الرئيسية | أعمدة الوطن | وليد عبد الحي ـ تونس بين مترشح بلا هوية آيديولوجية وسجين ينتظر القرار

وليد عبد الحي ـ تونس بين مترشح بلا هوية آيديولوجية وسجين ينتظر القرار

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


أ.د. وليد عبد الحي

 

 

تقف تونس في المقاييس الدولية الاقرب للموضوعية على رأس الدول العربية في مجال الديمقراطية ، ففي عام 2018 احتلت المرتبة الأولى عربيا، وال63 دوليا وبمعدل 6.41 نقطة من عشرة، كما ان تونس تقع ضمن اقليم فرعي عربي هو المغرب العربي، وهو اقليم عند مقارنته بالجناح الآخر " المشرق العربي" نتلمس قدرا من الفارق في مستوى الاستبداد، فالمشرق العربي ينتمي في معظمه للاستبداد " الخشن"، بينما المغرب العربي أقرب للاستبداد " الناعم" نوعا ما ، ويبدو ان تصنيف الجابري للمغرب العربي بانه " تراث ابن رشد" والمشرق العربي تراث " الغزالي " يستحق التأمل رغم ان الأمر ليس على اطلاقه.
من جانب آخر، فان دور المؤسسة العسكرية في السياسة التونسية يكاد ان يكون هو الأقل بين الدول العربية، ورغم الدور الذي لعبته هذه المؤسسة في الضغط على بن علي لمغادرة كرسي السلطة، لكن حجم هذا الدور لا يتوازى مع دور المؤسسات العسكرية العربية الأخرى لا سيما في الدول العربية المركزية.
وثمة بعد آخر هو حجم وبنية الطبقة الوسطى في المجتمع التونسي، فهي من بين الدول العربية الاعلى في نسب التعليم والأكبر حجما في الطبقة الوسطى، وهو ما يؤهلها طبقا لفرضيات علم الاجتماع السياسي لتحولات تسبق غيرها من المجتمعات العربية الثاوية في القرون الوسطى.
ان تحليل النتائج الأولية للانتخابات الرئاسية في تونس ، في ضوء الخلفية السابقة ، تستوجب التنبه لما يلي:
1- ان نسب المرشحين الثلاثة الاقوى ( قيس سعيد، ونبيل القروي، وعبد الفتاح مورو) مجتمعة لم تبلغ ال 50%، ( ١٩-١٥-١٣ على التوالي)، وهو ما يعني ضعف القوى الشعبية للفائز في الجولة الثانية، بخاصة إذا وضعنا في الاعتبار نسبية حجم المشاركة في الانتخابات، فالفائز الأول ( قيس سعيد) فاز بحوالي 19 % من مشاركة أقل من نصف من لهم حق الانتخاب.
2- ان أيا من المترشحين لا ينتمي للمؤسسة العسكرية، بل يبدو أن ايا منهم ليس على صلة بهذه المؤسسة، وهو أمر يعزز " عزلة نسبية" لهذه المؤسسة عن صنع القرار الاستراتيجي للدولة، مع الأخذ في الاعتبار ان تونس لم يحكمها عسكري منذ استقلالها.
3- من الضروري التنبه الى ان صلاحيات رئيس الجمهورية في الدستور التونسي(الفصل 72- الفصل 88) هي صلاحيات تقيدها ضرورات التشاور مع رئيس الوزراء ومع البرلمان، وهو ما يعني أنها ليست مطلقة.
4- مكانة الدين في الانتخابات: تمثل النسبة التي حصلت عليها حركة النهضة حوالي 11-12%، مؤشرا يقرع الجرس لكل الاحزاب الدينية في الدول العربية( وهو ما نبهت له في دراسات سابقة لي منذ اكثر من 25 سنة) ، غير ان بعض التلميحات عن صلة "ما" بين قيس سعيد (الفائز الاعلى اصواتا) وبين حزب التحرير الاسلامي تستوجب بعض الحذر في الاستنتاج السابق، ورغم استهجان قيس سعيد هذا الربط بينة وبين رضا بلحاج الناطق السابق باسم حزب التحرير الاسلامي، فان بعض مواقفه يتكئ عليها البعض لدعم هذه الحجة مثل موقفه الرافض المساواة بين الرجل والمرأة في الإرث، واقتباساته الكثيرة من التراث بل ولغته المقعرة، لكن مدير حملته الانتخابية " رضا شهاب المكي" من اصول يسارية ، فهو من مؤسسي حزب الوطنيين الديمقراطيين (الذي كان يقوده شكري بلعيد)، وهو ما يعني ان الرجل ليس منغلقا على أي تيار، كما ان خلفيته الأكاديمية وبخاصة تخصصه في القانون الدستوري والقانون الدولي يجعله منحازا للقوانين أكثر من انحيازه لآيديولوجيات معينة، بل ان رفضه معونة الدولة للمترشحين ورفضه قبول أي مساعدة من أيه جهة مؤشر على عدم دقة ما يريد خصومه لصقه به.
5- ان يفوز في المرتبة الثانية مترشح مسجون(نبيل القروي) بتهم مالية وتبييض أموال هو أمر يستحق التأمل، فطالما ان القضاء لم يصدر حكمه في الموضوع فالمتهم برئ حتى تثبت ادانته، وهي نقطة لصالح المسار الديمقراطي في تونس.
6- عند العودة للبرامج الانتخابية للمترشحين يتبين الطغيان شبه التام للقضايا الداخلية على القضايا الخارجية، فالقضايا العربية في الخليج او العلاقة مع ايران او الموقف من فلسطين او سياسات الدول الكبرى في المنطقة ...الخ تكاد ان تكون مختفية، وتبدو قضايا المغرب العربي أكثر وضوحا من قضايا المشرق ، ويبدو ان تونس ستكون معنية أولا –اذا فاز قيس سعيد- بترتيب علاقاتها المغاربية أولا لكنها قد تواجه بعض التوتر مع فرنسا بشكل اولي.
7- ان فوز قيس سعيد في المرحلة الثانية للوصول الى قصر قرطاج يطرح اشكالية محددة وهي علاقاته بالبرلمان الذي سيتالف من قوى حزبية ، بينما ليس للرئيس كتلة حزبية تسانده داخل البرلمان، وهو ما يعني أنه سيكون متحررا من قيود أي حزب من ناحية ، ولكنه قد يفشل في تمرير بعض سياساته التي تستوجب موافقة اغلبية البرلمان نتيجة نفس السبب من ناحية ثانية.
لكن كل ما سبق لا يجب ان يحجب احتمالات " المفاجأة" من هنا او هناك، ففي مجتمعات ايقاع الفوضى فيها أقوى من ايقاع " الانتظام" يكون احتمالات المفاجأ اكبر، رغم ان تونس هي الافضل بين الدول العربية في ايقاع الانتظام، فمثلا ماذا لو حكم القضاء على نبيل القروي بالادانة..يبقى قيس سعيد قريبا من الفوز في ضوء نتائج الجولة الأولى ..وماذا لو تبرأ القروي وفاز..ان تونس بين مرشحين : احدهما لا تعرف هويته السياسية ,رغم وضوح هويته الثقافية، .وآخر مسجون ينتظر القرار ولا ندري أمذنب هو أم بريء؟...

 

شوهد المقال 809 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats