الرئيسية | أعمدة الوطن | نجيب بلحيمر ـ معركة القضاء ووهم التحكم

نجيب بلحيمر ـ معركة القضاء ووهم التحكم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

نجيب بلحيمر 

 

 

فتح القضاة جرحا عميقا في جسد نظام متهالك عندما أعلنوا قرارهم بالإضراب رفضا لقرارات الوزير الذي أقر حركة في السلك مست قرابة ثلاثة آلاف قاض. لم يكتف المجلس الوطني للنقابة الوطنية للقضاة بالإضراب بل أصدر بيانا ضرب الخطاب الرسمي في مقتل عندما قال إن الجهاز التنفيذي يهيمن على كل دواليب السلطة في الجزائر، وهذا حكم ثقيل جدا يعيدنا إلى نقطة البداية.
منذ أشهر تتحجج السلطة الفعلية بما تسميه "تحرر العدالة"، ويفاخر أنصارها بالقول إن سجن جنرالات كانوا رموزا للطغيان مثل توفيق وطرطاق، ورؤساء حكومات، ووزراء، وأثرياء من الذين استباحوا المال العام، هو إنجاز تاريخي للقضاء الذي نال استقلاليته هدية من السلطة الفعلية، أما قرارات سجن شباب الثورة السلمية، والمناضلين السياسيين، بسبب آرائهم ومواقفهم، فهي مجرد تفاصيل يمكن التغاضي عنها كمقابل للهدية الكبيرة. لكن في لحظة سقط بيان نقابة القضاة ليطيح بهذا الوهم الكبير، ويرسم صورة قاتمة لوزير يقرر أن يحدث حركة تغيير تمس عددا كبيرا من القضاة في عملية يقول البيان إنها استغرقت ساعة من الزمن، وتمت بالتعدي على صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء.
كما كان متوقعا رد بيان صادر عن وزارة العدل على القضاة، وذكر بأن المنتسبين لهذا السلك لا يحق لهم الإضراب، وأن كل ما تم إقراره جاء في إطار القانون، غير أن الجرح وجد من ينكأه مرة أخرى، فأصدر المجلس الأعلى للقضاء بيانا يدعم ما ذهبت إليه النقابة، ويقف إلى جانب القضاة في موقف أثار دهشة الجزائريين الذين يتابعون تفاصيل معركة لم يحيطوا بدوافعها الحقيقية ومن يمسك بخيوطها، لكنهم فهموا جيدا أن قصة استقلالية القضاء التي ضربتها قرارات إيداع المتظاهرين والمناضلين في السجون في الصميم، صارت الآن مجرد نكتة بعد أن شهد أهل الدار، وهي ليست المرة الأولى، بأن السلطة التنفيذية تهيمن على كل شيء، وأنها هي من تفسر القانون بما يخدمها، وتطبقه بما تمليه الخيارات السياسية للسلطة.
نحن الآن أمام نظام محاصر تماما، نظام صار عاجزا عن استخدام أساليبه القديمة، ويفقد السيطرة على شبكاته التقليدية، ويأتيه التمرد من كل جانب، متظاهرون يسيرون في معظم مدن البلاد بانتظام منذ أكثر من ثمانية أشهر، ونقابات تدعو إلى إضرابات شاملة، وانتخابات تسير على طريق التحول إلى مهزلة بمرشحين يمثلون هزال نظام عاجز عن تجنيد وجوه جديدة مقبولة لتمثيله، وكل هذا والمجتمع كله يستعد لمسيرات تاريخية بمناسبة ذكرى ثورة التحرير، مناسبة يريدها الجزائريون إعلانا بميلاد جزائر جديدة على أنقاض نظام يهدد بتفكيك المجتمع وتدمير وحدة البلاد.
الآن يعود وزير العدل إلى الدعوة إلى التحلي بالحكمة، ويذكر القضاة باللجوء إلى الطعن، لكن الزلزال الذي حدث أتى على أسس الخطاب الرسمي، وما يقوله القضاة اليوم يمنح الجزائريين سببا آخر للتمسك بهذه الفرصة التاريخية، ولأنهم لا يملكون وسائل إعلام تحمل أصواتهم فقد تابعوا هذه المواجهة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وذكروا بالمواقف السابقة للقضاة الذين خضعوا للضغط وتحولوا إلى جزء من أدوات الحرب على الثورة السلمية، ومع ذلك فإن الرأي الغالب كان وجوب تشجيع القضاة على خوض هذه المعركة التاريخية من أجل استقلال القضاء، وبدعم من شعب مصمم على كسب معركة الحرية وإطلاق عملية بناء دولة الحق والقانون.
جاءت هذه الحلقة من مسلسل تآكل النظام من الداخل والجزائريون لم ينسوا حديث بن صالح أمام بوتين، والمفارقة أن من أصبح رئيسا للدولة بفضل الإصرار على "الخيار الدستوري" تحدث عن الوضع المتحكم فيه وبعدها بيومين ظهر أن النظام لا يتحكم في شيء، وأن وهم القوة الذي يتجلى في خطاب رسمي منفصل عن الواقع، يتبخر يوميا أمام إصرار الجزائريين على إنهاء هذا الوضع البائس.
ما يجري اليوم درس مفيد لمن يمسكون بالسلطة، إنه يخبرهم بأن الفرصة ما تزال قائمة من أجل خروج آمن، ففقدان السيطرة قد يفتح الباب على خيارات سيئة لكنه علامة على أن نهاية النظام باتت حقيقة فوق كل شك.

 

شوهد المقال 167 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ الانتخابات المستحيلة وإعادة اختراع "الشعب"

نجيب بلحيمر   ثلاثة أيام من الحملة الانتخابية كانت شاقة وطويلة على المرشحين الخمسة. كل المؤشرات تقول بأن المخاطرة لم تحسب جيدا من طرف السلطة الفعلية،
image

العربي فرحاتي ـ حتى يخرس الخراصون ..انعدام معايير الإنتخاب في الجزائر

د. العربي فرحاتي  ما أجملها من قيمة إنسانية حين نجعل "من الحبة قبة " في مثل حدث المرأة التي إعتدي عليها بالملاسنة..ما أجمل أن
image

محمد هناد ـ أصل الداء ..قيادة العسكر باسم الشعب

د. محمد هناد  إصرار القيادة العليا للقوات المسلحة على المضي، بسرعة، بالانتخابات رغم المعارضة الشعبية الواسعة لها لأسباب لا تحتاج إلى توضيح، يدل على أن
image

نوري دريس ـ برنامج مرشحو هواة التعيين

د.نوري دريس   حتى بوتفليقة في حملته الانتخابية الاولى , كان يقول انه سيحارب الفساد و يسترد الأموال المنهوبة...و حصيلة رئاسته باتت معروفة, و اللخزي الذي لحقه
image

فارس كمال نظمي ـ الثورة ... بين النقصان والاكتمال..!

 د.فارس كمال نظمي  يقول فكتور هوجو: ((الثورة فيضُ غيظ الحقيقة))، لكن الحقيقة لا تتحول إلى ملموس واقعي متحقق على الأرض دون إطار سياسي ذي حدٍ
image

مصطفى قطبي ـ تصعيد الاقتحامات والانتهاكات للحرم القدسي... هل هو تحضير لمخطط تهويد الأقصى وإعادة بناء الهيكل المزعوم...

مصطفى قطبي* ما يجري من عدوان يومي ممنهج بحق المسجد الأقصى من قبل شرطة الاحتلال ومستوطنيه تخطى كل عدوان سابق وكل ما يمكن تخيله منذ
image

نجيب بلحيمر ـ تبون.. الإثارة ومخرج النجاة

نجيب بلحيمر   هل للجيش مرشح في انتخابات 12 ديسمبر؟ رئيس الأركان أجاب قبل طرح السؤال بأن الجيش لن يكون له مرشح، وبالأمس فقط قال
image

أحمد سعداوي ـ انتفاضة تشرين العراقية

 أحمد سعداوي    قد لا يبدو من الواقعي القول أن انتفاضة تشرين انطلقت منذ البداية بوعيٍ حاضر للاعتراض على النفوذ الإيراني، أو أن الكثير من
image

رضوان بوجمعة ـ انتخابات في الجزائر تحت ضغط الاعتقالات والمظاهرات (1)

د. رضوان بوجمعة  تبدأ اليوم الحملة الانتخابية للرئاسة الجزائرية التي عُيّن لها موعد 12 كانون الأول/ ديسمبر. فمن يكون هؤلاء الخمسة الذين أعلنوا ترشحهم وما

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats