الرئيسية | أعمدة الوطن | سعيد لوصيف ـ بصراحة وبكل هدوء: لا يمكن لانتخابات 12 ديسمبر أن تكون حلاّ لأفق جديد...

سعيد لوصيف ـ بصراحة وبكل هدوء: لا يمكن لانتخابات 12 ديسمبر أن تكون حلاّ لأفق جديد...

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.سعيد لوصيف

 

للوهلة الأولى تبدو الانتخابات التي تقرر أحاديا إجراءها أنّها إجابة صحيحة لسؤال صحيح (الأزمة السياسية و أزمة شرعية الحكم) . و الحقيقة المرّة المغيّبة أو غير المعلنة على الأقل وللأسف، هي أنّها إجابة تبدو صحيحة ظاهريا في شكلها و مبدأها، لسؤال خاطئ أصلا (الأزمة هي أزمة سلطة) وتشخيص يفتقد للمنظور النسقي في بلورة أبعاد الأزمة. و قد سبق وأن ذكرت في كتابات سابقة على هذا الفضاء أو في فضاءات أخرى أنّ الخطر بالنسبة لفرد أو مجتمع أو دولة، ليس في طرح أسئلة جيّدة وصحيحة و الوصول بعدها إلى إجابات خاطئة (أو حتى حالة تعذّر الوصول إلى إجابات أصلا لحدود موضوعية ترتبط بالنضج السياسي، أو الفكري أو الزمني أو غيرها )، فهذه حالات معقولة ومحتملة ؛ و إنّما يكون الخطر عندما نطرح أسئلة خاطئة، وبعدها نصل إلى إجابات نعتقد جهلا أو غباء أو نتيجة تعنت نرجسي أو مغالطة سياسوية ... الخ ، أنّها إجابات صحيحة موضوعية (بالمفهوم الفلسفي) لا يمكن دحضها.

إنّ الانتخابات في المجتمعات الحديثة ليست مجرّد "ميكانيزم واجهة" لديمقراطية مزيّفة، بل هي تحمل بدائل سياسية وتسهم في تفعيل أوتوبيا اجتماعية سياسية (الشعب يريد الاستقلال / جزائر حرة ديمقراطية / دولة مدنية ماشي عسكرية / الشعب هو البوفوار.... وغيرها من الشعارات الدالة والتي تحمل مدلولا سياسيا بامتياز) يريد بعض الممتهنين في الشعوذة "الفكرية" من "متعلّمي المقابرة" ، و خبراء "علم التبلعيط السياسوي" عبر بلاطوهات البروباغندا ، إيهام أنفسهم و إيهامنا بأنّه انتهى زمانها و ولّت مع "نهاية التاريخ" و العولمة، تجعل(الأوتوبيا) الأفراد يندمجون سلميا ضمن ديناميكية تغيير سياسي منشود، وتمكّنهم من الممارسة الفعلية لحقهم في المواطنة ، و بالأخص في تحديد التمثيل الشعبي وشروط ممارسة الحكم وشرعيته.

ومهما يكن، فإنّ من أولويات دمقرطة النظام السياسي، تظهر ضرورة توفير ظروف وشروط ممارسة الحق في المواطنة و الاختيار الحر، وهي الفكرة التي عبّر عنها Castoriadis بقوله : " يكون بإمكاني القول بأنّني حرّ في مجتمع لديه قوانين إذا أتيحت لي الفرصة الفعلية (وليس فقط حبرا على ورق) للمشاركة في مناقشة ومداولة وسنّ هذه القوانين". و عليه، فقبل أن تكون الانتخابات إجراء نظاميا وتنظيميا – كما سبق ذكره – فهي بالأساس فعل وتجسيد سياسي لممارسة الحق في المواطنة. كما يتعيّن أن يكون من أهم دعائمها و أولى شروطها، أن تحمل في طيّاتها تلك البدائل الفكرية والسياسية و الآفاق لتغيير سلمي متوازن (تغيير النظام و شروط ممارسة الحكم ومصدر شرعيته في الحالة الجزائرية).

 

إنّ تعنّت السلطة الفعلية على إجراء هذه الانتخابات في ظلّ المتغيّرات و الأوضاع الحالية، و في ظلّ غياب تام لمعالم توافق سياسي واضح و مقبول بين السلطة الفعلية والفاعلين (جماعات و أفراد) من المجتمع (والفعاليات واضحة للملاحظ للشأن السياسي وللمسيرات في الشارع الجزائري منذ تسعة أشهر)، إنّما هو سلوك "سادوي" من شأنه أن يزيد في تفاقم الأزمة و يثقل أكثر فأكثر كاهل مجتمع أنهكته ويلات عشرية "جنون العاطفة"، وأرهقته مغامرات "سماسرة الحرب" ، و أهدرت طاقاته عشريتين من نظام جعل من الفساد و الجهوية المقيتة و الولاء ... إلخ ، آليات للتعامل والترقية الاجتماعية.
إنّ الذي يخيف اليوم رموز النظام القائم ، ليس الاحتجاجات أو المظاهرات أو المسيرات في حدّ ذاتها، و إنّما الذي يخيفها (ولهذا مسيرات الفاتح من نوفمبر تبقى محورية ومفصلية في صراع الإرادات) هو رمزيتها ودلالاتها السياسية ، بحيث أنتجت هذه الديناميكية وعيا ثوريا وتوافقا مجتمعيا سلميا (يمكن لكلّ ملاحظ أن يلمسه بموضوعية في كل مسيرات الجمعات المتتالية) متجذرّ، يمنح لكل الجزائريين القدرة على تغيير مجرى الأمور و القدرة على تجاوز الانسداد و الركود السياسيين ؛ وبالتالي قدرتهم على إنتاج ظروف وجودهم السياسي و مأسسته. وقد علّمنا التاريخ الاجتماعي والسياسي للأمم الحديثة، أنه لا وجود لتاريخانية لمجتمع ما من دون حركة اجتماعية سياسية سلمية قادرة على فرضها والإعلان عن ميلادها.

 

إنّه يتعيّن على السلطة الفعلية اليوم قبل فوات الأوان أنّ تدرك بما لا يدع للشك أنّ الخطر ليس في الحلّ السياسي بل الخطر في غيابه ورفضه تعنتا و إنكارا للواقع المجتمعي الذي أظهرت المعطيات السوسيولوجية أنّ المجتمع تحوّل أوبعبارة أدق يطمح للتحوّل ويرسم الجزائريات و الجزائريين أطواره يوما بعد يوم. وعليه، يكون من الضروري أن يفهم الجميع أنّ الخطر هو في شلل الإرادات، وتفشي الدعارة السياسية و وهم إعادة إنتاج النظام ؛ كما ينبغي علينا أن نفهم جميعا أيضا ، أن صمّام الأمان والنجاة نجده في التأسيس لنظام يثمن العقل الناقد و الفرد الحرّ المستقل.

وبالفعل، فإنّ تحرّر الجزائريات والجزائريين بهذا المعنى هو من يزيد في صعوبة ظهور أي شكل من أشكال الهيمنة أو التوتاليتارية ؛ ذلك لأنّ الشخص التوتاليتاري يختار على العموم أفرادا طيّعين تسكنهم الهشاشة، و بالتالي هم أفراد يمتازون بالرداءة؛ فالتوتاليتاري لا يمكن له أن يقبل الإقرار بأنّ أولئك الذين يملكون الشجاعة الفكرية للاعتراض على سلطته هم أكثر "كفاءة" منه.

شوهد المقال 608 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وفاة الأديب العماني مبارك العامري ..رحمه الله

الموت هو مرحلة الواقع الوحيد الذي لايتغير في هذه الحياةوهو يوم موالي لما بعده...لكن من أثره باقي وفعله قائم "لايموت"مرهق ومؤلم جداً هذا الخبر ومع
image

رضوان بوجمعة ـ ذهب بوتفليقة و بقي النظام الذي فرضه...

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 174   يمر اليوم عام كامل على تنحي عيد العزيز بوتفليقة من رئاسة الجزائر بعد 20سنة من ممارسة الحكم،
image

عثمان لحياني ـ مراجعات الضرورة ..الصحافة والثرثرة

عثمان لحياني  وجدت نفسي أسأل مجرد سؤال ، كم حظي بونجمة وولد عباس مثلا من مقابلة في القنوات والصحف وبكم حظي عالم النازا نور الدين
image

العربي فرحاتي ـ في هذه الذكرى ..كم كنا سنكون سعداء ؟؟

د. العربي فرحاتي   نحن اليوم على مسافة سنة كاملة من فرض تطبيق المادة ١٠٢ من الدستور على الشعب والالتفاف على مشروع الحراك وتحريفه عن
image

عثمان لحياني ـ من ثقب ابرة .. بوتفليقة

 عثمان لحياني اختار بوتفليقة لنفسه هذه النهاية غير موفقة سياسيا برغم تاريخ حافل ، بعدما أرسى على مدار 20 سنة تقاليد حكم هي خليط سياسي
image

السعدي ناصر الدين ـ فكرت..ترددت..ثم قررت ان أقول : المحاكمات الجائرة للأحرار

 السعدي ناصر الدين  كانت الجمعة 56 المصادفة لـ13مارس2020 فرصة كبيرة لتوسيع وتعميق النقاش الذي بدأ في اوساط الثورة السلمية قبل ايام لوقف المسيرات من اجل
image

رضوان بوجمعة ـ الحجر الصحي و العطب السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 173. خرج عبد المجيد تبون رئيس الدولة مرة أخرى في قصر المرادية وهو يستقبل من اختارهم ممن يحاورونه، وقد
image

لخضر بن شيبة ـ الحراك الجزائري في زمن كورونا

لخضر بن شيبة   تعليق التظاهر خدمة للجميع… بسبب التهديدات المرتبطة بوباء فيروس كورونا، كان يوم 20 مارس / آذار 2020 أول جمعة بدون مسيرات شعبية
image

سليم بن خدة ـ ثمة ما يدفع إلى نوع من التفاؤل...العدد في تصاعد في الجزائر لكن لا داعي للذعر والتهويل

 د . سليم بن خدة  العدد في تصاعد، هذا كان منتظرا، لكن لا داعي للذعر والتهويل، و لا يعني أننا نهون من الأمر، فعلى عموم
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats