الرئيسية | أعمدة الوطن | رضوان بوجمعة ـ التلويث الرمزي لكسر التوافق و تفكيك النسيج الاجتماعي

رضوان بوجمعة ـ التلويث الرمزي لكسر التوافق و تفكيك النسيج الاجتماعي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د. رضوان بوجمعة 

 نعيش منذ سنوات تلوثا رمزيا يغذيه الكثير من موظفي السياسة و "نخب" البلاطوهات و الكاستينغ، و "مثقفي " الريع الذين تخصصوا في اصطياد المنح داخل و خارج الجزائر، وكل ذلك يتم تحت رعاية و تضخيم منظومة إعلامية فاسدة و مفسدة. 

 

ففي كل مرة يتقدم المجتمع خطوة نحو الأمام من اجل فتح نقاش حول بناء المستقبل، تتدخل هذه المخلوقات لممارسة تلويث رمزي رهيب من اجل المحافظة على الوضع الراهن، أو على الأقل اعادة تشكيله حتى لا يمس العمق الاستراتيجي للمنظومة التي فرضت بالقوة و تفرض قطيعها بسياسة الأمر الواقع. 
وهذا التلويث الرمزي تمارسه أطراف متعددة في السلطة و في المعارضة التي ولدت من مخابرها، و هي نتاج استراتيجية تهدف لكسر اي نقاش فعلي قد يؤدي إلى بناء التوافقات التاريخية التي قد تبني المستقبل خارج سياسة الأمر الواقع ، و بعيدا عن شبكات الفساد الوطنية المربوطة باالاوليغارشيا الدولية التي تمارس النهب و الاستلاب و تكسر الدول بغية الخروج من أزمتها البنيوية. 
و قد انتج هذا التلويث الرمزي خطابات زائفة عن الثوابت و المتغيرات ، وعن الهوية و العنصرية،،وعن الدين و التدين، وعن الحداثة الاصالة، وعن اللغة و الايديولوجيا،،وعن السلطة و الدولة،وعن الجيش و العسكر،وعن الحزب و الجهاز، وعن الصحافة و الدعاية، وعن الوطنية و كراهية الاخر، و غيرها من ثنائيات يتم ربطها بكليشيهات تفرض بغية أن تؤدي إلى الطرق المسدودة و إلى المواجهة بين الجزائريين و الجزائريات، حتى يتمكن آلهة الأمر الواقع في الاستمرار ببذلة رجال المطافىء. 
اخر منتجات التلويث الرمزي، و في خضم ثورة استرجاع الوعي و تقرير المصير، القول مثلا بالباديسية كهوية دولة، رغم أن الدولة بالمفهوم المعاصر لا يمكن أن تكون طرفا ايديويلوجيا، و لا يمكن ان تدخل كطرف في مختلف الصراعات، فالدولة مؤسسات تمارس الضبط حتى تسمح للمجتمع ببناء دينامكيات يتم فيها احترام ممارسة التنوع و الاختلاف و الضبط الاقتصادي و الثقافي و غيره، و الكثير من المتاجرين الجدد برائد الاصلاح الديني في الجزائرابن باديس لا يعرفون ابن باديس، لا حياة و لا ممارسة و لا التزاما و لا اخلاقا، و الاغرب من كل هذا ان الكثير منهم لا يعرفون حتى اللغة العربية التي كانت احد مراكز اهتمام بن باديس في مشروعه، و هو الذي باع حتى مجوهرات والدته لتأسيس المدارس القرآنية و تعليم اللغة العربية، وفي هذا كان ابن باديس ودون شك امة لوحده في التضحية بحياته و وقته وجهده و ماله ، وهو ما يفتقده الكثير ممن يحاولون المتاجرة به اليوم ، ومن مختلف الدكاكين التيديولوجبة و السياسية، كما هو حال بعض اسماء الحركة الإسلامية الإخوانية التي حاربت بالأمس القريب اتباع الحركة الإسلامية المنتجة لهذا التوجه، بل و اتهمت هذه الأسماء دعاة المدرسة الإسلامية الجزائرية من منطلق ما هو اصيل في الاسلام، و قد كانت وحجة هؤلاء آنذاك كانت القول أن الاصل في الدين هو العالمية، وهو تلويث رمزي ناجم عن خلط بين عالمية الرسالة المحمدية و عالمية تنظيم الإخوان الذي يمارس البولتيك والولاء للجماعة و البيعة للتنظيم،. 
تلويث رمزي اخر انتج خلطا بين المصالحة التي تمر عبر المصارحة و الحقيقة إلى فرض مصالحة و وئام الإفلات من العقاب عن كل المجرمين الذين مارسوا العنف كوسيلة للوصول إلى السلطة أو للبقاء فيها،، وهذا التلويث الرمزي انتج كلمة قفزت على مبدأ عدم الإفلات من العقاب ، كلمة انتجها بوتفليقة و من جاء به من العسكر الذين تلطخت ايديهم بدماء الجزائريين من بلخير و توفيق و نزار و تواتي و طرطاق و غيرهم و هي كلمة المأساة الوطنية، و هي التي توحي بأن الازمة سقطت من السماء و لم تكن نتاج سياسات و أدوات و أشخاص 
و في التلويث الرمزي كذلك ، أنتج التيار اللاستىصالي بمثقفيه و صحفييه و سياسييه، عنوانا كبيرا يحمل تسمية " التيار البعثي الإسلامي"، وهو عنوان فيه الكثير من التلوث و و يحمل بحرا من الجهل، لان الذين نادوا بهذا العنوان قد يجهلون أو يتجاهلون أو لا يعرفون أن البعث الأيديولوجي هو فكرة تقدمية قد نختلف معها، لكنها فكرة لا علاقة لها بالاسلام السياسي، ففكر البيطار وعفلق فكر تقدمي و تحرري، في حين أن البعث السياسي هو تيار علماني جزء من نخبه السياسية كان يعادي حتى الاسلام،، بل و الكثير من رموزه نتاج تعددية في الدين و المعتقد فهم اما مسيحيين أو ملاحدة أو مسلمين، في حين أن الإسلام كفكر سياسي مختلف بنيويا باختلاف المدارس و التوجهات من عصر النبوة إلى مجتمع ما بعد الموحدين وظهور الحركة الإصلاحية إلى جمال الدين الأفغاني و شكيب و أرسلان وغيرهم الكثير من التوجهات و المدارس.

 

ومن التلويث الرمزي ما أنتجته "النخب " المستفيدة من الغيبوبة الحضارية و الاجتماعية، الخلط بين العسكر و الجيش، بل و تتعمد هذه المخاليق شخصنة الجيوش و ربطها بالقائد الذي بدونه يسقط الجيش و تزول الدلة و تتفكك الامة، و هو تلويث رمزي يربط الدلة بالسلطة و بل بالشخص الواحد الذي يشبه الرب الواحد الذي لا تكتمل الوطنية إلا بعبادته و مبايعته و تجديد الولاء له اناء الليل و النهار.

 

تلويث رمزي آخر يربط اللغة و الهوية بالعرقية و العنصرية، فاللغة العربية هي لغة العرب و العروبة في مواجهة كل من ليس عربيا، كما أن الأمازيغية ليست إلا نزعة نشرتها فرنسا وهي صنيعة فرنسية، كما يقول الكثير ممن استفادوا من ريع السلطة و يعيش الكثير منهم في باريس، وهذا التلوث الرمزي غذاه متاجرون بالبعث السياسي، و متمزغون استخدموا الأمازيغية للحصول على موقع سياسي على الصعيد المحلي، رغم أن التاريخ يؤكد أن الأمازيغية و العروبة لم تطرح قديما بشكل عرقي، و بأن الكثير من المصنفات و حتى الدينية كتبت
بالأمازيغية ، كما أن الكثير من علماء اللغة العربية و قواعد النحو العربي هم من الأمازيغ الذين خدموا العربية و المقال و المقام لا يتسع لذكره. 
تلويث رمزي آخر أنتجته "النخب" الحداثية التي تختصر الحداثة في الحرية الجنسية وفي كل الممارسات المتعلقة بالحريات الفردية، رغم أن الحداثة أوسع بكثير من ذلك، تماما مثلما يختصر المتدينون الاسلام في مجموعة من الشعائر الدينية و ينسون اصلا في الدين وهو فقه المعاملات، هذا الفقه الذي هو روح الدين بنص صريح من صاحب الرسالة، الذي عرف الاسلام في كلمة واحدة " الدين المعاملة".
التلويث الرمزي الآخر هو كلمة الوطنية، التي ربطها الكثير من المتشددقين بها بكراهية الآخر ، الاخر المختلف عنا سياسبا و لغوبا وثقافيا ووو، و تحت ظلها تم اقصاء اجيالا من المناضلين و المناضلات و المثقفين و المثقفات، بل و في ظلها تم إيجاد البطانة الرمزية الإقصاء و العنف و الكراهية. 
كل هذه الثنائيات المنتجة ل لتلويث الرمزي هي التي شكلت أرضية الفساد و الاستبداد و الاستعباد، و لذلك فإن أول الطريق للخروج من هذا النفق هو بناء تفاعلات رمزية تبني التوافق التاريخي الذي يحمي النسيج الاجتماعي الذي عملت نخب الريع على تفكيكه و ضربه وهو اليوم أن لم يتم تجاوزه و بناء قطيعة ايبستمولوجية معه، قد يتحول إلى أحد مصادر تفجير كل توافق بين الجزائريين و الجزائريين لبناء الجزائر الجديدة التي تعترف بالتنوع و التناغم و التعدد و ترفض سلطة الفرد الواحد و الفكر الواحد و التوجه الواحد الذي لا يمكن إلا أن يعيد إنتاج منظومة الفساد و الاستبداد و الاستعباد،. 
فالتحرير يبدأ بقطيعة ايبستمولوجية مع التلويث الرمزي مصدر تكسير التوافق و تفكيك النسيج الاجتماعي .

 

شوهد المقال 277 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ جمعة الوحدة الوطنية ضد المغامرين من مستشاري الريع و العنصرية.

د.رضوان بوجمعة   عشت مسيرة اليوم في الجزائر العاصمة، و لم اعش في حياتي ما عشته من صور الاخوة و التضامن بين الجزائريين والجزائريات، من ساحة
image

فتيحة بوروينة ـالتلغيم الهوياتي ومشاكل القايد صالح !!

 فتيحة بوروينة  مقالي الممنوع من النشر غدا بيومية #الحياة .. الرقيب قرّر ذلك !! التلغيم الهوياتي ومشاكل #القايد!! الحوار الذي يدعو إليه مجددا
image

نوري دريس ـ الأيام الأخيرة لنظام الفساد

د.نوري دريس النظام قي مأزق، و الضغط يزداد عليه. اللغة العشوائية التي بات يخاطب بها الجزائريين، تعكس تخبطه وافتقاده لاية خطة لانقاذ نفسه و
image

سعيد لوصيف ـ الموقف : أقولها و امشي...

د.سعيد لوصيف   سأحاول في هدوء فكري وسياسي – ولو إنني منزعج كثيرا وغاضب أشد الغضب – على تصريح قائد الأركان اليوم والذي يقول
image

عثمان لحياني ـ في المنع والرايات

 عثمان لحياني  تصريح قائد الجيش بشأن منع الرايات غير مناسب زمانا من حيث أن العقل الجمعي يوجه في الوقت الحالي كل المجهود بحثا عن حل
image

لعربي فرحاتي ـ الحراك ..وفزاعة الرايات ..

د.لعربي فرحاتي  مشروع الحراك الشعبي السلمي هو مشروع للحرية والديمقراطية والتنوع وإثراء الهوية الوطنية ..وما رفع فيه من شعارات ترجم إلى حد بعيد هذا
image

فضيل بوماله ـ إنا لله و إنا إليه راجعون وفاة د. محمد مرسي جريمة سياسية وأخلاقية

  فضيل بوماله  منذ شهور طويلة وعائلة الرئيس المصري الراحل د.محمد مرسي تشتكي من وضعه العام بالسجن عامة ومن حالته الصحية المتردية خاصة. ومذ سجن ظلما
image

وليد عبد الحي ـ بموته أطالوا عمره

 أ.د. وليد عبد الحي  أيا كانت الرواية الأصدق لوفاة الرئيس المصري محمد مرسي ماديا عام 2019 ، فإن وفاته المعنوية عام 2013
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats