الرئيسية | أعمدة الوطن | غزة ممر اجباري الى الامم المتحدة

غزة ممر اجباري الى الامم المتحدة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

غزة ممر اجباري الى الامم المتحدة

بقلم نقولا ناصر*

اذا كان المقصود من ذهاب منظمة التحرير الفلسطينية الى الأمم المتحدة في ايلول / سبتمبر هو نهج جديد ينقل الملف الفلسطيني الى المجتمع الدولي وينهي ارتهانه لاحتكار الرعاية الأميركية له وللتفاوض الثنائي مع دولة الاحتلال الاسرائيلي وليس المقصود منه ان يكون خيار ملاذ أخير يائس "اضطرت" القيادة المفاوضة للمنظمة الى اللجوء اليه بعد "خيبة الأمل" التي أعربت عنها رئاستها من الرعاية الأميركية والمفاوضات الثنائية على حد سواء، واذا كان المقصود منه ترجيح خيار انتزاع اعتراف بدولة فلسطينية من الأمم المتحدة على خيار الوصول الى دولة كهذه "بالاتفاق" التفاوضي مع دولة الاحتلال عبر الرعاية الأميركية، عندئذ يكون هذا النهج الجديد اعلانا صريحا بدخول مواجهة مع الولايات المتحدة ودولة الاحتلال كلتيهما.

ولا يجادل فلسطينيان في أن اي مواجهة كهذه تقتضي انجاز الوحدة الوطنية الفلسطينية في أسرع وقت ممكن، وفي هذه الحالة تكون غزة ممرا اجباريا في الطريق الى الأمم المتحدة، والا فان ذهاب الرئيس محمود عباس اليها لن يزيد على كونه مجرد محطة في الحلقة المفرغة التي كان يدور فيها منذ وقع اتفاق إعلان المبادئ (أوسلو) في البيت الأبيض الأميركي في الثالث عشر من ايلول / سبتمبر عام 1993.

لقد تحولت زيارة عباس الى غزة قبل ذهابه الى الأمم المتحدة الى محك اختبار لصدقية أي نهج جديد يوحي به ذهابه الى الأمم المتحدة، ولصدقية الالتزام باتفاق المصالحة الوطنية الموقع في القاهرة في الخامس من أيار / مايو الماضي. ولا يتوقع أحد أن يضم عباس رئيس الحكومة التي اقالها اسماعيل هنية الى الوفد الذي سيرافقه الى الجمعية العامة للهيئة الأممية، فخطوة كهذه سوف تعني بأن عباس قرر أن يقود ثورة وهذا مستبعد تماما في ضوء معارضته حتى لمظاهرة سلمية شعبية تتجه نحو احدى نقاط التماس مع قوات الاحتلال الاسرائيلي في الضفة الغربية، لكن القفز عن غزة في طريقه الى الأمم المتحدة يشكك في أن اعلانه برام الله في السادس عشر من آذار / مارس الماضي عن استعداده "للذهاب الى غزة غدا من أجل انهاء الانقسام" انما كان مجرد اعلان لتنفيس الضغط الشعبي الذي كان يتصاعد آنذاك مطالبا بانهاء الانقسام وانجاز الوحدة الوطنية.

وبينما يجري اليوم الحديث مجددا عن زيارة مرتقبة ينوي عباس القيام بها لغزة قبل توجهه الى نيويورك الشهر المقبل، استنادا الى الاتصال الهاتفي الذي اجراه عباس مع هنية في الحادي عشر من هذا الشهر، يظل أمل يبدو كالوهم يداعب الرأي العام الفلسطيني في أن يفي عباس بوعده وهو وعد جدده بعد توقيع اتفاق المصالحة في القاهرة عندما اكد في السادس والعشرين من حزيران / يونيو الماضي على انه "منذ سنوات طويلة وأنا لدي قرار بالذهاب الى غزة .. انني مصمم على الذهاب الى غزة وقد يكون ذلك مفاجأة للجميع".

ولم تترك حركة المقاومة الاسلامية "حماس" اي مجال لاتهامها بأي سبب يدعو عباس لعدم الوفاء بوعده بزيارة غزة أو لعدم التزامه باتفاق المصالحة. فدعوة عباس لزيارة غزة جاءت أولا من هنية قبل يوم من اعلان عباس عن استعداده لزيارتها، وهو اعلان رحبت به حكومة هنية على الفور في حينه وفي اليوم ذاته. وبعد أربعة ايام من توقيع اتفاق القاهرة الأخير وجهت حماس الدعوة لعباس ولرئيس مكتبها السياسي خالد مشعل لزيارة غزة واعلنت عن ترميم وتجهيز منزل الرئيس لتسليمه له شخصيا في زيارتة المرتقبة المؤجلة كما يبدو الى اجل غير مسمى. لكن الأهم ان الحركة قد اثبتت حسن نواياها بمنح عباس مهلة عام كامل لخوض آخر تجربة له في آخر اختبار له لنهج المفاوضات بالرعاية الأميركية عندما وافقت في اتفاق المصالحة الأخير على اجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية بعد عام من توقيع اتفاق القاهرة، وقد اعترف عباس نفسه بذلك عندما قال ببيروت في الثامن عشر من الشهر الجاري ان حماس تعطي "فرصة للمفاوضات ولدولة بحدود 1967 وطرح اعلان الدولة الفلسطينية".

ومع ذلك لا يزال في حاشية عباس من يسوغ له عدم الوفاء بوعده، فعضو اللجنة المركزية لحركة فتح عباس زكي، على سبيل المثال، يرى ان "هناك عوامل لا تزال لا تسمح بالزيارة" ومنها "التخوف من وجود شغب أو فلتان أمني" كما قال يوم الأحد الماضي، لكن زميله في اللجنة المركزية لفتح نبيل شعث كان أكثر صراحة منه عندما قال في الخامس من حزيران / يونيو الماضي: "لا أتوقع ان يزور الرئيس غزة قبل الاعلان عن الحكومة الجديدة".

وليس من المتوقع أن ترى النور اي حكومة فلسطينية جديدة مؤلفة عملا باتفاق القاهرة الأخير طالما ظل عباس ومنظمة التحرير يدورون في حلقة اتفاق أوسلو المفرغة ويرفضون ما وصفه رئيس المجلس التشريعي عزيز الدويك ب"آلية التنفيذ" لوضع اتفاق المصالحة موضع التنفيذ، لأن تنفيذ هذا الاتفاق سوف يظل يصطدم باستمرار بالتزام المنظمة ورئيسها ومفاوضيها بشروط دولة الاحتلال التي تبنتها اللجنة الرباعية الدولية والتي تؤبد الانقسام الفلسطيني، اللهم الا اذا قرروا "اقفال بوابات السلطة .. ورمي مفاتيحها في الشارع" الفلسطيني في اليوم التالي لتصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة على طلب الاعتراف بدولة فلسطين وبعضويها، كما كتبت هآرتس في افتتاحية لها في الثاني عشر من هذا الشهر للتحذير من ان ذلك هو "أكثر ما تخشاه اسرائيل"، لكن عباس ما زال يحرص على تكرار ان المفاوضات هي خياره الوحيد بغض النظر عن نتيجة تصويت الامم المتحدة، مما ينذر بتأجيل زيارة غزة والمصالحة الوطنية الى أجل غير مسمى، ربما بانتظار "عرض" جديد يعيده الى الدوران في الحلقة المفرغة اياها.

لقد نفى كبير مفاوضيه صائب عريقات "نفيا قاطعا" في الأسبوع الماضي خبرا نشرته "يديعوت أحرونوت" عن مفاوضات بين المنظمة وبين الاتحاد الأوروبي للتوصل الى "حل وسط" بين طلب عضوية الأمم المتحدة وبين الرفض الأميركي له، وكان عباس نفسه قد أعلن رفضه عرضا اميركيا مماثلا للاعتراف بدولة فلسطين كدولة مراقبة مثل الفاتيكان في الأمم المتحدة. ولا يحتاج المراقب الى مصادر خاصة تؤكد الاستنتاج بأن زيارة مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان للعاصمة القطرية في تزامن مع اجتماع اللجنة الوزارية لمتابعة مبادرة السلام العربية انما جاءت في سياق تصعيد الضغوط الأميركية عشية ذهاب عباس الى الأمم المتحدة، وكذلك اجتماع فيلتمان مع عباس في الدوحة يوم الثلاثاء الماضي.

ان "الدعم العربي" لمسعى عباس في الأمم المتحدة الذي عبر عنه بيان لجنة المتابعة العربية في الدوحة ليس بديلا كافيا عن الوحدة الوطنية الفلسطينية لمقاومة الضغوط الأميركية والأوروبية ولمواجهة الفيتو الأميركي المتوقع في مجلس الأمن الدولي لنقض طلب منظمة التحرير ثم مواجهة نتائج التصويت سلبا أم ايجابا على هذا الطلب في الجمعية العامة، فهذا الدعم العربي المفترض مطعون في جديته فلسطينيا، ليس فقط بسبب "الوضع الاقتصادي الكارثي" للسلطة الفلسطينية نتيجة لعدم وفاء الدول العربية بتعهداتها لها للسنة المالية الجارية، بل ايضا لأنه لا يمكن لدول تعجز عن عقد مؤتمر قمتها السنوية الدورية أن تكون قادرة على تقديم اي دعم فعال لأي عضو في "جامعتها".

غير أن جدية الدعم العربي للقضية الفلسطينية يبدو مطعونا فيها أكثر عند المقارنة بين "قدرة" جامعة الدول العربية على طلب التدخل العسكري لمجلس الأمن الدولي لفرض منطقة حظر جوي فوق ليبيا بحجة حماية المدنيين الليبيين من بطش حاكمهم وحجم ونوعية الدعم الذي تقدمه دول عربية لهذا التدخل وتسليحها وتمويلها للمقاومة الشعبية الليبية، وبين "عجز" الجامعة العربية ودولها عن مبادرة مماثلة لحماية المدنيين الفلسطينيين وتسليح وتمويل مقاومتهم لقوة الاحتلال الاسرائيلي التي تبطش بهم في الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترة أطول من حكم معمر القذافي، بالرغم من الفارق النوعي بين الحالتين الذي يجعل اختبار "القدرة" العربية في فلسطين استحقاقا ملحا دائما لكنه في أحسن أحواله لن يكون بديلا عن الوحدة الوطنية الفلسطينية.

* كاتب عربي من فلسطين
* nassernicola@ymail.com

شوهد المقال 2138 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وفاة الأديب العماني مبارك العامري ..رحمه الله

الموت هو مرحلة الواقع الوحيد الذي لايتغير في هذه الحياةوهو يوم موالي لما بعده...لكن من أثره باقي وفعله قائم "لايموت"مرهق ومؤلم جداً هذا الخبر ومع
image

رضوان بوجمعة ـ ذهب بوتفليقة و بقي النظام الذي فرضه...

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 174   يمر اليوم عام كامل على تنحي عيد العزيز بوتفليقة من رئاسة الجزائر بعد 20سنة من ممارسة الحكم،
image

عثمان لحياني ـ مراجعات الضرورة ..الصحافة والثرثرة

عثمان لحياني  وجدت نفسي أسأل مجرد سؤال ، كم حظي بونجمة وولد عباس مثلا من مقابلة في القنوات والصحف وبكم حظي عالم النازا نور الدين
image

العربي فرحاتي ـ في هذه الذكرى ..كم كنا سنكون سعداء ؟؟

د. العربي فرحاتي   نحن اليوم على مسافة سنة كاملة من فرض تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور على الشعب والالتفاف على مشروع الحراك وتحريفه عن
image

عثمان لحياني ـ من ثقب ابرة .. بوتفليقة

 عثمان لحياني اختار بوتفليقة لنفسه هذه النهاية غير موفقة سياسيا برغم تاريخ حافل ، بعدما أرسى على مدار 20 سنة تقاليد حكم هي خليط سياسي
image

السعدي ناصر الدين ـ فكرت..ترددت..ثم قررت ان أقول : المحاكمات الجائرة للأحرار

 السعدي ناصر الدين  كانت الجمعة 56 المصادفة لـ13مارس2020 فرصة كبيرة لتوسيع وتعميق النقاش الذي بدأ في اوساط الثورة السلمية قبل ايام لوقف المسيرات من اجل
image

رضوان بوجمعة ـ الحجر الصحي و العطب السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 173. خرج عبد المجيد تبون رئيس الدولة مرة أخرى في قصر المرادية وهو يستقبل من اختارهم ممن يحاورونه، وقد
image

لخضر بن شيبة ـ الحراك الجزائري في زمن كورونا

لخضر بن شيبة   تعليق التظاهر خدمة للجميع… بسبب التهديدات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، كان يوم 20 مارس / آذار 2020 أول جمعة بدون مسيرات شعبية
image

سليم بن خدة ـ ثمة ما يدفع إلى نوع من التفاؤل...العدد في تصاعد في الجزائر لكن لا داعي للذعر والتهويل

 د . سليم بن خدة  العدد في تصاعد، هذا كان منتظرا، لكن لا داعي للذعر والتهويل، و لا يعني أننا نهون من الأمر، فعلى عموم
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats