الرئيسية | أعمدة الوطن | الأوطان لشعوبها، ولا سلطة فيها لجائر

الأوطان لشعوبها، ولا سلطة فيها لجائر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
قالت قبل عدة سنوات بلهجتها العملية المميزة في مقابلة على "بي بي سي": "أنا لا أخاف، ولا أعمل وأنا خائفة".
تلك هي ديل بونتي المدعية العامة السويسرية، التي برزت بقوة في المشهد الدولي في أواخر الثمانينيات. والتي قال عنها كوفي عنان: العدالة امرأة. حيث قامت، بحكم عملها، بالكشف عن الصلة الإجرامية بين الصيارفة السويسريين والمافيا، وألقت القبض على كبار قادتهم، وحاكمتهم بلا خوف. وهي التي ألقت القبض على سلوبودان ميلوسيفيتش، رئيس صربيا ويوغوسلافيا، وقدمته للمحاكمة، بعد سنة واحدة فقط من توليها مهام عملها كمدعية للمحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة، حين قرر مجلس الأمن إقامتها في عام 1999. وكان إلقاء القبض عليه يمثل أول سابقة في التاريخ، يتم فيها اتهام رئيس دولة لا زال يمسك بالسلطة، ومحاكمته بتهمة ارتكاب جرائم حرب. وهي تعلم أن المحكمة وعملها قد وضعا سابقة للمستقبل؛ "ولن تشفع الحصانة أو تكون خياراً متاحاً لأصحاب السلطة بعد ذاك التاريخ" على حد قولها. والقارئ لما يجري حولنا من أحداث ينظر بطموح أن تتأكد هذه الرؤية، وتتواصل مسيرتها التي بانت تباشيرها للجميع، وأضحت نافذة أمل مشرعة في صدور الشعوب التي تعاني الضيم والاستبداد من حكامها.
ويتم هذا حين تبدأ عهداً جديداً أكيداً، تطرد فيه الخوف من عقولها، ذاك النوع منه الذي يكمم الأفواه، ويكبل الأيدي عن الوقوف في وجه الظلم، ونصرة الحق، واسترجاع الحقوق المستلبة، المادية والمعنوية، صغيرها وكبيرها، دون تفريط في أي منها، ودون القبول بالمساومة عليها، وتجزئتها، والإعلان الصريح برفض كل انتهاك لها، والتعبير عنه بآليات واضحة. ويستتبع ذلك، القول لكل متنفذ معتدٍ بموقعه الوظيفي العالي في الاستبداد والجور: لا وألف لا. وأن إساءته استخدام سلطته، أو عدم قيامه بدوره المناط به محسوب عليه، وسيلاقي جزاءه، مهما كان مركزه. فسيادة القانون – إن وجدت وما أبعدها عن مجتمعاتنا – تسبقها عدالة إلهية، وإرادات الشعوب الحية، التي باتت أقرب حضوراً، وأشد عزماً، وأوسع إدراكاً لمدى حاجتها لذلك.
لذا فواجب كل راعٍ ومسئول أن يعرف حدود سلطته ولا يتطاول بها على من يظن بهم الضعف والخنوع والاستسلام، وقصر ذات اليد، ليقوم باستلابهم حقوقهم، فهو ما وضع إلا لخدمتهم، والعمل على تيسير أمورهم، وضمان نيل حقوقهم، وعليه أن يعي انه في حكم الأجير عند الوطن وأبنائه، وإن سلبه لمقدراتهم بجميع صنوفها يعد باطلاً، ويعرضه للمحاسبة والمساءلة. فلو عمل كل منهم بذلك فلن يصل إلى قفص يوضع فيه يوماً، ولن تحاكمه الشعوب الحية التي تبقى حريتها وكرامتها محركاً ودافعاً لها. والأسرة الدولية في العصر الذي نعيشه قد دخلت عهداً جديداً، تبدلت فيه عديد من المفاهيم، وتغيرت موازين القوى، وعالمنا العربي الذي نحن جزء منه، ما هو إلا فرد من منظومة تلك الأسرة، ولا يستطيع بعد اليوم أن يعيش بمعزل عنها. فهو يتفاعل معها، ومع أحداثها اليومية، يرى ويسمع، يحلل ويربط، ويقارن ويتحرك، وذاك دون ريب ينعكس على توجهاته ومطالبه ونظرته لكثير من الأمور، وطريقة معالجته لمشاكله، بل يجب أن يمنحه ذلك تمكناً، وشجاعة، لينزع عنه لباس الخوف إن كان يرتديه، ويحيك له ثوباً جديداً صلداً في مواجهة العتاة. والساحات قد اتسعت اليوم، وأضحت –والشواهد كثيرة – تردد أصداء أناشيد الأبطال الأحرار، تضج من حناجر لا تخاف، ولا ترهب أحداً، ولا تخشى في الحق لومة لائم، وتستوعب كل جباه ترى بقاءها مرهوناً بشوقها للحق، وعملها نحو تثبيت دعائمه.
أعود إلى ديل بونتي، التي نشرت بعد ذلك كتاباً عنوانه "الاصطياد: أنا والمجرمين العسكريين"؛ لأقول أنه طوال السنوات الثماني التي قضتها في المحكمة، اعتقلت 91 هارباً، وحاكمت 48 منهم، وأدانتهم، مما عرضها لمحاولة اغتيال نجت منها، وذهب ضحيتها صديقها القاضي الإيطالي، إلا أنه لم يكن يحكمها خوفها من أحدٍ أو شيء، لتغير نهجها وقناعاتها في سيرها نحو العدالة، ولم تخيفها تلك المأساة، بل زادتها حماساً وإصراراً، وأحسبها أنها كانت مؤمنة أن العدالة أمر أساسي لبناء السلام، والمصالحة، وإن الأوطان لشعوبها، ولا بقاء سلطة فيها لجائر، والذي مكانه قفص يقف فيه ذليلاً
الكاتبة : إمتثال أبو السعود 
التحرير 
نرحب كثيرا بإنضمام الكاتبة المتميزة إمتثال أبو السعود لقائمة أقلام الوطن، ونسعد بكتاباتها الراقية التي ستشكل لا محالة إضافة حقيقية  لصحيفة الوطن ، وخدمة نوعية لقرائها من المحيط إلى الخليج ، فألف أهلا وسهلا بالكاتبة المبدعة إمتثال أبو السعود على أمل أن يطيب لها المقام بيننا
 

شوهد المقال 2995 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ لمن يشكو المواطن ظلم الوالي!

  عبد الباقي صلاي  عندما كثر الحديث عن منصب وسيط الجمهورية الذي بدأت ملامحه تتضح أكثر فأكثر على الساحة الوطنية خلال الأيام الأخيرة،وغضا
image

علي سيف الرعيني ـ مدينة تعز روحانية الزمان

علي سيف الرعيني  عندما يشنف اذاننا صوت ايوبترتعش المراياوتنبض الاماكن وجدا وشجواً يجرحك أيوب بصوته الطافح بالحزن كما تجرحكَ أوراق الذرة اليانعة ويرويك بظمأه حين يسافر
image

وجيدة حافي ـ أُوكسجين يا مُحسنين

 وجيدة حافي   في الآونة الأخيرة ومع إنتشار مرض الكُورونا أصبح الوضع لا يُحتمل في بلدنا، مُستشفيات مُمتلئة بالمرضى وآهاتهم، ضغط كبير تسبب في ضُعف الخدمات الطبية،
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats