الرئيسية | أعمدة الوطن | نوري دريس ـ مكاسب الموجة الأولى للحراك ورهاناته المستقبلية

نوري دريس ـ مكاسب الموجة الأولى للحراك ورهاناته المستقبلية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. نوري دريس 

 

 

اتضح الآن ان الموجة الأولى للحراك( هذه الموجة تحديدا) لم تكن قادرة على فرض رئيس جديد من خارج السلطة. 
لا الحراك يمتلك الوسائل الكافية لتحقيق ذلك, و لا السلطة ايضا تمتلك حدا ادنى من العقلانية ( وربما من الغباء) للقبول بانتخابات شفافة منذ البداية.

 

حتى شفافية الانتخابات تحتاج الى وقت طويل لتحقيقيها, لأنها ليست تحصيل لارادة فردية وجماعية , بقدر ما هي نتاج توفر أدوات قانونية, اعلامية لتقييد السلطة التنفيذية ومراقبة و تحييد السلطة البيروقراطية...

انتهت الموجة الأولى من الحراك بتحقيق نتائج ضخمة اهمها وقف انهيار الدولة باسقاط العهدة الخامسة, و تحطيم الموقف الاخلاقي للسلطة القائمة التي أجبرها الحراك على الاعتراف انها كانت تشتغل بمنطق العصابة, وهذا الاعتراف في حد ذاته, الذي لايهم عدد الاشخاص الذين سيسجنون بسببه بقدر ما يهم عدم قدرة السلطة مجددا على الاستمرار بمنطق العصابة ولو شكليا شكلانيا في الظرف الحالي.

كسب الحراك المعركة الأخلاقية و الوطنية, وفرض نفسه كموضوع اساسي في خطاب وبرنامج الرئيس الجديد. و اي تكن النوايا من مغازلة الحراك و التودد له و تبني مطالبه( على مستوى الخطاب) , فإنه اصبح مرجعية اخلاقية ولحظة تاريخية مرجعية لخطاب و برنامج الرئيس نفسه.

حين وصل بوتفليقة الى السلطة في سنة 1999, كان المجتمع مفككا, منهارا ومقهورا بحرب دموية جعلت من التوق الى الأمن اكثر ما يتمناه الجزائري...فهم بوتفليقة هذا جيدا و بنى برنامجه السياسي واستراتيجته للتفرد بالحكم على هذه الحالة النفسية للفرد والاجتماعية للمجتمع.

سيكولوجية الفرد الجزائري الذي خرج من حرب اهلية وسوسولوجية المجتمع الذي تفكك وتقطعت روابطه كانت كلها ارضية ملائمة لانتاج نظام تسلطي يقوم على عبادة الشخص الواحد تماما مثلما حدث بعد الاستقلال مباشرة, حينما استغل بومدين ظروف ما بعد ثورة التحرير لبناء نظام سمولي شعبوي...

اما تبون الذي وصل الى رئاسة الجمهورية على خلفية ثورة شعبية ضد نظام فقد كل مشروعيته وشرعيته واخلاقه السياسية, فإنه امام مجتمع تجاوز تروماتيزم الحرب الأهلية, ولفظ الشرعية الثورية... مجتمع لا يطالب بالحد الأدنى من الأمن مقابل الولاء السياسي, بل يطالب بالحرية والعدالة الاجتماعية ويعرف تماما السبل التي تؤدي الى تحقيق ذلك وعبر عنها بشكل جماعي واضح: دولة القانون التي تقوم على الفصل بين السلطات, حرية التعبير, حرية التجمهر, حرية المبادرة الاقتصادية, التداول السلمي على السلطة, تحييد ثوابت الهوية الوطنية عن التنافس والصراع السياسي.

لايهم شخص تبون, بقدر ما يهم السياق الاجتماعي والسيكولوجي الذي سوف يمارس فيه السلطة. ويعكس خطابه وبرنامجه بشكل واضح جدا وعيه بهذا السياق: سياق ثوري حراكي , حيث مجتمع لم تعد تنطوي عليه الخطابات الجوفاء ولا المناورات...

 

وظيفة وهدف الحراك السلمي ليس اخذ السلطة وممارستها منذ الموجة الأولى, لان الحراك ليس حزبا سياسيا ولا هو متجانس ايديولوجيا. والجزائريون من خلال عدم تحمسهم لفكرة المرحلة الانتقالية والمجلس التأسيسيسي يعكس وعيهم( غير المعلن) بالدور والوظيفة التي يجب ان يلعبها الحراك, وبحدود قدرته على تغيير السلطة وبالطريق الأمثل لتحقيق هذا التغيير. 
لا يثق الجزائريون في السلطة القائمة, و لكنهم ايضا لا يثقون في اية سلطة أخرى تأخذ الحكم دون انتخابات شفافة ونزيهة, هذا تو سبب عدم تحمس الكثير لفكرة مرحلة انتقالية...

 

وظيفة ومهمة الحراك هي الدفع بالسلطة للانسحاب تدريجيا من مساحات وفضاء المجتمع المدني التي احتلتها بشكل غير قانوني وبشكل يهدد المجتمع من كافة النواحي...

يدرك المجتمع ان استعادة فضاءاته تدريجيا( الاعلام, الشارع, الاقتصاد, الجامعة, ...) هي التي تمكنه من اعادة بناء الحقل السياسي وبناء قوى اجتماعية قادرة على تقييد السلطة السياسية, و تحرير الفرد والمجتمع من قبضة الجهاز البيروقراطي للسلطة ومن هيمنة ادواتها الدعائية..

في الحالة الجزائرية, يبدو ان المجتمع ادرك ان التحول الديمقراطي يعني دمقرطة السلطة القائمة تدريجيا وليس اسقاطها او احتى استبدالها دفعة واحدة...

ان استبدال السلطة القائمة دفعة واحدة, عبر مجلس تأسيسي او مرحلة انتقالية قبل ان تتوفر للمجتمع مساحات كافية لاعادة تشكيل الفعل السياسي قد يكون دون جدوى بسبب امكانية تحول نفس السلطة الجديدة الى سلطة مستبدة...

لا ثقة في السلطة مهما كان الاشخاص الذين يمثلونها او يسيرونها, و المسألة بالنسبة للجزائريين لم تعد مسألة استبدال اشخاص بأشخاص آخرين. بل هي ضرورة الدفع بالسلطة , مهما كان شكلها ومهما كان الشخص الذي تتجسد فيه, للانسحاب الى ما وراء الحدود التي رسمها لها القانون والتاريخ, ثم تقييدها مؤسساتيا و مراقبتها اجتماعيا...

شوهد المقال 509 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats