الرئيسية | أعمدة الوطن | نوري دريس ـ منطق الحراك ومنطق المعارضة

نوري دريس ـ منطق الحراك ومنطق المعارضة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.نوري دريس 

 

 

بعد أن انسحبت السلطة بشكل رسمي من الحوار، باعتبار نفسها غير معنية به، ولن تشارك فيه، لأنها ( هي الدولة) وأقصى ما يمكن ان تقوم به _ بل اقصى ما يجب فقط ان تلتزم القيام به_ هو سجن من خان ثقة ( الدولة/السلطة) من المسؤولين في عهد بوتفليقة، وتوفير الوسائل اللوجستية لمن يجب عليهم ان يتحاوروا بعد أن رسمت إطارا للحوار [ حدوده، وموضوعه الوحيد وهدفه: الانتخابات في اسرع وقت].، اجتمعت احزاب و جمعيات وشخصيات يوم 6 جويلية، استجابة لنداءات الرئيس بن صالح. 

يعكس البيان الذي صدر عن المتحاورين او الوثيقة الموزعة ( هكذا سموا أنفسهم من دون ان نعرف مع من تحاورا و باسم من يتكلمون و يجتمعون) أن منطق المعارضة هذه( فلنسميها هكذا ولو مؤقتا) لا يلتقي مع منطق الحراك( الشعب الجزائري)، وهو اقرب الى منطق السلطة منه الى مطالب الجزائريين.

 

منطق الحراك هو تغيير نمط اشتغال الدولة ككل، بالتفاوض مع مع السلطة الفعلية لرحيلها[ بما في ذلك انسحاب الجيش من السياسة نهائيا ] للسماح بتأسيس منظومة حكم جديدة، تتوافق مع معايير الحكم في دولة القانون.

ومنطق السلطة، هو أن الدولة هي (هم،) و لا مجال لرحيلهم. لكن السلطة في ورطة لأنها معزولة وسحبت منها الشرعية، سحبها الشارع بعد أن دفع بوتفليقة بتناقضات النظام الى اقصاها، فاستهلك كل موارده و أوراقه و لم يعد ممكنا الاستمرار. ودق خطاب القايد صالح مسمارا في نعشها حينما وصفها بالعصابة..وهو الوصف الذي تلقفه الشارع وحوله الى حجة لرفض اي حوار او تفاوض قبل رحيل العصابة[ مكانش انتخابات يا العصابات].

في البداية، كانت السلطة تريد تغيير واجهتها، من خلال استقطاب نخب جديدة إليها. لكن ثبات الشارع حال دون ذلك، وربما أيضا موازين القوى داخل السلطة لم تعد تسمح بالذهاب الى ابعد من هذا...

هذا ما جعل السلطة الآن تتراجع عن تغيير واجهتها_ وبدل ذلك تريد انتخابات في أسرع وقت لاصباغ شرعية الصندوق على الشخص الذي وقع عليه الاختيار ليكون رئيسا للجزائر، لعل هذا سيعطي للنظام مبررا شرعيا لزيادة حجم العنف المشروع الى الحد الذي يسمح له بايقاف الثورة السلمية أو على الأقل إضعافها تدريجيا دون اللجوء الى عنف يثير السخط.

خطاب بن صالح كان بمثابة عروض عمل offres d'emploie ، تمنحها السلطة لمن يريد[ لمن تتوفر فيه الشروط/ لمن قبل الشروط] ، وتوفر له كل الوسائل مقابل ان يعمل على اعطاء شرعية للانتخابات...

اجتماع 6 جويلية، تلقف العرض وفهم الرسالة جيدا...20 جمعة لم تحرر هذه الاحزاب من خوفها لتستغل ضعف السلطة ومأزقها، وقوة الحراك و استمراره و شرعيته وسلميته وتطالب بالتفاوض حول تغيير النظام و الانتقال الديمقراطي...

لكنها استجابت لبن صالح مع وضع شرط واحد يتمثل في استبدال الموظفون المدنيون عند السلطة، ب ( رجال الأحزاب المشاركة في ندوة الحوار). اي أنها ترمي بطوق النجاة للسلطة، مقابل توظيف رجالها هي في المناصب الشاغرة بسبب السجن او الاستقالة أو الإقالة.

 

باختصار
سقف مطالب ندوة الحوار، هو توظيف الاعضاء المشاركين فيها، مقابل المشاركة في تمثيلية الانتخابات. لم تطرح مسألة الانتقال الديمقراطي، و لا حتى تمت الاشارة الى ضرورة اطلاق صراح سجناء الرأي، تحرير الإعلام، ورفع الوصاية عن التلفزيون العمومي و الاذاعات المحلية....الشرط الذي وضعته هو حق اريد به باطل، تتتخفى وراءه للوصول الى الدائر الثالثة او الرابعة للسلطة..اي accéder à l'anti chambre du pouvoir حيث يمكن الاستفادة من مزايا و امتيازات دون امتلاك السلطة الحقيقية لقيادة تغيير و انتقال سياسي..

 

السلطة كانت تعول على حضور شخصيات وأحزاب ذات وزن ومصداقية، ولكن خطاب بن صالح، الذي يعكس موازين القوى الحقيقية داخل السلطة( كل طرف يقول لن يتم التضحية بي أو بوكيلي وزبوني، هنا يموت مسمار حجا ...) يكون قد دفعها الى تغيير قرارها بالمشاركة...

ولهذا، لم تعر أي اهتمام للندوة في الاعلام الرسمي...وكأنه لا حدث..و بهذا تكون السلطة قد نزعت المصداقية نهائيا على المشاركين في الندوة( طماعين) وعلى نفسها أيضا لأنها تدعو للحوار ولكنها لم تعر اي اهتمام للمتحاورين الذين لبوا النداء بشروطها او اقل مما اشترطت هي...خبر فتح مقر للأمن الحضري كان اهم بالنسبة للسلطة من الحديث عن ندوة 6 جويلية، و هذا ما عكسته نشرة الثامنة البارحة...

 

ربما السلطة بتعاملها المزدري méprisant مع الندوة أرادت ان تبعد الصراع عنها، وتجعل هذه (المعارضة) في مرمى نيران غضب ونقد الحراك...لكنها نست أن الندوة بدورها هي لا حدث بالنسبة للجزائريين، و ان المشاركين فيها لا وزن لهم ولا أحد مستعد ان يعطيهم قيمة بنقدهم او توجيه الغضب اليهم يوم الجمعة القادم...
الجزائريون حددوا هفهم بدقة، و الى غاية الجمعة العشرون كل شيء يسير على ما يرام، و الجزائريون يتجهون بخطى ثابتة لتزويد أمتهم بدولة قانون تحميها من الانتكاسة الى ما قبل الدولة، وضع كان قاب قوسين أو أدنى بسبب ممارسات نظام باتريمونيالي، خوصص السلطة وسلم الدولة الى الأوليغارشية...

 

شوهد المقال 80 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ بين عسر ويسر

د.علاء الأديب            أأبيع نفسي كي أعيش منعّما؟هيهات لو بلغ الجفاف دمائي اني اشتريت بكلّ عمري عزّتيولبست تاج كرامتي وآبائي وسعيت بين الناس ابسط خافقيقبل الكفوف
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية فوق الإنكار

نجيب بلحيمر   تقعدك نزلة برد شديدة وحمى في يوم قائظ في البيت، وتجبرك على متابعة الإعلام الجزائري وكيف يغطي الثورة السلمية، لا أثر للمظاهرات على
image

العربي فرحاتي ـ بين الحكم المدني والحكم العسكري برزخ لا يبغيان

د. العربي فرحاتي  السلطة الفعلية تطور من الشيطنة.. فمن شيطنة شعار " يتنحاو قاع " واتهامه بالشعار "التعجيزي" إلى شيطنة شعار "دولة مدنية ماشي
image

نوري دريس ـ دولة مدنية مقابل دولة قانون

د. نوري دريس  الانزعاج الكبير الذي ظهر على لسان قائد الجيش من شعار "دولة مدنية وليست دولة عسكرية" لا اعتقد أنه يعكس رغبة الجيش في
image

نوري دريس ـ منطق الحراك ومنطق المعارضة

د.نوري دريس   بعد أن انسحبت السلطة بشكل رسمي من الحوار، باعتبار نفسها غير معنية به، ولن تشارك فيه، لأنها ( هي الدولة) وأقصى ما يمكن
image

ثامر ناشف ـ تعويذة الحفاظ على الحِراك من اجل الدولة والمجتمع!

د.ثامر ناشف  ان حركية المجتمعات ضمن اطار "عصر الجماهير III" والقدرة على بناء التوجه العام لن يتوقف ولن يستتب الا بمدى انتاج وإحداث
image

يسين بوغازي ـ خوارج الحراك

يسين بوغازي الخوارج عصابة  خرجت على فكرة فسميت بدلالة الخروج اللغوي  خوارجا ،وكانت فئة متدينة  ، أخلص العصب المناصرة  لعلى بن أبي طالب!
image

رضوان بوجمعة ـ أحزاب الغلق و المجتمع المفتوح

د. رضوان بوجمعة   ستولد الجزائر الجديدة بوعي سياسي جديد، وبوعي وطني ذكي يعترف بالاختلاف والتنوع، ويقطع نهائيا مع منطق العصبة والعصبية والشبكة والزمرة.هذا الوعي
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر 20 ..عرس وطني ..الجزائر كلها اهازيج

د.العربي فرحاتي  حسب ما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي تحولت الجزائر اليوم في ٥ جويليا إلى عرس وطني بهيج .. بأهازيج وأغاني الثورة التحريرية التي
image

نجيب بلحيمر ـ إن الذكرى تنفع الثائرين

نجيب بلحيمر   نحن بحاجة إلى ذاكرة قوية لننتبه إلى أهم أساليب النظام في احتواء المطالب, وإفراغها من معانيها, وإدخالها إلى رصيد هذا النظام.نتذكر جيدا عندما كانت

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats