الرئيسية | أعمدة الوطن | عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

عثمان لحياني 
 
عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي برتجمان، افريقية اقتلعت من أرضها ونقلتها الهمجية الى باريس وسلمت الى طبيب نابليون ، كوفييه لدراسة جسدها ومحاولة اثبات أنها أقرب إلى القرد .
نفعل اليوم ما كان يجب، وما تفعله الشعوب التي تحترم نضالها ولا تترك رفات شهدائها بين يدي غاشم ، اليوم لا عسكري يستطيع ولا سياسي يقدر ، الشعراء وحدهم يعرفون كيف يرسمون الشهداء ، هم أكثر قدرة على تحريك جامد وتقويل ميت ومحادثة الجماد ، وهم الأكثر امساكا بالمشهد الذي يصنعه اليوم عودة الشهداء الى الديار من المنفى، روحهم لم تغادر الأرض لكنها كانت بحاجة الى أن تعود للسكن في الجسد او بعض منه. 
المقام مقام عاطفة عاصفة لا يلجمها الا بيت شعر ومديح ظل عالي وشاعر مطراب ، ومغني ينشد لا يبح صوته، فهؤلاء العائدون الى البيت قصة روحانية لا تحاط ولا تمسك ولا تكيل ولاتقاس ولا تقارن ولا تقابل ولا تعقد ولا تحل،هي أيضا ليست رأس مال للاستثمار السياسي في المناكفة ، ولا سجلا تجاريا للمزايدة ، ليست انجاز فرد و لن تكتب في رصيده أي كان، فالكثيرون منذ 2011 ، بذلوا كل من موقعه الجهد لأجل أن تكون هذه اللحظة التاريخية المفيدة. 
هذه لحظة غير قابلة للصرف،السلطة نفسها بكل مؤسساتها ورموزها يجب أن تصمت وتخجل، سيكون مقيتا إن هي حاولت احتكارية اللحظة والمنجز، لأنها تركتهم شيئا للسياحة في متحف باريسي وأغراضا لتطبيقات البحث لعقود دون ان تحاول، بل انها كانت تكذب علينا في كتب التاريخ فلم تقل لنا الحقيقة عن هؤلاء .
كل شيىء يمكن أن يكون محل اختلاف، الا هؤلاء المتعالين علينا بنضالهم الذين قال فيهم تعالى في الحديث القدسي "وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين" ، لا قيمة للأحياء هنا والعقول المهاجرة هناك دون هذا الرصيد النضالي المفاخر به الأمم ، لذلك ليس مقبولا ، بل يرقى الى درجة القبح ، طرح معادلة (جماجم - أحياء) و(جماجم- معتقلين) و(جماجم -عقول) و (جماجم -عالقين)، بئس القيس هذا والقياس والقائس .
يحيط بنا البؤس نعم، والتعاسة نعم، و المستقبل غامض نعم، مع ذلك كله ، يمكننا أن ننسى نظام التفاهة ولنترك هذا اليوم للشهداء ، ففي حضرتهم لا تجوز الخصومة والمرافعة والكلام ، وهذه لحظة غير قابلة للصرف.. يأتي الشهداء يصمت الجميع .

 

 

شوهد المقال 326 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عادل السرحان ـ شهقةُ الكرملْ

عادل السرحان                ياأبتِ خذ قلبي وامنحني قلبك وإن كان عليلاًسأحيا به ... حتماً سأحيا حبك كالربيع وأنى لزهرةٍ أن تموت حين يغشاها الربيعخذ قلبي الفتي
image

عادل البشراوي ـ قرابين هولاكو

عادل البشراوي عندما جهز جورج بوش الإبن قوات التحالف للحرب على الإرهاب قبل عقد ونيف فاستحل أفغانستان والعراق، كان يقول أن الرب تحدث معه وأمره بذلك
image

عماد بوبكري ـ ما وراء ملف الصحراء الغربية في الحسابات الجيوسياسية الإقليمية و الدولية

عماد بوبكري  أنا من اللذين يعتقدون أن ملف الصحراء الغربية خرج من الحسابات الضيقة و المناواشات الجزائرية المغربية الضيقة ليدخل و بصفة دائمة كقضية مربوطة حتميا
image

سعيد لوصيف ـ التفكير في المجتمع الجزائري المعاصر

د . سعيد لوصيف  يعتبر التفكير في المجتمع الجزائري و ظواهره النفسية الاجتماعية نشاط شيّق و شاق في الوقت ذاته: شيّق لأنّه يسمح للباحث
image

نجيب بلحيمر ـ مرض تبون.. مأزق السلطة وفرصتها

نجيب بلحيمر  حديث "الفراغ" يهيمن على ما يكتب ويقال عن الجزائر. هنا وفي الخارج أيضا، فرنسا تحديدا التي يرانا بعيونها جزء كبير من العالم، تجري المقارنات
image

العربي فرحاتي ـ الساركوزية والماكرونية..والحراك

د. العربي فرحاتي  بدافع التلهية سبق لساركوزي أن أثار قضية الاعتراف بجرائم الاستعمار باعتبارها قضية الشعب الجزائري وهو كلام استهوى الكثير من مثقفينا فأثاروها كما لو
image

نجيب بلحيمر ـ الفراغ.. مرض النظام المزمن

نجيب بلحيمر   “سمعنا دعوات لإلغاء الإستفتاء، فإننا إذا فرضنا جدلا بالتسليم بتلك الحجج وفي إطار وفاق وطني بين الشركاء في الساحة الوطنية بضرورة إلغاء الدستور
image

عادل السرحان ـ جنوبي أنا

عادل السرحان                ومذ ولدتُ رضعتُ حروف المحبّةمن صدر أمّي وأول مانطقت به (حبوبي)تشرق شمسي من سعف النخيل وتغرب خلف خطوط الكهرباءفي الأفق الخجولتعلّمتُ البكاء قبل الولادة وحين خرجت
image

فضيلة معيرش ـ مرآب في بيت أبي

فضيلة معيرشأدمن الصمت على عتبات الماضي دون ما يد حانية تخفف من أعباء شكواه، تزوج منذ أكثر من عشرين سنة وهاهو عبد الباقي يقترب
image

أحمد سليمان العمري ـ سياسات عقيمة ورسومات لا تختلف عنها

أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف«إنّا كفيناك المستهزئين الذين يجعلون مع الله إلها آخر». هل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة لرسول الأمّة حريّة تعبير أم استفزاز صريح لشريحة كبيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats