الرئيسية | أعمدة الوطن | نجيب بلحيمر ـ وهم التفاوض

نجيب بلحيمر ـ وهم التفاوض

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نجيب بلحيمر 
 
تابعت جزءا من النقاش الذي دار حول مشاركة وجوه معروفة في الحراك في ندوة نظمها ما يسمى تكتل المسار الجديد بقصر المعارض وهي الثانية بعد تلك التي نظمت في فندق الجزائر (سان جورج سابقا)، وأعتقد أن أهم ما في الأمر على الإطلاق هو واقعية من شاركوا وعلمهم بأن الأحزاب التي جاء الحراك لكنسها هي من تقف وراء هذا المسار، أحزاب يوجد قادتها اليوم في السجن.
لا يعني الاعتراف بهذه الحقيقة أن المشاركين متواطئون أو يلهثون وراء مصالح شخصية، فأنا أميل إلى الاعتقاد بصدق مسعاهم لطرح بدائل أو نقل مطالب الحراك من الشارع إلى ما يعتقدون انه مفاوضات، ولهذا وجب تركيز النقاش على الأفكار التي طرحت والمنهجية المتبعة في العمل السياسي بدل محاولة تصنيف من قرروا المشاركة في هذه اللقاءات أو محاكمتهم.
أول خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نتوجه بالمطالب إلى من لا يملك صلاحية الاستجابة لها، وهذا ينطبق تماما على هذا التكتل والجهات التي تتحكم فيه، فحزب مثل الأرندي لا يملك قراره بكل بساطة وهو عبارة عن أداة في يد الإدارة والسلطة الفعلية التي تستعمله من أجل تجديد واجهة النظام وإعادة تنظيم شبكات الولاء التابعة له، وهذه الحقيقة نراها الآن بكل وضوح من خلال اعتماد نفس الأساليب التي اعتمدت منذ تسعينيات القرن الماضي عندما قررت السلطة الفعلية تولي الأمر بصفة مباشرة ثم ترتيب العودة إلى الظل بإفراغ التعددية من مضمونها وتحويل الأحزاب السياسية إلى مجرد أدوات تستعمل في المواسم الانتخابية ولتشكيل واجهة تعددية ومؤسسات فاقدة للشرعية.
نفس الممارسات يتم اعتمادها اليوم وبنفس الأدوات، وهذا يعني أن هذه الندوات لها هدف واحد هو خلق صورة وهمية بوجود نقاش، وبانخراط وجوه من الحراك في هذا النقاش، ولو فكرنا بهدوء وموضوعية لوجدنا أنفسنا أمام سؤال مهم لماذا لم يتم تنظيم هذه الندوات لمناقشة مقترح تعديل الدستور مثلا ؟ ولماذا لم يتصل بالأشخاص المحسوبين على الحراك لاستشارتهم حول خارطة طريق السلطة ؟ الإجابة بسيطة وهي أن ما يجري هو جزء من عملية صناعة صورة توهم من خلالها السلطة نفسها والمجتمع والخارج أيضا بوجود انخراط شعبي في المسار الحالي، وبأن أزمة الشرعية تم تجاوزها وأن كل شيء على ما يرام.
لم يتغير دور أحزاب السلطة أبدا وما يسمى زورا بالمجتمع المدني، والمقصود به في قاموس السلطة جملة الجمعيات المستفيدة من صفقة الريع مقابل التطبيل، منذ عقود، فهذه التنظيمات والهياكل تظهر في المواسم الانتخابية ثم تختفي، وما يقال في الورشات والندوات فهو لا يصل في النهاية إلى صانع القرار، لأن الجهة التي يتوجه إليها أصحاب المطالب لا تملك سلطة القرار أصلا، أما المهمة فتنتهي بمجرد بث الصور في قنوات الدعاية، وفي اليوم الموالي يتم الانتقال إلى صورة أخرى من تجمع آخر حتى تبقى أجواء الكرنفال قائمة إلى غاية فرض أمر واقع جديد.
جاء الحراك من أجل إنهاء الحكم الخفي، ولتمكين الجزائريين من كتابة دستور يتوافقون عليه ويحتكمون إليه بعد عقود من خضوعهم لنظام يحتكم إلى قواعد غير مكتوبة، وتسيره قوى لا تترك خلفها أثرا يفتح باب المتابعة والمساءلة، وهذا هو لب معضلة الحكم التي يريد الحراك حلها بشكل نهائي، أما كل ما يقوم به النظام فهو تشويش على هذا الموضوع الرئيس وصرف للأنظار عن الأهم، ولا يمكن أبدا أن يكون الانخراط في مبادرات استعراضية من هذا النوع أن تكون إسهاما في جهد الحراك أو نقلة نوعية في النضال الذي بدأه المعنيون في الميدان منذ سنوات أو منذ بداية الحراك على الأقل.
يتعلق الأمر برؤية ما يجري ضمن سلوك مألوف للنظام يمثل طريقة عمل تقليدية لا يستطيع النظام، بسبب ضعفه وعجزه عن تجديد قواعده واستقطاب كفاءات إلى صفه، أن يغيرها، وهي في كل مرة تفضي إلى نتيجة واحدة، ويكفي أن ننظر إلى أجواء الغلق التي صاحبت هذه التحركات، والتعامل المنحاز لوسائل الإعلام معها لفهم عجز السلطة عن تغيير سلوكها أو حتى تجديد أساليبها بما يوحي بوجود نية حسنة.
يمكن أن نتفهم نفاد صبر المناضلين الذين انخرطوا بشكل كامل في الحراك وهم يرون أن هذه الثورة لم تفرز تنظيمات ونخبا جديدة بالسرعة المطلوبة، لكن الأمر مرتبط بالأساس بحجم الدمار الذي سببه النظام، وهو مرتبط أيضا بأجواء القمع والاستبداد التي تهدف إلى منع نضج تلك الثمار، والخطيئة الكبرى ستكون الرد بالانخراط فيما هو موجود وتقديم هذا الخيار على انه واقعي أو براغماتي، فالتوجه إلى الانخراط في مبادرات النظام سيكون مساهمة في إطالة أمد أزمة وصلت إلى حد تهديد بقاء الكيان الجزائري وانسجام النسيج الاجتماعي وتماسكه.
بقي أن أشير إلى أن الجدل وانحراف النقاش الذي أحاط بهذه الأحداث خلال الأيام الماضية يعطينا فكرة عن المستوى الذي سينزل إليه أي نقاش سياسي يجري تحت نظام مغلق وفي غياب كامل للحريات وحظر للفضاء الذي كان يمكن أن يقدم الإطار الصحي لنقاش هادئ ومثمر.
كل بناء على أساس غير متين وبرعاية مفسد سيجعل السقف يقع على رؤوس الجميع، الرؤوس التي جاء الحراك ليحميها ويوفر لها أسباب التفرغ للتفكير وإبداع الحلول وهو مستمر إلى أن يبلغ هدفه من دون عجلة أو تردد.

شوهد المقال 244 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حارث حسن ـ أفكار عن الازمة التي اثارتها الرسوم الفرنسية

د. حارث حسن ليس جديداً القول ان تعامل البعض في فرنسا واوربا مع "أزمة الإسلام" المفترضة يتسم بالتبسيط، وان الطلب من "المسلمين" ان يتصرفوا كالمسيحيين واليهود
image

العربي فرحاتي ـ نتخابات " الريح والهواء" / الغباء ..في مواجهة الذكاء والدهاء

د. العربي فرحاتي  بعد تجاهل السلطة الفعلية لمرض الرئيس وتأكد تعذر حضوره الاستفتاء.. وبعد تكاثر الموت بالكوفيد..ومع ذلك مضت في تنفيذ اجراءات كرنفال الاستفتاء دون اعتبار
image

محمد هناد ـ أهو استفتاء أم استهتار ؟

د. محمد هناد  غدا، الفاتح من نوفمبر، سيجري الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد. ربط الاستفتاء بهذه الذكرى يوحي بما فعله الفيس في انتخابات ديسمبر 1991 حين
image

رياض حاوي ـ لماذا أشجع مارين لوبان كي تصبح رئيسة فرنسا

د. رياض حاوي  انا من انصار المقاربة البنابوية أن الاستعمار هو نتيجة القابلية للاستعمار، وأن الحضور القوي للارادة الفرنسية في الساحة الجزائرية هو بسبب وجود بقايا
image

جباب محمد نور الدين ـ اللقاء مع ماكرون يتلخص في جملة واحدة : أعبد إله الإسلام كما تشاء ولا مكانة لشريعة الإسلام

د. جباب محمد نور الدين  يبدو أن جيشا كاملا من المتخصصين والخبراء كانوا وراء تحضير لقاء مكارون مع قناة الجزيرة ولا استبعد أن
image

عبد الجليل بن سليم ـ شعب عاطفي شعب عنيف شعب سخون ماذا نحن بالضبط ؟!!

د.عبد الجليل بن سليم  دائما عندما التقي بشخص غير جزائري و يكون من المشرق، عندما نقولو بلي أنا جزائر يقول أهل الجزائر دمهم حامي، شعب سريع
image

وليد عبد الحي ـ اليمين الأوروبي والعنف

أ.د.وليد عبد الحي ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل محفزات
image

نوري دريس ـ الحل السحري للسلطة في الجزائر

د. نوري دريس   الأمر الذي يزعج السلطة منذ بداية الحراك, هو رفض الجزائريين للانخراط في احزاب قائمة او تأسيس احزاب جديدة تمثل وتتحدث باسم الجزائريين
image

عثمان لحياني ـ صدفة المفارقة بين أكبر مسجد في افريقيا ورئيس يعالج خارج الجزائر

عثمان لحياني  الصدفة التي تجمع في يوم واحد ، بين افتتاح جامع الجزائر الأعظم للصلاة ، وهو منجز لاشك قيم في عنوانه وعمرانه. وبين نقل الرئيس
image

رشيد زياني شريف ـ عندما لا تعني أكثر من نعم

د. رشيد زياني شريف  السياسة ليست علوم دقيقة ولا تنجيم ولا ...نوايا فحسب، بل قراءة متأنية بناء على تجارب متراكمة ونظرة اسشرافية، من اجل تحقيق الهدف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats