الرئيسية | أعمدة الوطن | عثمان لحياني ـ في الدستور الذي لا يتحدث

عثمان لحياني ـ في الدستور الذي لا يتحدث

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

عثمان لحياني 
 
كان واضحا منذ اللحظة الأولى، وقياسا بأكثر من تجربة تعديل سابقة على مر المحطات السياسية للجزائر، أن اعداد الدساتير بلجان مغلقة لن يؤدي الا الى نص دستوري مغلق وصامت.
قبل النص ثمة مشكلة تتعلق بالآلية، لبناء الجزائر الجديدة يجب توخي آلية جديدة أيضا (لجنة تأسيسية) تقطع مع العجلة والتصنع السياسي وتحسم المتاهات اللغوية ، تأخذ زمنها الكافي وتتيح مشاركة متوزانة للأطياف المجتمعية في صياغة الأرضية الدستورية التي سيتعايش على أساسها الجزائريون، تصون الثوابت المجتمعية وميراث ثورة نوفمبر، وتحدد قواعد الممارسة الديمقراطية. 
صحيح أن استقالة القاضي فتساح أوقرقوز من اللجنة الدستورية لم يلفت الانتباه لأسباب عديدة ، لكن نص استقالته كان كافيا ليعطى مسبقا صورة واضحة عن سقف التوقعات من مخرجات المسودة الدستورية التي جاءت فعلا مخيبة للآمال ومجحفة في حق تطلعات الجزائريين وفي حق سقف عالي من طموحات حراك فبراير2019.
تعاملت اللجنة الدستورية مع النص الدستوري من داخل العقل السلطوي الذي ينظر الى المكون السياسي والفاعل المدني كغول يهدد الدولة، لذلك يبرز الاجتهاد واضحا في وضع المغالق ، بدلا المخارج، التي تحد من حق المبادرة السياسية وتقفز على التمثيل الشعبي، وفحصت الدستور بصورة تقنية بعيدة عن روح التجديد السياسي وبأصابع جافة، ولذلك جاء النص الدستوري جافا وصامتا ومتحجرا ومنغلقا على أشكال الحكم وطرق الادارة البالية للشأن العام . 
كان حراك فبراير ثورة على الاستبداد ، وعلى الأبوية السياسية وممارسات نظام الحكم الرئاسي الذي قاد البلاد الى حدود الانهيار وأنتج جغرافيا واسعة من الفساد السياسي ، وتشكلت في خضمه مجموعات مافيوية مهيمنة ومتناحرة طورت شكلا جديدا من "المافيوية بالقانون"، وانفلتت ضمنه الأجهزة الأمنية وتحولت الى مجموعات متواطئة مع المافيا السياسية ومتحالفة ، وبرغم ذلك تعيد اللجنة الدستورية انجاز نص دستوري يعيد انتاج نفس مقومات الحكم الرئاسوي الهجين وبنفس اغراءات الانفرادية واغواءاتها، وبسلطات أكثر اتساعا من ذي قبل.
بسرعة ترك الرئيس وعوده خلفه ، الراحل عبد الحميد مهري تحدث قبل سنوات عما يصفه "بشهوة السلطة غير قابلة للمقاومة"، أمامنا نص دستوري لا يحمي الدولة من الانحراف ولا الشعب من التغول ، دستور صامت بلا روح يكرس نفس العقل السلطوي، الدساتير التي لا تتحدث تصمت ، وفي صمتها يولد الاستبداد، ويكبر في ظهرها (القوانين) الانحراف شيئا فشيئا ، نفس المقدمات تقود الى النتائج نفسها .
 

 

شوهد المقال 400 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نصر الدين قاسم ـ الجمعة 113 "شعب" السلطة و"شعب الجزائر"!

نصرالدين قاسم جمعة السلمية الثالثة عشرة بعد المئة المصادفة ليوم العلم الاحتفال الرمزي برائد النهضة الجزائرية الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس، كشفت كم
image

العربي فرحاتي ـ الحراك منهج تغيير

د. العربي فرحاتي     شيئا فشيئا وفي الميدان يترسخ معنى " الحراك منهج " في عقول الكثيرين ويتراجع داخل الحراك النقاش الايديولوجي وحديث
image

الصالح بن سالم ـ حوار في التاريخ وعن التاريخ وللتاريخ ... (03): الباحث في افريقيا جنوب الصحراء حسين بوبيدي

د. الصالح بن سالم   بعد كل من فوزي سعد الله وودان بوغفالة نستضيف اليوم ضمن سلسلة حوار في التاريخ وعن التاريخ وللتاريخ باحث متميز
image

طيبي غماري ـ مؤامرة مسلسل عاشور العاشر!!!

د. طيبي غماري   مصيبة مسلسل عاشور العاشر انه مع كل ما يمكن أن يفعله المقص، من قص، ومع ان النص وحتى التمثيل بغياب صويلح
image

عثمان لحياني ـ شفاعة الاستبداد

عثمان لحياني   لم تكن ولم تعد -سيان- للسلطة أية قدرة للاستماع للرأي المخالف، وأكثر مما كانت عليه قبل 22 فبراير 2019 ، لا في
image

وليد عبد الحي ـ هل يبني التسول دولا؟ فخ المساعدات الاقتصادية والثمن السياسي(٢)

أ.د. وليد عبد الحي   تشكل المساعدات المالية والاقتصادية لدول العالم النامية بخاصة أحد جسور الاقتصاد السياسي الدولي والمعولم على حد سواء ،
image

مريم الشكيلية ـ أحرف من كييف...

مريم الشكيلية  ـ سلطنة عُمان  أكتب لك وأنا لي يوماً واحداً في كييف...ورسالتي الأولى أخطها إليك من هنا...كل الأشياء غريبة هنا كأنا...حتى الأرصفة مغسولة بالمطر والأزهار تستيقظ
image

عثمان لحياني ـ كيف تشكل النظام... قصة جزائرية

عثمان لحياني  لماذا يستمر الحراك الشعبي في الجزائر في رفع شعار "دولة مدنية لا عسكرية"، ما دام هناك رئيس وحكومة وبرلمان ومؤسسات مدنية؟ وفي
image

الصالح بن سالم ـ حوار في التاريخ وعن التاريخ وللتاريخ ... (02): البحاثة ودان بوغفالة

د. الصالح بن سالم  يعد من أبرز المتخصصين حاليا في تاريخ الجزائر الحديث ينتمي لولاية أنجبت شخصيات عظيمة كالأمير عبد القادر وأبو راس الناصري اشتغل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats