الرئيسية | أعمدة الوطن | سامي خليل ـ من هو السايكوباتي القادم الذي سيحكم الجزائر ؟

سامي خليل ـ من هو السايكوباتي القادم الذي سيحكم الجزائر ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سامي خليل

السايكوباتيا هي حالة نفسية تستند إلى معايير تشخيصية دقيقة و تشمل الإفتقار إلى الندم والتعاطف والشعور بالعظمة والسلوك المخادع و رفض تحمل المسؤولية عن الأفعال السيئة. رغم سوداوية التعريف فإن هناك ما تعارف على تسميتها بالسايكوباتية الإبداعية وهي حاله نفسية ترافق عملية الإنتاج الفكري و الفني و الثقافي و تسمح ببلوغ مستويات عليا من الإبداع المبني على الصراع الداخلي العنيف المتوجس من العلاقات الإجتماعية و المحتقر للمجتمع عموما. ما يهمني في هذا المنشور هي العلاقة بين السايكوباتيا و السياسة و إسقاطاتها على الواقع الجزائري و محاولة فهم الديناميكيات المختلفة لها. ملاحظة فقط حتى لا يُساء الفهم : كلنا نحمل شيئا من أعراض الحالة لكن مواقع المسؤولية تجعل من تجلياتها أكثر اهمية لذا لما نعتقد ان فلان او علان كان سايكوباتيا سنحاول توضيح معالم الحالة بين الاعتدال و التطرف لننصف الجميع.

يمكن إعتبار مصالي الحاج أول 'سايكوبات ' عرفته الحركة الوطنية لأن حركات المقاومة قبل ذلك بدء من الأمير عبد القادر لم تشهد ميولا سايكوباتية مهمة إنما كانت القيادات تتحرك من منطلقات قبلية طبيعية المنشأ و لو أنها لم تخل من الدسائس و الخداع إلا أنها كانت بعيدة عن التعريف الصارم أعلاه بل أن الأمير الشاعر النبيل مرهف الحس سبقت حكمته خداعه و إنتهى به الأمر إلى تقديم تنازلات مازال الجدل حولها إلى الأن و الانخراط في مهمات إنسانية جلبت له الإعجاب و الثناء.مصالي الحاج على العكس من ذلك أسس عن قصد او عن غير قصد لأسطورة الزعيم السايكوباتي بتضخم البعد الابوي الرافض لأي خروج من تحت عباءته إلا أن شخصيته في النهاية لم تحتو على عنف نفسي بنيوي يسمح له بالتعامل بقسوة اكبر مع من تمردوا على سلطته و انتهى به الامر كبطل لمشهد فرويدي رمزي يقتل فيه الاب من قبل الابناء كشرط لتحررهم و مواجهتهم للعالم بعيدا عن غطرسته. سايكوباتية مصالي الحاج كانت إذن معتدلة الى حد بعيد mild psychopathy مقارنة بالكوارث التي ستقع لاحقا.

الثورة التحريرية شهدت ما يمكن تسميته دمقرطة السايكوباتيا و هي حالة عادية تشهدها الحروب. نواة قيادة الثورة التي قتلت الاب في اعلان لبدأ صفحة جديدة كانت متماسكة نفسيا و استطاعت تجاوز باعتماد القيادة الجماعية اي انحراف سايكوباتي الا انها كانت تحتوي على شخصيات قوية و مؤثرة جدا مثل بن بولعيد و بوضياف اللذان كانا لهما دورا حاسما في اندلاعها من الداخل و من الخارج و لا اعتقد انها كانت ستنطلق دونهما. بعد انطلاق المسعى التحريري و سيادة لغة الرصاص عمت حالة من السايكوباتية الجماعية استثمرت فيها فرنسا و نفختها لتضرب قيادات الثورة بعضها ببعض و تحطم تماسكها بعملية لابلويت الشهيرة. شهدت الثورة ايضا سايكوباتية عبان رمضان الذي اراد ضد راي الاغلبية توجيهها إلى مسلك تفاوضي شبيه بالمسلكين التونسي و المغربي. عبان رمضان المتيقن من علوه على الجميع سمح لنفسه حتى باستغلال رمزية العربي بن مهيدي و زيغود يوسف لفرض ارضية الصومام مؤقتا قبل ان يقرر كبار السايكوبات الباءات الثلاثة قتله و دفن اطماعه الهيمنيه. عبان كان يرى في نفسه لانه فقط حاصل على شهادة الباكالوريا و له خبرة ادارية انه الزعيم الطبيعي الوحيد القادر على ضبط مسار ثورة اخذت منحنيات ارهابية كما وصف هجمات ٢٠ اوت ٥٥. الشهادات الكثيرة حول حدته و قسوته و تعسفه و عدم احترامه للراي الآخر تشكل مؤشرات قوية على سايكوباتيته.

بعدما تاكد للجميع ان الثورة انتهت على الارض سمحت الدبلوماسية و التعاطف العالمي الشعبي و التخندق الجيوستراتيجي بتعويض التراجع العسكري بانتصارات دبلوماسية هائلة و بدأ الحديث علنا عن الاستقلال الذي اصبح حقيقة مع كل يوم يمر. التحضير لمرحلة ما بعد الاستقلال شهدت ولادة مدرسة السايكوبات المسماة بالمالغ و التي ستلعب دورا حاسما في تاسيس الجيش و الدولة الجزائريين و يمثل هذا التسلسل التاريخي : مخابرات-جيش-دولة الخطيئة الكبرى في تاريخ الجزائر. لا علينا لنعود الى بوصوف و دوره المحوري في هذا الظرف و هو الذي استخلص خصوصا من علاقته اللغز مع اوفقير ان المستقبل لمن يملك المعلومة و التوجيه النفسي و قرر انشاء اول جهاز استخبراتي الذي خول من خدمة قضية وطن الى خدمة عصابة في اختطافها لاستقلال صوري و احتكار كل مفاصل الدولة الناشئة. بوصوف المهووس بالانضباط و بالرقابة حتى على اتفه تفاصيل جيش التحرير حقق هدفا مرحليا بتصفية عبان الا انه ساعد في صعود نجم السايكوبات الإبن و هو هواري بومدين الذي عجنه و صنعه تحت عينيه قبل ان ينتفخ اناه و يبتلع الجميع.

بومدين و تناقضاته يمكنه ان يكون نموذجا لدراسة التاثير الكارثي للشخصية السايكوباتية على التطور الطبيعي للدولة و كيف اصبح تدريجيا هو الدولة ثم ارتقى ليصبح اهم من الدولة. بومدين جمع بين ابوية مصالي الحاج و تسلط عبد الحفيظ بوصوف و ازدواجية فرحات عباس، ينتقد فرنسا علنا و يتعاقد معها سرا، يحتفي بجيش التحرير و يرقي ضباط فرنسا، يلعن الراسمالية و يترك اصدقائه يراكمون الثروات، يرافع عن ابا ذر الغفاري و يسجن الدعاة الى الله. تناقضات لا تعد و لا تحصى فرضت بقوة الدبابة و الامن العسكري الذي كانت يتصرف حسب رغباته و كبل الجزائر و منعها من تحقيق نهضة حقيقية. لا يمكن بالطبع انكار منجزات ذات اهمية حققت اثناء حكمه لكن الخراب السياسي الذي تركه يجعل من تركته محل اختلاف في تقييمها. قتل بومدين (اؤمن بقوة بتسميمه) بعد ان استفاق من سكرة السلطة و الحكم الفرعوني و محاولته الاصلاح كان مشابها لقتل مصالي معنويا.

قتل بومدين فتح الباب امام 'سايكوباتية بلخير' المختص في الالعاب الباطنية و الذي استطاع القضاء على البومديينية نهائيا. بلخير مخزني التوجه و استطاع خلق و غرس العقلية المخزنية حول الشاذلي بن جديد و برع في تصفية الخصوم بدون رحمة و تحضير الظروف الموضوعية لاستئثار الدافيست بالحكم لاحقا رغم محاولات بن جديد لعب ورقة التوازن في مرحلة ما و تشجيع جزأرة قطاعات واسعة من المؤسسات العسكرية و المدنية. بلخير كان السم الذي انهى حكم الشاذلي بعد مؤامرة مازالنا لم نكتشف حجمها الحقيقي بعد. مناوراته بين الدورين و طعنه لرئيسه في الظهر و تبنيه للاتجاه الاستئصالي الناشئ كلها مؤشرات على دناءته و خسته. خاتمته ستكون من جنس عمله و سينتهي على هامش اللعبة التي لم يعد يتحكم فيها بعد مجيئ بوتفليقة.

قبل بوتفليقة يجب ان نتوقف عند الحقبة المديينية او 'السايكوباتية النيوكولنيالية' و عودة فرنسا من الباب الواسع. نزار، تواتي و شلة الجانفيريين لا يخرجون عن اطار هذه الحالة النفسية بل هم اخطر تجلياتها بسبب ولائهم الفكري و العاطفي لفرنسا و استعدادهم لقتل العدد الكافي للقضاء على العقوق الحضاري الذي شكلته الجبهة الاسلامية للإنقاذ. الجانفيريون نسخوا النموذج الاستعماري في مواجهة تبعات الانقلاب و انتشوا من التنكيل بالشعب الجزائري و من الرعب الذي غرسوه فيه. إجرام لا مثيل له و رفض تام لأي محاولات للصلح و المصالحة و مرروا تحت الضغط صيغة مخادعة لها سميت تهكما بالمكالخة. الجانفيريون كشفوا عن شذوذهم و وحشيتهم التي بلغت مستويات نازية. لست من الذين يضعون سيء الذكر محمد مدين فوق الشلة لكنني اتعامل معهم كوحدة واحدة مع توزيع ادوار استراتيجي يتعاظم فيه دور احدهم او الآخر حسب الضرورة.

كل ما قلته لحد الآن مجرد فاصلة أمام توصيف سايكوباتية عبد العزيز بوتفليقة. رهيب جدا ما بلغه الرجل من تراكم العقد لديه. عملية انتقام مخطط لها بدقة متناهية. انتقام من النظام و من الشعب معا. سياسات انتقامية طالت حتى التاريخ الذي يزيف امام أعيننا لتوثيق عذرية لا توجد الا في ذهن مؤلفيها. شخصية هامشية اثناء الثورة، صعد نجمه بسبب بومدين الذي وضعه تحت حمايته و سمح له بحرية كبيرة في التصرف و الخطأ و هو ما يزال يشكل لغزا للكثير. الابن المدلل للبومديينية، الديغولي و الليبرالي الهوى اقتنع باكرا ان ما يفصله عن كرسي الرئاسة هي وفاة اباه الروحي فقط. اكبر خطأ ارتكبه في حياته لأن بومدين كان قد ذاق ذرعا به و بمراهقته المتأخرة و لم يكن في حسابات خلافته رغم ادعائه العكس. المهم فشله في معركة الخلافة و امام من؟ امام الشاذلي بن جديد الذي يعتبره اقل من لا شيء امامه دفع به الى هامش الهامش حتى جاءت شلة الجانفيريين التي ارقها سؤال 'من قتل من' و اعادته الى مركز الاحداث في صفقة 'الحكم مقابل اللاعقاب'. منذ ١٩٩٩ تاريخ اولى عهداته و الجزائر تتنفس لما يتنفس و تمرض لما يمرض و تنام لما ينام و تصحو لما يصحى.

بوتفليقة وزع جنونه بالعدل على الشعب الجزائري فجعله صورة منه : فساد و افساد و إجرام و انحلال. رشوة جماعية مقابل الصمت. مصالحة زائفة لدفن ملف العشرية و نشر لثقافة 'بزنس و دعك من السياسة'. بوتفليقة انتقم لاتهامه بالسرقة فجعل السرقة رياضة وطنية. فتح الباب لكل اشكال الانحلال للترعرع و الارتقاء. نادى النزعات القبلية و الجهوية و اعطاها مكانا مفضلا تحت الاضواء في وسط الركح. هندس لكرسكة عقيدة الدولة(بالنسية لمركز الكراسك) على وقع حرب عالمية وهمية على الارهاب. بوتفليقة لم يتحدث للإعلام الجزائري و لو مرة واحدة منذ اعتلى سدة الرئاسة و لم ينزل للبرلمان و لو مرة واحدة. كيف له و هو الملك الجالس على قمة الاولمب ان يخالط العوام. بوتفليقة اتاح الظروف لنهب مئات الملايير من الدولارات لادامة حكمه. لكن البيولوجيا كانت بالمرصاد و اوقفت شيئا ما مسيرته الانتحارية و سمحت بخلق ديناميكيات جديدة لا ندري بعد ماذا سيتمخض عنها. بصيغة اخرى من هو السايكوبات القادم الذي سيحكم الجزائر ؟ ام سنختار طريق الحكمة.

 

شوهد المقال 1007 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

قريعيس في 02:25 01.09.2018
avatar
بو تفليقة ليس قوي البنية و ليس خطيب و ليس وسيم و ليس ذكي و ليس مثقف و ليس مؤثر و لا اعتقد انه سايكوباتي. وصوله للحكم هو انتصار الغباء و الرداءة عندما اجبرت القوى الحقيقية المتناحرة بعضها اليعض على السكون.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة
image

نجيب بلحيمر ـ فخ الانتخابات.. حسابات الربح والخسارة

نجيب بلحيمر   بسرعة خارقة سارت عملية الدفع باتجاه تنظيم الانتخابات، وقد كان لخطاب رئيس الأركان الذي ألقاه يوم 02 سبتمبر والعبارة التي تضمنها
image

أمين عام حركة حرية الجزائرية بادية شكاط ـ رسالة إلى قائد الأركان قايد صالح

  بادية شكاط أمين عام حركة حرية    إنّ الجزائر التي بالدماء الزاكيات توضّأت،قد أقسمت أنها لغير قبلة الحق لاتصلي،ولغير جبار السماوات والأرض لاتنحني،وشعبها الذي
image

يسين بوغازي ـ أدوار الضحية ومربعات المؤامرة ؟

يسين بوغازي   تجتهد فئة من الجزائريين  في تأدية أدوارا ببراعة كاملة لشخصية الضحية ! وهي فئة ممن اشتغلوا  بالسياسية منذ زمن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats