الرئيسية | أعمدة الوطن | بادية شكاط - الحرية المتساوية،لأجل عدالة حقيقية

بادية شكاط - الحرية المتساوية،لأجل عدالة حقيقية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
 بادية شكاط 
 
 
وقد بلَغَ الظلم والطغيان في العالم،مَبلَغَ النور والظِّل في الأرض،صار لِزامًا البحث عن سبيلٍ لتقليم أظافر الظلم الشّرِسة،وتحقيق العدالة الحقيقيّة،بعيدًا عن شعارات جوفاء،تتصاعد في كل الأزمات كتصاعد الدخان في السماء.

ففكرة العدالة هي من أقدم القضايا الفكرية التي كثُر حولها الجدل،من أفلاطون،أرسطو،هوبز،وصولاً للمعاصرين أمثال راولز،وماجعلها صعبة التحقيق على أرض الواقع،أنها ليست فكرة مستقلة بذاتها،بل هي فكرة متداخلة الوشائج مع فكرة الحرية،فكثيرًا ماتُهدم شجرة العدالة بمِعوَل الحرية،أو يُهدَم صرح الحرية حفاظًا على عرش لاينبغي أن يكون إلا بحكم العدالة،فنلاحظ أنظمة حكم تريد البقاء على عروشها بهدم الحريات،معتقدين أنّ السلطة تُخوّلهم ذلك،فلم يعد يهمّهم غير تحقيق المنفعة التي هي بالنسبة لهم الخير المُطلَق،فصار كل حاكم لابدّ عليه أن يكون قدر المستطاع،أميرًا ميكيافيليًا مُطاع،فحَلّ في العالم الدمار والفساد،وعلا الظلم والإستبداد،
مايجعل مفهوم العدالة فضفاضًا يَضيق بكل تعريف،فأفلاطون من قرون رأى أن مسألة العدالة مسألة بسيطة،انما جعل لتلك البساطة شروطًا،فقال:"إنّ مسألة العدالة مسألة بسيطة لو كان الناس بسطاء،إنهم لايقتنعون بالحياة البسيطة،وهُم بطبعهم يميلون إلى الغيرة،الطموح،المنافسة،وامتلاك ماليس لهم،مايدفعهم إلى التنازع،وأحيانًا الحروب،وحُب امتلاك القوة والنفوذ"

وهي الطبيعة البشرية التي تناولها بشكلٍ مختلف جون جاك روسو صاحب كتاب"العقد الإجتماعي" والذي افتَتحه بمقولته المشهورة:
"وُلد الإنسان حُرًّا إلاّ أنّه مُكبَّل في كل مكان بالأغلال،على ذلك يتصوّر نفسه سيّد الآخرين،الذي لايعدو أن يكون أكثرهم عبودية".
وقصد بذلك أنّ تاريخ الإنسان ينقسم إلى مرحلتين:الأولى مرحلة سابقة على وجود الحكومة،كان فيها الإنسان بطبيعته غير مُقيَّد بقوانين وضعية،ولاخاضعًا لِغير أحكام القانون الطبيعي الفطري،ومرحلة ثانية،لاحقة،اضطر خلالها الإنسان للخروج من الحالة الطبيعية،واتّفق بني جنسه على إيجاد نظام إجتماعي يخضع فيه كلّ فرد إلى حكم المجموع،مقابل قيام المجموع بحمايته،فيتنازل عن حريته مقابل حقوقٍ يتمتّع فيها مع غيره،ويتبادل واجِبات،ضمن التزامٍ أبدي يُشبِهُ العقد،وأنّ هذا الخضوع للسلطة لايمكن أن يكون على أساس القوة،فتأسيس سلطة على أساس القتل والتدمير،ماهو إلاّ إلغاء لعقد أُسِّسَ أساسًا لتحقيق الأمن.
غير أنّ عقد روسو يشبه عِقد انفًرط عند وضعه،فليس كل خضوع لسلطة قانونية يمكن أن يُحقّق العدالة،وذلك لأنّ صاحب السلطة هو بشر خاضع بدوره لسلطات خفيّة،هي أهواؤه الذاتية،ومنافعه الشخصية،والتي يراها خير مُطلًق،فكثير منهم يرى المنفعة كما رآها نيتشه،بأنها قيمة أخلاقية،وبحث مستمر عن مصلحة الأنا،أو الأنانية،التي هي حسبه تعريف الخير،والذي لايختلف برأيه عن أنانية من يبحث عن منفعة مؤجّلة في جنة أبدية،
فهو لأجل ذلك يقيم قوانين،ولأنها غير نافعة إلا لمصالحه الشخصية،فهو لايُخضعها لانتخاب شعبه،الذي إن شاء آمن بها،وإن شاء كَفر بكل حرية،وهو مايحدث في كثير من الدول العربية،والتي تدّعي الديمقراطية،فيكبّلون الحريات لتحقيق ما لَهم مِن مآرب وغايات،وهناك سلطات حكم ذكية،تتيح لشعوبها حرية الإختيار،غير أنّ تلك الإختيارات ليست بالضرورة صالحة،ولاتحقّق الخير والمنفعة إلاّ للفئات القوية،وهو مايدعوه جون راولز في كتابه "نظرية في العدالة" حِجاب الجهل،

فكيف ستقوم لهته الشعوب قائمة أو تؤسس فيها ليبرالية حقيقية إذا كانت السلطات،كبعض السلطات العربية تجعل من المفكرين الأعداء الذين ينبغي طردهم،نفيهم ،إعتقالهم ،وتعذيبهم ،غير أنه بإمكان أي فرد أن يؤسس مملكته الخاصة فقط بوعيه بحقوقه، وعلى رأسها الحرية ،فالمفكر العبقري مالك بن نبي يوزع إشكالية التحول الليبرالي العربي إلى أبعادها الثقافية ،فرأى أن النظام الديمقراطي مشروع تربوي للشعب كله على جميع الأصعدة،وأن الديمقراطية ليست مجرد عملية نقل السلطة إلى الجماهير، والإعلان أنّ الشعب هو صاحب السيادة بموجب الدستور ،ففي الدستور الإنجليزي ـ حسب قول مالك بن نبي دائما ـ ليس هناك نص يضمن حريات الشعب البريطاني غير العقلية البريطانية الواعية بحقوقها.
فكان لزاما للملمة شعث هذا التذبذب بين الغرب والشرق هو بحث حقيقي عن فكر وسطي تحفظ فيه الحريات الفردية والجماعية ،وهذا لايتأتى إلا بالخلفية الأخلاقية ،فكما قال رائد الفلسفة النقدية كانط :" الحرية عبارة عن إستقلال الإنسان إلا عن القانون الأخلاقي ".

وبهذا نَخلص إلى أنّ الحرية تكون مُطلَقة خاصة وفردية،ماكانت بعيدة عن المَساس بالمصالح العامة،كممارسة الشعائر والمعتقَدات،حرية التعبير،والحرية الفكرية،وتكون حرية مقيّدة بقوانين يتفق عليها الجميع داخل الدولة المدنية،ماكانت تمس المجتمع عامة،فحينها ينبغي تقييد الحرية بقوانين تحرس العدالة الإجتماعية.
فالعدالة الحقيقية لاتكون إلاّ ضِلالاً لشمس الحرية

شوهد المقال 618 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اطلقوا سراح المساجين السياسيين في الجزائر .. قائمة متجددة

 ي . ب    #فكوا_العاني #فكوا_الاسير أقدم للشعب الجزائري قائمة بعض الجزائريين الذين يقضون أكثر من عشرين سنة في سجون النظام الجزائري الانقلابي، و مدينتهم،
image

المدون والناشط السياسي انور سليماني مازال يتعرض للتضييق ومحاولة اسكاته بشتى الطرق

 محمد الصادق  الحياة السياسية في الجزائر خاملة بمجتمعها الحزبي الذي إما يسير في فلك النظام أو ممارس للتصفيق على كل مبادرة تقوم بها السلطة التنفيذية ...لايحمل
image

اليزيد قنيفي ـ الجزائر ..الوجه الآخر..!

اليزيد قنيفي في ايام الشهر الفضيل أعطى الشباب المتطوع صورة رائعة ومشرقة عن المجتمع الجزائري ..بهبات وخرجات تضامنية قمّة في العطاء والانسجام وخدمة المجتمع .
image

غادل خليل ـ خليك راكض بالحلم يابني

  غادة خليل            ما ضلّ في عيوني دمعيبكيكولمّا المسا .. تنسى العشاكيف ما ناديك؟!ومين في برد العتم..يمدّ الحلم.. تَيغطّيك ؟!ويفتّح عيونه الصبح..ع الورد فتّح فيك؟  يا ريحة أرض
image

ثلاث مؤلفات عن مركزية المغرب الأوسط للباحث الدكتور عبد القادر بوعقادة من جامعة البليدة 2

الوطن الثقافي  باحث مركزية المغرب الاوسط: د. عبد القادر بوعقادة.سنكون في معرض الكتاب الدولي 2018 على موعد مع مؤلفات الأستاذ القدير عبد القادر بوعقادة-
image

فوزي سعد الله ـ عندما تُردِّد مآذن قصَباتنا ...صدى ربوع الأندلس.

  فوزي سعد الله  عندما يحين آذان المغرب لتناول الإفطار في شهر رمضان المعظَّم بألحان وأشكال متباينة أحيانا بعمق، القليل منا تسعفهم البطون ليتساءلوا عن سر
image

سامي خليل ـ انقلاب 1992 المحرقة الجزائرية وتبعاتها

سامي خليل   لا حرج في إنتقاد بوتفليقة و محيطه و ذلك ما نقوم به شبه يوميا على هذا الفضاء لكن الخطر أن يتحول هذا
image

فرحات آيت علي ـ متي ينتهي الكرنفال الذي سيدمر الدشرة ان استمر

فرحات آيت علي   كما كان منتضرا حتى من المتخلفين ذهنيا، أنهت حوكمة "غير هاك"، مشوار قانون المالية التكميلي كما كان مقررا له بإلغاء
image

فضيل بوماله ـ الموقف! تساؤلات ؟؟؟ فرنسالجزائر: بين الدبلوماسية والمركوبية؟!

  فضيل بوماله  المتابع لسياسة الجزائر الخارجية وترجمتها الدبلوماسية يلاحظ ركودا و تحولا غريبا في اتجاهاتها. كما يلاحظ تأثرها الكبير بسياسات الدول الكبرى والفواعل الإقليمية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats