الرئيسية | أعمدة الوطن | حميد بوحبيب ـ التنظيم الذاتي لمواجهة القمع في الجزائر. وأشياء أخرى

حميد بوحبيب ـ التنظيم الذاتي لمواجهة القمع في الجزائر. وأشياء أخرى

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د .حميد بوحبيب

 

 

لجوء البوليسي أو الدركي إلى استعمال الهراوة، أو أي أداة قمع أخرى ، ليس انزلاقا، ليس استثناء ، بل هو في طبيعة الأشياء :
قوات الأمن ليس من وظيفتها الجوهرية ضمان أمن المواطن البسيط ، المقهور تحت دواليب الرحى الطبقية. وظيفتها التي استحدثت من أجلها هي حماية الملكية الفردية، ورعاية الطبقة الحاكمة. فالدولة البورجوازية بدساتيرها ومؤسساتها تقوم على احتكار العنف.
فحين تمارسه السلطة يسمى الحفاظ على الأمن وحماية الممتلكات...وحين يمارسه المواطن يسمى شغبا وفوضى .
عندما تدرك هذه الحقيقة لا تتفاجأ أبدا عندما يقمعك شرطي، حين تطالب بثورة راديكالية تحت شعار 
"يتنحاو ڨاع". لأن " ڨاع" هؤلاء هم الذين يديرون دفة الدولة البوليسية، لحماية الملكية الفردية ،أي كل الامتيازات والعقارات والمناصب والنفوذ الذي حصلوا عليه طيلة عقود.
أقول هذا الكلام ، وأخشى أن يسيء فهمي بعض المتابعين ، فيعتقدون بأنني أبرر العنف البوليسي . كلا ...
فقط من أجل تفنيد فكرة (خاوة خاوة)...وثورة الابتسامة ...!
لا توجد ثورة راديكالية حققت أهدافها بالابتسام في وجه هراوة البوليسي... لا توجد ثورة حققت أهدافها الراديكالية بالتآخي مع قوات النظام الذي تريده أن يرحل !
بناء على هذا، يجب أن نعيد بناء الوعي السياسي للحراك على أسس ومنطلقات واقعية، بعيدا عن المثالية والرومانسية الثورية التي تزرع الوهم.
الحقيقة هي أن شعاراتنا أكبر بكثير من الوعي الواجب لتحقيقها .
أهدافنا النبيلة الراديكالية تسلحت بأوهام غذتها تحليلات سياسية ساذجة حينا، و في صالح الثورة المضادة أحيانا.
-القول بأن الحراك ليس علمانيا وليس إسلاميا...
ليس ليبراليا وليس اشتراكيا...
القول بأن الحديث عن الهوية ليس وقته، والحديث عن الحقوق النسوية ليس وقته، والمطالب الاجتماعية و الفئوية ليس وقته...كله أفرغ الحراك من محتواه السياسي الذي كان واضخا جدا في 
الأسابيع الأولى، إلى درجة أن الناس في كثير من الأحيان صاروا يخرجون إلى التظاهر بدون لافتات ولا شعارات مدروسة تعبر عن قناعاتهم ...عدة مسيرات كانت تكتفي بشعارات ساخرة فيها شيء من الإبداع فنيا، ولكنها جوفاء وغير فعالة سياسيا ولا تبلور أي مطلب واضح...الأمثلة كثيرة.
إفراغ الحراك من نسغه السياسي الثوري يجعله هشا جدا، وذلك تمهيد لقمعه بشراسة مثلما يحدث اليوم. 
عمليات القمع الأخيرة، تختلف نوعيا عن القمع الشرس الذي عانينا منه في بدايات الحراك :
في بدايات الحراك، كانت الجماهير تحاول مرارا الصعود إلى المرادية، وكانت الشعارات فعلا راديكالية، وبالتالي فقمع من يحاول بجدية طرد العصابة من القصر، هو من قبيل دفاع السلطة البورجوازية عن نفسها، لأنها شعرت بالخطر. 
وهذا أمر لا يحتاج إلى مناقشة، لأننا ندرك أن تغيير نظام الحكم و إعادة توزيع أوراق اللعبة لن يحدث بسلاسة أو بتبادل القبلات.
ولكن القمع الأخير لم يأت لأن الحراك ازدادت ضراوته أو صار خطيرا على الدولة البورجوازية، 
بل العكس...يحدث القمع الآن لأن السلطة شعرت بأن الحراك صار أكثر هشاشة وفقد بوصلته السياسية وبالتالي فقد هيبته.
انا أعتقد أن أحسن وسيلة لأعادة مجد الحراك هو تكثيف النقاشات السياسية، طرح كل الإشكاليات، مناقشة كل الإيديولوجيات، وقبول كل المطالب، والتخلص من عقلية ماشي وقتها.
بعد ذلك، وهذا يقوله الجميع، لابد من حد أدنى من التنظيم الذاتي ياناس...لا يوجد جيش في العالم ربح معركة دون تنظيم صفوفه أو دون رسم خطته وتوفير الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافه.
إذا بقينا نخرج بشكل عفوي كل جمعة للمطالبة بتحرير المعتقلين، وكلما اصطدمنا بهراوة البوليس وخنقتنا الغازات المسيلة للدموع، نصرخ: سلمية سلمية...خاوة خاوة...فلن تقوم لحراكنا قائمة.
السلطة التي نحاربها لها تنظيم دقيق وصارم، آلاف من قوات القمع، عشرات القنوات الإذاعية، محطات تلفزية، جيش من الذباب الالكتروني، مخابرات، عملاء مدسوسون بيننا، أموال ولوجيستيك...
فكيف يعقل أن نحاربها بلا تنظيم قاعدي...السلطة لن ترحل لمجرد أننا نصرخ كل جمعة " ديڨاج". 
التنظيم الذاتي أحسن وسيلة لمواجهة آلة القمع، والحل الوحيد لإعادة الحراك إلى السكة.

 

شوهد المقال 93 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

مراسلون بلا حدود: النظام الجزائري “استغل كورونا لاستهداف صحافي حر”

الجزائر: أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” توقيف الصحافي الجزائري المستقل خالد درارني مساء الجمعة في الجزائر، والذي كان احتجز قيد التحقيق منذ الأربعاء. وهي المرة
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة
image

مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

مرتضى كزاز   أكثر العقول نشاطاً هذه الأيام هو العقل المستقطب، المتحزب والموتور دينياً أو سياسياً، منذ بداية انتشار الفايروس وأنا أتسقط الأخبار متابعاً ما
image

العربي فرحاتي ـ حكايات " الشعب الملهوف" خرافة

 د. العربي فرحاتي  مشاهد التزاحم والتدافع القوي بين السكان في الأحياء والقرى لاقتناء كيس من الدقيق (السميد) كما تلتقطه وتنشره وسائل التواصل الاجتماعي..مشهد حزين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats