الرئيسية | أعمدة الوطن | لعربي فرحاتي ـ الحراك ...ومرافقة الجيش ِ

لعربي فرحاتي ـ الحراك ...ومرافقة الجيش ِ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د.لعربي فرحاتي 
 
كثر الحديث عن ما يسمى مرافقة الجيش للحراك ..وهو حديث يكتنفه الكثير من الريبة ..رغم نبل مصطلح (المرافقة)
والمرافقة او المصاحبة مفهوم ..تربوي علائقي .. ارشادي .. يحيل الى علاقة اعتمادية بين ذاتيتين.. حيث تكون احدى الذاتيتين في حاجة الى الذات الاخرى الاكثر نصجا او خبرة او علما .ِ ..احدهما يعتمد على الاخر في مساره البيداغوجي او المهني او السياسي ...الخ بحيث ينتفع الطرف الاقل نضجا من الطرف الناضج ويقلل من اخطائه... واذا اسقطنا هذا المفهوم على علاقة الحراك الشعبي وقيادة الاركان كطرفين منتظمين في هذه العلاقه..فان دعاة مرافقة الجيش للحراك يضعون الجيش كما لو انه الطرف الناضج.. والشعب هو الاقل نضجا ..ويسترشد بنصائح الجيش ويضعه في موقع الابوية ..وهو واضح من حملة تلميع قيادة الاركان وكانها الطرف الذي انجز كل مكاسب الحراك ..وانه هو الذي حسم الامر استقالة الرئيس. ويطرح القايد وكانه المنقذ الملهم والابوي وواجب تفويضه بالابوية.. ويطرح وكانه الرجل الوطني الذي طهر الجيش من الوصاية الفرنسية.. وان مقترحه بالاحتكام للدستور وبعض مواده هي الخريطه المنقذة للوطن. بل تكاد بعض الاطروحات المنفعلة مع شخصية "القايد" والمتوحدة بشخصه.. ان تخون كل من يدعو للمرحلة الانتقالية عبر الاجتهادات القانونيه والصيغ السياسية للانتقال الديمقراطي بروح الدستور .. وليس ببعض مواده .. ويعتبرون دعواتهم دعوة للفوضى والى وضع البلاد في خطر.. مع انهم يعلمون اكثر من غيرهم ان الشرعية الدستورية اخترقت منذ الانقلاب وتم الاستهتار به في كل العهدات بمعية الجيش ومرافقته لتلك الخروقات والتلاعب ..فهذا المعنى للمرافقة هو ما اعتبره خطورة بالغة في انها راي واتجاه يريد تقزيم الارادة الشعبية الكلية ..في ما تحقق من مكاسب .واسمح لنفسي ان اتهمه بمحاولة الالتفاف على مسار الحراك وركبه.. وقيادته الى اغراض غير اغراضه ِِ.. واعتبر ان وضع الارادة الشعبية رهن نصائح او اوامر الجيش.. هو استهتار بالتاريخ من حيث هو تقدم نحو المدنية . وهي دعوة انتكاسية لا تبتعد كثيرا عن دعوة الانتقال من حكم العسكر بواجهة سياسية.. الى حكم العسكر المباشر ِ.. اي انتكاسة من ديكتاتورية مغلفة بديمقراطية الواجهة ..بديكتاتورية مباشرة .. وعليه فانه علينا -كما ارى - ان ننتبه الى هذا المنعرج التاريخي للحراك ونوضح ان هذه الدعوة للمرافقه بهذا المعنى هي بمنزلة الذباب الالكتروني ..ومن الثورة المضادة التي تسعى لاعاده انتاج ديكتاتورية العسكر ..واذ اننا نسجل هذا الموقف الايجابي لكل الدوائر الامنية تجاه موقفها الحيادي وعدم التدخل في المسيرات وفعاليات الحراك. ونسجل الموقف الايجابي للجيش وقيادته الحيادي او المنحاز بالتدرج الى مطالب الحراك ..فاننا علينا ايضا ان ننتبه ونوضح ونؤكد ..
اولا ..انه اذا كان امر مرافقة قيادة الجيش للحراك ضرورية ..تفرضها الظروف كما يرى بعض المخلصين .استنادا على ان واقع الحكم في الجزائر هو في قبضة العسكر منذ الاستقلال.. ولا يمكن ان نقفز على هذا الواقع ..وبالتالي لا مفر من الانسجام مع قراراته وقبولها ..خاصة وانها تنحاز الى الحراك ..فاننا ننبه ان الحراك الشعبي من حيث هو عقل كلي ناضج ونؤكد في هذا التنبية انه لا يقبل مثل هذه المرافقة كما لو انها فرض ووصاية وابوية ..وان الشعب خرج لتصحيح هذه العلاقة الابوية المقلوبة المفروضة على الشعب منذ الاستقلال .. ونؤكد ايضا ان الشعب من حيث هو الكل. لا يمكن ان يخضع او يسترشد بالجيش باعتباره جزء منه..اذ ان منطق الاشياء يقضي بان الجزء هو الذي يخضع للكل وليس العكس . 
ثانيا . واذا كان الجيش في اطار صراع العصب (الرئاسة .. المخابرات .. قياده الجيش ) انحاز تكتيكيا في بياناته المتدرجه .. قد انحاز الى مطالب الشعب .فانه من حيث المبدا ترفض تماما كل بياناته بوصفها غير دستورية وباعتبارها تدخلا للعسكر في الشان السياسي مرفوض ..ولكن من الناحيه الواقعية البراجماتية ومن مصلحة الحراك تم الترحيب بها بشعار. "الجيش خاوا خاوا" .وهو موقف جميل من الطرفين من حيث هو شعار عدم التصادم ومنع تكرار ماسي التسعينبات .
ثالثا . التحذير من الدعوة الى هذه المرافقة ولو كانت بريئة حتى لا تتكرر لعبة ما سمي بلجنة" انقاذ الجزائر " التي دعت للتدخل الجيش في التسعينات واسفرت عن مآسي مازال الشعب يعاني منها.. اذ ان اليوم عكس ما يجري ..فالحراك يطلب من الجيش الابتعاد عن الشان السياسي والخروج من اوحالها ...
رابعا ..ان تلميع صورة قيادة الجيش في هذا الظرف.. هو تلميع غير بريئ .. الغرض منه تقزيم دور الحراك . ولا يمكن قبوله سيما وان خارطة الطريق التي اقترحها الجيش مازال يكتنفها الغموض الشديد.. وان ظهر فيها الانحياز الشكلي في بيانات الجيش .اذ لم نرى له دور جوهري .. الى غاية الان. .ِ الا الدوران مع المادة 102 . ومازال متشبثا بالحل الدستوري عبر بعض مواده وبنفس هياكل النظام الفاسد (حكومة ..مجلس دستوري ..البرلمان بغرفتيه ).. مما اضفى غموضا على موقفه من الحراك.. بل ان البعض يفسر موقفه الى حد الان لم يتعد كونه صراع العصب الحاكمة المتصارعة . 
خامسا ..واذ ان مرافقة الجيش للحراك تطرح من باب الخوف عن الحراك وافشاله والاستقواء عليه من الرئاسه او المخابرات او فرنسا ِ...الخ وانه لا خوف من الجيش باعتباره جيش الشعب وطني التوجه ..فان هذا التخويف كان على اشده منذ بدايات الحراك وشيطنته وظن اننا تجاوزه الحراك بسلميته وان الحراك مازال متشبثا بان الجيش جيشه وانه في علاقه خاوا خاوا .. والمسالة بعد ذلك لا تطرح على هذا المستوى "الخوف وعدم الخوف".. هي مسالة الانتقال الحضاري ..من حيث هو انتقال لم يعد للجيوش اي وجود فيه ...وان خروجه من الصراع السياسي الداخلي هو من اساسيات الانتقال الخضاري الراقي .. وان الجيوش في الوضع الحضاري الان تخضع للارادة الشعبيه وللصلاحيات والقوانين التي تحدد دور الجيوش في الدساتير الموسومة ب (الدستور القانون ).. وبالتالي علينا ان نفهم مرافقة الجيش للحراك.. هي متابعه الاحداث عن بعد وحث الاجهزه الامنية ان تلتزم السلمية كما التزم بها الشعب ..فلا نسمح للجيش باعتباره جزء ان يتدخل في شان الارادة الشعبيه من حيث هي الكل.. يقودها حراك ناضج ..رسم خطته فلا خوف عليه...وان مرافقة الجيش للحراك يجب ان تندرج ضمن مسار تسليم الجيش الحكم للشعب والخروج تدريجيا من الحياة السياسية .
سادسا ..علينا كشعب في حالة الثورة والحراك ان نحترم مبدا.."ان السيادة للحراك" ..وان الحراك هو من سينتج ويفرض خارطة الطريق التي يراها تحقق له التغيير الشامل واسقاط كل مكونات منظومة الفساد المتبقية ويعيد السيادة للشعب .. ولا يمكن للجيش ان يتجاوزها ويفرض تطبيق خارطه الطريق التي تعيد انتاج النظام ولا تغيره الا شكليا.. فالحراك ليس لاسقاط الرئيس "الحي الميت" وقد اسقطه المرض منذ اربع سنوات.. ولا اسقاط اخوته.. ولا تقديم منظومة الفساد المالي للمحاكمة ..بل خرج الشعب لتغيير النظام تغييرا شاملا بدستوره وبرجاله وحكومته وبرلمانه .فخارطة التغيير لا يمكن ان تملى على الحراك من اي طرف كان (رئاسة وواجهتها السياسية .. ولا من المخابرات والعسكر المتقاعد .. ولا من قياده الاركان ِ)
وتاسيسا عليه ( ومع استمرارنا في استحضار الامل في ان يسجل الجيش موقفه التاريخي بالاعلان عن خروجه من الجدل السياسي ) اوجب استمرار. الثورة في مليونيات جمعه سابعه وثامنه وتاسعه ..الى تحقيق جمهورية نوفمبرية ذات سيادة شعبية.. لا وصاية ولا ابوية ولا مرافقة فيها للجيش على الشعب ..العربي ..

شوهد المقال 227 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ في المنع والرايات

 عثمان لحياني  تصريح قائد الجيش بشأن منع الرايات غير مناسب زمانا من حيث أن العقل الجمعي يوجه في الوقت الحالي كل المجهود بحثا عن حل
image

لعربي فرحاتي ـ الحراك ..وفزاعة الرايات ..

د.لعربي فرحاتي  مشروع الحراك الشعبي السلمي هو مشروع للحرية والديمقراطية والتنوع وإثراء الهوية الوطنية ..وما رفع فيه من شعارات ترجم إلى حد بعيد هذا
image

فضيل بوماله ـ إنا لله و إنا إليه راجعون وفاة د. محمد مرسي جريمة سياسية وأخلاقية

  فضيل بوماله  منذ شهور طويلة وعائلة الرئيس المصري الراحل د.محمد مرسي تشتكي من وضعه العام بالسجن عامة ومن حالته الصحية المتردية خاصة. ومذ سجن ظلما
image

وليد عبد الحي ـ بموته أطالوا عمره

 أ.د. وليد عبد الحي  أيا كانت الرواية الأصدق لوفاة الرئيس المصري محمد مرسي ماديا عام 2019 ، فإن وفاته المعنوية عام 2013
image

نجيب بلحيمر ـ هل من قارئ لكتاب الثورة ؟

نجيب بلحيمر   بسرعة تبخر الأثر السياسي المرجو من الإسراف في حبس كبار المسؤولين وجاء الرد حاسما عبر مظاهرات الجمعة السابعة عشرة من الثورة السلمية
image

فيصل بوسايدة ـ أي سيناريو يخبئه لنا الجيش الجزائري ؟

 د.فيصل بوسايدة    من الواضح جدا أن الحراك أو الشعب لا يدري تماما الخطوات التي يمكن أن يتخذها الجيش/المنجل، كما أنه لا يدرك الهدف من كل
image

أحمد حمادة ـ موسكو وسياسة الخداع والتضليل..

العقيد أحمد حمادة * لقد اتسمت السياسة الروسية بعد إنهيار الإتحاد السوفييتي بنفس السياسة السابقة التي تدعم الأنظمة الشمولية، ورسخ هذه السياسة وصول بوتين الذي
image

نوري دريس ـ خدام الدولة و خدام النظام، وخدام نفسو...اويحيى

د.نوري دريس   سجن أويحي هو درس لهؤلاء ااسياسيين الذين يتلونون مع ايديولوجية المرحلة، و يوالون سيد اللحظة، و يقدمون ذلك كشكل من أشكال خدمة
image

يسين بوغازي ـ شجون التاريخ الحراشي!

  يسين بوغازي   عجيبا غريبا تاريخ  - مقاطعة الحراش القديم - ذاك النائم على وسدائد الشرق من العاصمة ،عجيبا  في
image

رضوان بوجمعة ـ أحمد اويحيى... من إعلان فشل الحوار إلى سجن الحراش

د.رضوان بوجمعة  أحمد أويحيى هذا الرجل الذي كتب في حقه الكثير من الصحفيين و الصحفيات ومدراء المؤسسات الإعلامية الآلاف من المقالات التي تصفه بأنه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats