الرئيسية | أعمدة الوطن | نجيب بلحيمر ـ عن التنظيم والحوار والتحزب.. ملاحظات شخصية

نجيب بلحيمر ـ عن التنظيم والحوار والتحزب.. ملاحظات شخصية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

سؤال يطرح بإلحاح منذ أشهر يتعلق بالتنظيم وصياغة مقترحات تشكل مطالب يجتمع حولها الجزائريون الذين يواصلون ثورتهم السلمية. 
سأحاول أن أقدم وجهة نظري بخصوص هذه المسألة في نقاط موجزة لتوضيح بعض التفاصيل التي تبدو انها ما زالت تشكل مادة للجدل والخلاف: 
* يجب التفريق بين التنظيم وطرح المبادرات والأفكار من جهة وتمثيل الحراك من جهة أخرى، فالتنظيم الذي يعني إنشاء أحزاب أو جمعيات أو نقابات وغيرها، حق يكفله الدستور ومن هذه الزاوية فمن حق أي شخص أن ينشئ مثل هذه التنظيمات، ومن الطبيعي أن الثورة السلمية سمحت للجزائريين بالتعرف على بعضهم وبتجاوز عوائق الجغرافيا، وسمحت بفتح نقاش سياسي واسع لم تشهد له البلاد مثيلا منذ الاستقلال، وسيكون من المنطقي ان يرى بعض الجزائريين في الوضع الحالي فرصة جيدة لتشكيل قوى سياسية جديدة تستغل ديناميكية 22 فيفري وتستفيد من الطاقة التي حررها والكفاءات التي أظهرها، لكن هذا شيء وتمثيل الحراك شيء آخر تماما، لأن تمثيل الحركات الشعبية أمر صعب ما لم تكن هناك تنظيمات سياسية ونقابية قوية كانت سابقة للحركة الشعبية ومؤهلة لحمل مطالبها وصياغتها كخارطة طريق والتفاوض مع السلطة القائمة بشأنها وهو ما حدث في دول أخرى مثل بولونيا وتونس على سبيل المثال، وفي غياب مثل هذه التنظيمات يصبح تمثيل الحراك مدخلا لتشتيته وإنهائه من خلال التركيز على الخلافات في كيفية تحقيق مطلب تغيير النظام، كما أن خبرة السلطة في ضرب الحركات الاحتجاجية ستجعلها تنتهج هذا الأسلوب وبهذا الخصوص يمكن الاستفادة من مناورات الاشهر الماضية حيث تم استقطاب بعض وجوه الحراك الى حوار يونس، ولحقهم اخرون الى سلطة الانتخابات ثم وصل الأمر الى حد تعيين وزير محسوب على الحراك كما هو حال سحايري. 
خلاصة هذه النقطة هي أن من أراد أن ينشئ حزبا فله ذلك لكن لا يحق له أن يربط حزبه بالحراك أو يدعي تمثيله. 
* النقطة الثانية تتعلق بالحوار مع السلطة، من الناحية المبدئية كل خلاف سياسي بين طرفين أو أكثر يجب أن يحل بالحوار، وعندما يكون الخيار هو السلمية فإن الحوار يصبح أمرا بديهيا، لكن يجب أن نجيب على سؤالين:

 

* في أي إطار يتم الحوار؟

* أي هدف يجب أن يحققه الحوار؟

 

السؤال الأول قد يبدو تقنيا لكنه في حقيقته سياسي، فالسلطة لها خبرة سابقة في تنظيم الحوار والمشاورات من خلال ندوات او لقاءات ثنائية مع مختلف الاطراف التي توجه لها الدعوة، وهذا يسمح لها بتمييع الحوار،وتعويم مواضيعة لفرض رؤيتها في النهاية، وهي اطلقت دعوة غامضة للحوار وبدأت اتصالات مبكرة بطريقة غير معلنة( كمثال تم عقد لقاءات مع اشخاص محسوبين على الحراك بمجرد اعلان اختيار تبون رئيسا وكان من ضمن الذين شاركوا في هذه اللقاءات يوسف سحايري الذي عين في الحكومة) ويكفي ان نطرح السؤال عن سبب التكتم على هذه اللقاءات لنفهم النوايا الحقيقية من هذا الحوار المزعوم.
ثم إن تنصيب السلطة لنفسها كحكم في هذا الحوار انطلاقا من الأمر الواقع المفروض بالقوة يجعل هذا الحوار جزء من خطة السلطة لفرض إرادتها وانتزاع الاعتراف بشرعيتها وشرعية خياراتها المستقبلية.
هذا يجرنا إلى الاجابة على السؤال الثاني والمتعلق بالهدف من الحوار وهنا نلاحظ التباين بين مطلب التغيير الذي يرفعه الجزائريون منذ 22 فيغري وهدف السلطة الأساسي المتمثل في إنهاء الثورة السلمية بوقف المظاهرات نهائيا، ولمن يبحث عن أدلة على رفض السلطة للتغيير يمكن إحالته على طريقة فرض الانتخابات، والاستمرار في استعمال المعتقلين كورقة سياسية، والاستمرار في غلق المجال السياسي والاعلامي مع العلم ان التظاهر ما يزال محظورا وان هناك جزائريين يمنعون من تنظيم مسيرات الجمعة لأن عددهم قليل ويسهل قمعهم.
بقي أن أقول رأيا شخصيا في مسألة إنشاء الأحزاب في الظرف الحالي وخلاصة هذا الرأي أن ممارسة السياسة في ظل نظام سلطوي يقمع الحريات أمر مستحيل، كما أن استمرار أسلوب الشرطة السياسية في اختراق التنظيمات وتوجيهها سيفرز في النهاية واجهة تعددية مزيفة كتلك التي فرضتها السلطة خلال 28 سنة الماضية والنتائج نعرفها اليوم.
من هنا اقول أن قناعتي العميقة هي أن الأولوية تبقى لكسب معركة الحرية التي يخوضها الجزائريون منذ 11 شهرا دون توقف، وتحرير المجتمع هو الذي سيحرر الاعلام والمجال السياسي ويعيد للجزائريين الفضاء العام، ويحرر المبادرات وينضج الحلول.

 

* ما العمل؟

أفضل الخيارات في رأيي هو التنظيم الذاتي الذي يعني التنظيم على المستوى القاعدي على الأسس التي يراها المواطنون مناسبة وتوسيع القاعدة من خلال الاتصال بدوائر أوسع، والسعي الى انشاء تنظيمات جديدة منسجمة مع مطلب التغيير، وهذا يسمح بتحرير مزيد من المساحات في مختلف الميادين مثل الجامعة وقطاعات أخرى، وكل هذا يجب أن يتم بالموازاة مع استمرار التظاهر السلمي الذي يبقى الوسيلة الوحيدة لمنع النظام من إجهاض مطلب التغيير.

شوهد المقال 435 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً
image

عثمان لحياني ـ سبعة أشهر ..كلام لا بد منه ..الإعلام في الجزائر

عثمان لحياني  في 23 فبراير الماضي صدر بيان لمجلس الوزراء تَضَمن " تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بتسوية الوضعية القانونية للقنوات المستقلة حتى تتكيف مع قانون السمعي
image

الجنرال عبد العزيز مجاهد ّ مديرا للمعهد العالي للدراسات الاستراتجية الشاملة " خبر صادم

عثمان سابق  عبد العزيز مجاهد مديراً عاماً للمعهد العالي للدراسات الإستراتيجية الشاملة.. اللهم لا حسد.. لكن بصراحة الخبر "صادم".. أن يكونَ مستشارا أمنياً قد
image

عبد الجليل بن سليم ـ سلطة الحراك بين Stanley Milgram و Miguel Benasayag

 د. عبد الجليل بن سليم  بعد مرور القوة التي عملها النظام و تعيينه للرئيس بعد إنتخابات 12/12, الحراك (هنا أتكلم على الحراك كسلوك و ليس
image

العربي فرحاتي ـ فلسطين المشكلة ...وكيف تواجهنا

 د. العربي فرحاتي  تواجه إسرائيل كعصابة مغتصبة للحقوق الفلسطينية منذ أن ورطها الانجليز فيها واستوطنوها في أرض غير أرضها. بموجب وعد بلفور؛ مشكلتها مع المقاومة
image

نجيب بلحيمر ـ الواقعية بعين مهزوم

نجيب بلحيمر  مع كل قرار ظالم، مع كل خطوة تخطوها السلطة على الطريق الخطأ يخرج علينا العقلانيون والواقعيون بمحاكمات لا تقل قساوة عن تلك التي
image

ناصر جابي ـ الدستور الجزائري: العيوب والتحديات القديمة نفسها

د. ناصر جابي  لم يكن الجزائريون محظوظون مع دساتيرهم منذ الاستقلال، لا في طريقة إعدادها ولا في التحديات التي تصادفها كوثيقة أساسية، يفترض فيها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats