الرئيسية | أعمدة الوطن | سامي خليل ـ ماذا لو تصمت فرنسا .. و تفهم اننا لا نحتاجها.

سامي خليل ـ ماذا لو تصمت فرنسا .. و تفهم اننا لا نحتاجها.

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.سامي خليل

 

خطاب السفير الفرنسي كزافيي دريانكور أول أمس حظي بكل تاكيد بعناية خاصة لأن بناء النص ممتاز لغويا و من الصعب حتى بمقارنته بخطابات سابقة لسفراء فرنسا ان نجد نص بهذا القدر من الاحترافية و القوة. أكيد ان مجموعة من المختصين عكفت على تحضيره لما له من اهمية في هذه الظروف الصعبة التي تمر بها العلاقات الجزائرية الفرنسية و التي يمكن وضعها في خانة الازمة و الترقب و لن اتفاجا اذا اكتشفنا ان ماكرون و خلية الايليزي الاعلامية كانت لهم يد في هندسته.

المناسبة و ثقل التاريخ

فرنسا عادة ما تحمل ثورتها كوسام على صدرها و بالاضافة الى النبيذ و الجبن و افخاذ الضفادع و ميراثها الادبي و الثقافي و العلمي فهي من مفاخرها و من اهم صادراتها الفكرية. لكن هذه الثورة تحملها فرنسا ايضا كشاهد على تاريخها الاستعماري الاسود و تنكرها للقيم العليا لثورة 1789 من حرية و عدل و مساواة. محاولة دريانكور ايجاد خيوط رفيع بين الثورتين يعكس حالة التوحد التي تعاني منها فرنسا في مواجهة تاريخها و يقفز على حقيقة ان الثورة الجزائرية اندلعت لانهاء حالة استعمارية استعبادية استئصالية للقيم و للهوية كان من المفروض ان مثل الثورة الفرنسية تمنع حدوثها. تخصيص ثلاثة ارباع خطاب بمناسبة اليوم الوطني الفرنسي للحديث عن العلاقة الحميمية الهلامية بين الجزائر و فرنسا و برومانسية ثورية غريبة يعكس في رايي نوع من الاستجداء العاطفي اكثر منه خطاب واقعي يرتكز على ضرورة مواجهة الذات و الاعتراف بالجرائم النكراء التي ارتكبتها فرنسا و الصمت و الاستماع عوض الحديث الذي لا يجدي و لا يقدم و لا يؤخر.

كاتب ياسين و باب الشك

دريانكور بالاضافة لكونه سفيرا هو رجل مخابرات ممتاز و يعرف الجزائر حتى ماض قريب جيدا و لا يخفى على احد تبنيه لافكار المدرسة الاثنولوجية الفرنسية و رؤيتها غير الحيادية لمسألة التنوع الثقافي و مساندتها الحثيثة و العملية للأطروحات التفريقية و التراتبية و التفاضلية بين مكونات المجتمع الجزائري. استشهاده بكاتب تحديدا خيار سياسي و ليس ترفا وليد اللحظة و لا يخفى على احد ان من يريد مد جسور مع الجزائر لا يختار كاتبا لا يمثل اي توافق وطني و معروف بمواقفه المتطرفة تجاه قيم اغلبية المجتمع.تصور ان سفيرا جزائريا القى كلمة و استشهد فيها بكلام سيلين او برازياك. بالنسبة لي هذا خيار متعمد غير موفق تماما يعكس تعنتا ليس الا. ثم هل بقي شك حتى نقتحم بابه Quoique dise la vieille espérance/ Forçons les portes du doute ؟ قناعتنا الآن ثابتة و التاريخ معلق حتى يكتمل مشروع الاستقلال و اذا كانت هناك باب نقتحمها فهي باب الخداع التي سوقت من خلالها فكرة الاستقلال المشروط و لواحقها من عفن ايفيان الظاهر و الباطن. نحن في مشهد مختلف تماما عن تصورات دريانكور الذي يريد يختطفنا ذهنيا بين محطات التاريخ حتى يصل الى محطة الحراك الثوري.

الحراك ثورة..هكذا قرر الاليزي

اولا يجب ان نذكر سعادة السفير بأن العصابة التي انتفض الشعب الجزائري ضدها ماهي الا افراز لهرم سلطوي قمته في باريس و قاعدته في الجزائر و لا يوجد في المخيال الجمعي لدى كل حر شك ان العصابة و فرنسا وحدة واحدة و حلف وجودي كان وراء كل مآسي الجزائر منذ صائفة 62. يجب ان نذكره ثانية ان رؤساءه الذين تعاقبوا على الاليزي كانوا ناطقين رسميين بإسم العائلة الحاكمة بل ذهب احدهم الى حد اختطاف الرئيس المعزول بتواطئ اخيه لمدة 88 يوما و حجزه بداعي العلاج في مستشفى عسكري تحت اعين المخابرات الفرنسية. نذكره ثالثة بأن كل مراكز البحث الجدية و اجهزة الاستخبارات الكبرى تنبأت بهزات اجتماعية عنيفة سترافق مشروع العهدة الخامسة لذا فتظاهره بالمفاجأة غير مبرر في نظري الا من زاوية واحدة : رد فعل المؤسسة العسكرية غير المنتظر. بل اذهب الى ابعد من ذلك : فرنسا لها يد في الحراك و يد نشطة حتى من قبل ان يبدأ اذ كانت السيناريوهات معدة سلفا لمواجهة مختلف الاحتمالات و مرافقة اي هبة شعبية بما يخدم مصالحها و التأكد من بقاء رجالها و نسائها في اعلى المناصب و اكثرها حساسية و التأثير على خلافة بوتفليقة بكل قوة. تصعيد الحراك الى درجة الثورية(و لو ارفقت بوصف السلمية) في نظر باريس التي قال سفيرها انه لا يمكنه التكهن بمألاتها يبقي احتمال سقوطها في وحل العنف قائما و غياب اي دعوة للحل السياسي و للحوار عن الخطاب يزيد من التوجس تجاه موقف فرنسا من الحراك. ان غض البصر عن نشاطات السياسيين و الاعلاميين الذين جعلوا من العاصمة الفرنسية مقرهم العام لادارة الحراك ليس مريبا انما هو دليل آخر على تهافت خطاب السفير في شقه المهادن.

مرسيليا على بعد 800 كيلومتر من الجزائر

لا أدري اذا كان احداثيات جغرافية بريئة للتعبير عن قرب البلدين ام تهديد عسكري بان الجزائر في متناول فرنسا لكن لنفترض للحظة انه صادق في دعوته لتمتين العلاقات و الاستفادة من التاريخ و الروابط بين الشعبين. ما هي الخكوات العملية التي تقوم بها فرنسا لتذليل العقبات ؟ لا شيء. التأشيرات بالتقطير و بالتفضيل الجهوي ، التبادل الاقتصادي في اتجاه واحد نهبا و تحويلا للاموال المسروقة، التعنت المرضي في لعب دور العراب الدولي لعلاقات الجزائر حسب نموذج متهافت موروث من ازمنة خلت لم يعد لها ذكرا، التمسك الهستيري بهيمنة اللغة الفرنسية و الخ... قد تكون مارسيليا قريبة لكن القرب و البعد يقاس في العلاقات الدولية بمدى الاحترام و الاستعداد لتحمل المسؤولية و ليس بعدد الكيلومترات. فمثلا الصين التي تبعدنا عنها الالاف من الاميال اقرب الينا من فرنسا دون ادنى شك.

ايفيان من جديد...

الفكرة التي اثارت حفيظة الكثير في خطاب السفير لا تختلف كثيرا عن ادبيات الاستقلال المشروط بالتعاون مع فرنسا. دريانكور دافع باستماتة عن مكانة الفرنسية و عزم بلده على فعل اي شيء و كل شيء للابقاء عليها. دفاع يكاد يكون جنونيا بالمعايير الدبلوماسية و بضرورة التحفظ. فرنسا ليست مستعدة للتنازل عن الحق الالهي في فرض لغتها علينا و اعادة السفير لعقارب الساعة رمزيا الى ايفيان و روح التعاون الوثيق تذكير حازم بأن هناك حدود حمراء و تفاهمات لا يمكن تجاوزها بل قال بأننا unis indéfectiblement و هي عبارة لم يقلها حتى روميو لجولييت. كلام كبير نظريا و فارغ عمليا و واقعيا.

الجيش ..مفاجأة فرنسا غير السارة

بالطبع لم يذكر دريانكور المؤسسة العسكرية بالاسم لكنها كانت حاضرة بين السطور و ما تعبيره عن فشل الدبلوماسيين الفرنسيين في التنبؤ بانتفاضة ٢٢ فيفري و تفاجئهم بالاحداث الا خداع سيميائي للتغطية عن الرسالة الحقيقية التي اراد تمريرها. كما قلت اعلاه فرنسا كانت تعرف ان هناك انتفاضة في الافق و رتبت امورها جيدا مع لفيفها الداخلي لكنها لم تضع في الحسبان سرعة و عمق التغيرات التي حدثت منذ ٢٠١٥ داخل المؤسسة العسكرية و واصلت الاعتماد على تحليلات التفالقة و حليفهم في آخر اياهم محمد مدين و قدرتهم على لجم قايد صالح و فريقه و الازدراء بقدراتهم الذهنية و القيادية. فرنسا اعتقدت ان خلافة بوتفليقة في الجيب بل كانت ترى فيها فرصة لتصحيح مسار بدات تفقد السيطرة عليه. تصريحات سياسيين فرنسيين في السنوات الاخيرة كشفت عن توجس باريس من الانقطاع المتزايد لمصادر المعلومة و تصاعد الميول الوطنية الاسلامية داخل الجيش لكنهم لم يقدروا حجم الاحساس المعادي لفرنسا داخل المؤسسة و خارجها الا حين رفعت الشعارات و دوت الحناجر و تصدرت صور اباء الثورة صفوف الحراك.

فرنسا قوة متهافتة في عالم تحول مركز ثقله الى المحور الاورواسياوي و لا حاجة لنا بها و من الضروري اجتثاث كل شبكاتها و مصالحها و اعادتها الى حجمها الحقيقي و بعد ان تذعن لواقع الحال و تقوم بهضمه جيدا يمكن التفكير في علاقات ندية على اساس الاحترام و بعيدا عن اي أبوية او استعلاء.

 

شوهد المقال 337 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة
image

نوري دريس ـ قانون المحروقات لسقي الشبكات الزبونية

د.نوري دريس   أضع الملاحظات التالية حول قانون المحروقات: لا يمكن لمن يضع الحواجز أمام المستمثرين الخواص في الداخل( في الفلاحة، الصناعة، الحرف، السياحة...)
image

يسرا محمد سلامة ـ ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع

د. يسرا محمد سلامة   التفوق في معناه العام ليس بالضرورة أنْ يكون دراسيًا، فكم من امرئٍ لم يكن في يومٍ ما متفوقًا في دراسته، ثم أصبح
image

نجيب بلحيمر ـ جمعة تحييد العنف وحماية الجزائر

د. نجيب بلحيمر   "حاشدة".. هذا هو الوصف الذي يمكن اطلاقه على مسيرات الجمعة الرابعة والثلاثين من الثورة السلمية. في العاصمة كما في مختلف مدن
image

رضوان بوجمعة ـ من "الصرح المؤسساتي" إلى "الفراغ الدستوري"

 د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 116  أهم ما يمكن قوله اليوم في الجمعة ال 34، أن الأمة الجزائرية مصرة، وغير مستعدة، للتنازل عن مشروع بناء الجزائر الجديدة
image

زهور شنوف ـ رسالة إلى سميرة موسوسي ..من معتقلات الحراك الجزائري

زهور شنوف   مرحبا سيدتي،لا أعرف كيف يمكن أن يبدأ المرء رسالة إلى شخص لم يلتق به من قبل، لذلك فكرت أن أسأل "غوغل" الذي بات يَعرف
image

اليزيد قنيفي ـ ماقلّ ودل...!

اليزيد قنيفي   • نُدَرِس مباديءالإسلام في المساجد وفي المدارس والجامعات لكن الحاكم يغتصب السلطة.. والوزير يسرق..والنائب يخون.. والوالي يتحايل..والمواطن يشاركهم أيضا..أين الخلل..؟

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats