الرئيسية | أعمدة الوطن | عثمان لحياني ـ من طالب الجزائريين بالرحيل ..اعتذار أسوأ من التصريح

عثمان لحياني ـ من طالب الجزائريين بالرحيل ..اعتذار أسوأ من التصريح

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
عثمان لحياني 
 

الذي شتم الجزائريين المختلفين في الرأي والقناعات ، وطالبهم بالرحيل من البلد ، ليس الفتى، ولكنه النظام نفسه بكل تجلياته.
لنضع تصريح الوزير المراهق في سياقه ، وضمن اطاره العام ، في السياق سنجد ان هذا التصريح المحمول على وقاحة بالغة ، هو مجرد جملة مقتضبة من لغة مستمرة تعتمدها رموز النظام والمسؤولين في مستويات متعددة ، ويلهج بها المعبرون عن السلطة وخياراتها ، بوتفليقة وصف الجزائريين المعارضين لخياراته "بالمنحرفين" ، وقائد الجيش الراحل استخدم لوصفهم لفظ "الشرذمة" ، والأمثلة كثيرة و ممتدة .
في الاطار العام ، هذا التصريح هو حقيقة يؤمن بها رجالات الحكم وموظفو السلطة ، وهو قناعة متجذرة لديهم بأن جزءا من هذا الشعب ممن يطرح أسئلة سياسية خارج السياق العام عليه أن يرحل ، وأن السلطة ورجالها فقط من تملك حق التفكير و التدبير و المساءلة ، ووحدها التي تعرف الصواب والخطأ ، وهي من تحدد الخط الفاصل بين الكفر والايمان، وبين الوطنية والخيانة، وهي من توزع صك الاخلاص ، كل سلوكات السلطة والحكومة وموظفيها تثبت ذلك.
قضى هذا الفتى تسع سنوات حتى عام 2019 في مكاتب رئاسة الحكومة مساعدا لأكبر رموز العصابة السياسية التي تلاعبت بالبلد والناس ، فما الذي يمكن أن يتعلمه منهم غير هذا الذي بدر منه ، وبخلاف من يطالبون الحكومة بتلقين الوزراء والمسؤولين دروسا في الاتصال السياسي، افترض جازما ان المسألة لا تتعلق بفنيات الاتصال أبدا، المسألة مرتبطة -اضافة الى الكفاءة -بالبنية الذهنية والاتزان النفسي والسلامة العقلية ،هذه هي الامور التي يجب ان يخضع تقييمها في المسؤول. وزير مثل هذا في لحظة عنفوان فقد اعصابه شتم الشعب، في ظرف مفاوضات مع طرف أجنبي يمكن أن يفقد تركيزه ويبيع مصالح البلد.
اعتذار الفتى لا يغير من هذه الحقيقة شيئا ، في الشكل، البلد بصدد عصابة سياسية تتشكل من جديد ، واعادة استدعاء لنفس النماذج المتسخة بالحقد على الشعب والمتعالية عليه ، وتكرار لنفس ممارسات الوصاية ، بصدد تحالفات تتطور شيئا فشيئا بين قلب النظام مع كيانات الفساد السياسي وشبكة وهمية من المنظمات والمجتمع المدني الريعي.. في المضمون يمكن تلمس تجديد السلطة للعهد مع نفس أسباب الفشل والثورة، وتوفر ذات عوامل الاخفاق والغضب ، وتغلق أبوابا واسعة من الأمل فتحها الحراك الشعبي السلمي بنفس مفاتيح الاغلاق.
 
 اعتذار أسوأ من التصريح
في النهاية تراجع الوزير وقررأن يسمح للجزائريين المعترضين على بند أو آخر في الدستور بالبقاء والعيش في البلد ، يُشكر اذن على سعة صدره وسماحته التي غمرت ، وعلى تحمل عبىء بقائهم .
التصريح المثير كان أقل سوءا من الاعتذار هذا الموظف الحكومي ، والاعتذار كان أكثر سوءا من التصريح ، نه يجدد الاساءة للجزائريين في سياق الاعتذار ، و يعتبر انهم هم من لم يفهوا " افكاره الخلاقة"، يضع المشكلة على عاتق الفهم ، وفي هذه الحالة لا يصبح الاعتذار اعتذارا ، بل اساءة أخرى، لأنه لا يمكن ان يخطأ الفهم اساتذة في الجامعة وصحافيين وعمال وطلبة وبطالين وسياسيين .
اكثر من ذلك ، يظهر هذا الشخص التعالي والتناقض الكبير، انه اذ يقر بأنه "متيقن أن كل الشعب الجزائري (قال كل) ملتف حول بيان أول نوفمبر " ، اذن فمن هم الجزائريون الذين كان يقصدهم بالمغادرة اذن !؟ ، وهل يوجد في الجزائر شعب آخر .
الاعتذار الذي لا يرافقه الندم والأسف على القول أو الفعل ليس اعتذارا ، في المقامات الحكومية وفي هذا المستوى من الاساءة ، الاعتذار الوحيد معروف، الجزائريون ليسوا مضطرين لتحمل سخافات المسؤولين والوزراء ، سخافة التصريحات المنفلتة والسلوكات الشاذة ، ثم سخافة الاعتذار ، لا أحد من الجزائريين- وأنا واحد منهم-مستعد لتحمل هذه العقليات والنماذج السيئة.
 

شوهد المقال 355 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats