تبوأ مناصب مسؤولية وأثبت عجزا مستديما.. فالجميع في آخر المطاف من خريجي مدرسة الفشل والانكفاء ساهموا بقدر أو بآخر في تكريس الرداءة وصناعة العجز لقد كانوا جزءا لا يتجزأ من الفشل الذي يراد لهم أن يحولوه إلى نجاح وفاقد الشيء لا يعطيه.
أعتقد جازما أن تعيين مبعوثين ديبلوماسيين سيكون عبئا إضافيا واستمرارا لاستنزاف العملة بمرتبات ضخمة، ولن يحقق إعادة الانتشار المأمول للدبلوماسية الجزائرية بقدر ما سيكون إعادة انتشار لأسباب الفشل ومظاهر العجز.. لعمامرة نفسه المشرف على الفريق المعين ظل أحد قطع الدبلوماسية الجزائرية في مختلف فتراتها، إطارا ثم مديرا لدائرة الدول العربية وتدرج في المسؤولية دون أن تظهر عليه أي أعراض العبقرية أو الإبداع الدبلوماسي..
♦ عجز السياسة الخارجية من عجز السياسة الداخلية
وقبل كل ذلك وبعده، فإن قوة السياسة الخارجية، من حيث المبدأ لا تكمن في تعيين دبلوماسيين إضافيين فوق العادة مهما كانت كفاءتهم، ذلك لأن قوة السياسة الخارجية من قوة السياسة الداخلية والدول القوية خارجيا تستند لجبهة داخلية صلبة، ومستقرة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا.. والحالة الجزائرية لا توفر للسلطة هذه العوامل.
إن ضعف الدبلوماسية الجزائرية انعكاس لضعف سياستها الداخلية وفشلها في تحقيق الحد الأدنى من التوافق الوطني، واستنادها لجبهة داخلية هشة تناصبها العداء، وافتقارها للشرعية الشعبية إذا لا تحظى السلطة الحالية إلا بنسبة ضئيلة جدا من ثقة الجزائريين.. الأرقام الرسمية، رغم ما يشوبها من تهم التزوير وشبهات النفخ فيها، تؤكد أن السلطة لم تحصل على ثقة أكثر من عشرين في المئة من الجزائريين أي نحو خمسة ملايين فقط في مختلف الاستحقاقات التي نظمتها..
♦ العلاج الشافي من التشخيص الوافي
وبالمختصر المفيد فإن نجاح السياسة الخارجية للبلاد متوقف على نجاح سياستها الداخلية، ولا تكتسب الجزائر قوة في مواقفها الخارجية ودورها في الأزمات القريبة منها أو البعيدة إلا من خلال قوة مواقفها الداخلية وقدرتها على معالجة مختلف الاختلالات لبناء جبهة داخلية قوية..
ومعالجة كل تلك الاختلالات متوقف على تشخيص حقيقي وسليم وصحيح لحقيقة الأزمة التي ترهن الوطن وتشده إلى الوراء، ومن ثم وصف العلاج الملائم للمرض المستشري وما دون ذلك ستظل السلطة تعيد إنتاج نماذج الفشل نفسها، وتظل البلاد تجتر التجارب المريرة نفسها، ويظل الشعب رهينة طبائع الاستبداد والقهر والجور

شوهد المقال 1639 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

583 مليار دولار موازنة العراق لعشر سنوات قادمة تعمر الشرق الأوسط بالكامل يا مجرمين.. يا سفلة..!!

- 583 مليار دولار موازنة العراق لعشر سنوات قادمة تعمر الشرق الأوسط بالكامل يا مجرمين.. يا سفله..!! يا أبناء شعبنا العراقي الجريح الصامد يا

النعش وعرش أكتاف الرجال..!!

د.شكري الهزَّيل بعد أن شاهدت في حياتي الدنيوية أمورا كثيرة وبعد أن تأملت كثيرا وعلى طول سنين افاق افق فلسطين المرصعة بالنجوم وقمرها التارة
image

بثينة في شعر جميل حلم وليست واقعا .....بقلم ..علاء الأديب

يكاد فضيض الماء يخدش جلدها اذا اغتسلت بالماء من رقة الجلدِ جميل بثينة ........ لأثبت لكم فقط بأن جميل ما قال هذا لبثينة الواقع بل
image

موازنة باراك بين ثمانينية إسرائيل وثمانينية دول أخرى موازنة فاسدة

حماد صبح كل سنة ، في ذكرى قيام دولتهم في الوطن الفلسطيني ، يتساءل الإسرائيليون على تباين مستوياتهم إن كانوا سيحتفلون بهذه الذكري في
image

"فتبيّنوا"

محلب فايزة. إن الانتشار الهائل للمعلومة عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ صاحبه انتشار "الطفيليات" التي تتغذّى على الأخبار الزائفة والشائعات، والمواضيع الرائجة وما تفه من قول
image

هتلر والإنحراف النرجسي..بقلم علاء الأديب

بمناسبة عيد مولده المقيت ...................... عندما أدرك بانه قد خسر كل شيء أطلق النار على رأسه وانتحر. فمثل هذا المنحرف النرجسي المصاب بجنون العظمة
image

أنْ تتجرد لكي تصل إلى الحقيقة المُجردة

  لا أستطيع أنْ اتجاهل فكرة العشق الإلهي، وهل نحن نحب المولى عزّ وجل بالفعل، قولاً وعملاً، سرًا وجهرًا أم لا؟!، وهل نُدرك جيدًا حقيقة الابتلاء
image

تجنيس اليهود في الدول العربية يستهدف السيطرة عليها بقلم : حماد صبح

 بقلم : حماد صبح جنست الإمارات 5000 يهودي ، وهذا الرقم المعلن ، وربما يكون الرقم الحقيقي أكبر ، وربما تكون عملية التجنيس متواصلة
image

نَْحْنُ و بَغْلَةُ عُمَرْ

  إنَّ البَغْلَةُ الَّتي أَتَتْ على لٍسانِ سيدِنا عُمَرُ بنُ الخطَّاب رضي الله عنه وأرضاه، ما كانَتِ بِزَلَّةِ لِسانٍ، وما هي بكلامٍ عابرٍ، وما كان

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats