الرئيسية | أعمدة الوطن | فارس شرف الدين شكري - هل دخل " الأخيار حلقة الصراع" أخيرا،بعد المحاولة الفاشلة لشعباني قبل 50 سنة؟

فارس شرف الدين شكري - هل دخل " الأخيار حلقة الصراع" أخيرا،بعد المحاولة الفاشلة لشعباني قبل 50 سنة؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

فارس شرف الدين شكري 

 

 

حين لجأ شعباني إلى "أصدقاء الثورة"، من أجل التصدّي لخيانة ممثلي ديغول غير الرسميين،وعلى رأسهم هواري بومدين، كان وحيدا وبلا أجنحة،وبلا حماية، رغم أنه استجدى هذا الشعب مرارا عبر تصريحاته،ووضع نفسه حتى موضع " لَــخديم" ، ولكن...!!! لا حياة لمن تنادي..!
كان آخر باب طرقه شعباني، ممثلَّا في الكولونيل الشاذلي بن جديد، الذي كان وطنيا نزيها فعلا، ولكن الوطنية الصادقة وحدها لم تكفه. كان شعباني بحاجة إلى وطنيين فعلا كي يحموه ويقفوا إلى جانبه، ولكن شريطة أن يكون هؤلاء الوطنيين، أذكياء وشجعان ويمكنهم الدفاع عن "جزائريتهم" بالمواقف ،لا بالكلام. والدليل على ذلك هو أنّ الذي حاكمه وخان "القضية" ذاتها،هو الشاذلي بن جديد والذي بقي من الشعب والمؤرخين الجبناء -مثل الطيب بورقعة،وبومعزة ومحساس-الذين نقلوا مغالطات "بوشلقومة" التي مفادها أن شعباني نادى بتقسيم البلد ووووو ،إلخ من أحاديث طبائع هذا الشعب الخؤون...
 

 

 

درْسُ شعباني، لم يتكرر أبدا بعدها، وربما بزغ بشكل مغاير نوعا ما مع الراحل المُغتال بوضياف لمدة قصيرة جدا سرعان ما تمّ وأدُها أيضا، وهذا البلد الذي زرعت به فرنسا أشجارها العاتية أتى أُكله من ثمار الإليزي، وارتوى حتى الثمالة، وتفرعن الأولاد الذين جعلوا من اقتصاد البلد تابعا مباشرا لأمهم فرنسا بشكل مهول، بيعت فيه ذمم الكثير من العسكر ورؤساء الأحزاب والفنانين والمثقفين، على طاولة "ربهم"، بكل توجهاتهم الإيديولوجية، ونُحرت فيه الوطنية التي ألصقت على أكتافها نياشين الخيانة والعمالة، فهربَ منهم من هرب خارج هذه الديار الموبوءة الخؤونة، وعُزل منهم من عُزل، والتزم الكثير منهم الصمت وهو يتمنى درسا متينا من العقوبة لهذا الشعب ...
لم يتعلم الشعب الدرس، ولن يتعلّم. شعبٌ يقوده المِثليون PD والمعوّقون والمرضى النفسيين الذين لا توجد ذرة جينات واحدة فيهم من جينات العربي بن مهيدي، بقدر ما ورثوه من جينات "بلّونيس"...
 

 

بعد خمسين سنة، يشعر أبناء جيش التحرير الحقيقيين، بأنه آن أوان تنظيف مؤسستهم من مخلفات أموال الفساد التي أنتجت عشرات الجنرالات الجّوطابل، وبعد أن قطعت الدول الجارة أشواطا وأشواطا في صناعة إقتصادياتها، قطعنا من جهتنا أشواطا وأشواطا في صناعة الجنرالات الجوطابل -مافيا مسلّحة،كما في جنوب أمريكا تماما-، والتي سرعان ما انهارت واحدا تلو الآخر، وبحوزتها ملفات فساد وتواطؤ وعمالة وتهريب أموال عن طريق رجالات أعمال صنعتهم هي من باب تبييض خيرات حاسي مسعود المنهوبة التي هي بحجم دول بأسرها، إلى بنوك مشبوهة أمريكية وإسرائيلية وفرنسية.

تواطأ من أجل ذلك ساسة البلد، وبانت عمالة رؤساء الأحزاب الوسخة التي كانت كلها تقريبا تابعة لجهاز المخابرات العتيق، الذي فضحته بعض البنوك السويسرية قبل سنوات، ورغم هذا، لم يحرك هذا الشعب الصّموت الخؤون أيضا ساكنا، كأن خيرات الحاسي ليست خيراته وخيرات ابنائه التي ماتت الملايين من اجلها !!! لم يتحرك القضاء بتاتا، الذي أصبح فيه رؤساء المحكمة العليا ،يغيرهم النظام مثلما يغير ملابسه الداخلية المتّسخة بعد كل عملية سرية..

مؤسسات إعلامية وجرائد مكتوية أيضا تمّ صناعتها، بعضها ممول بشكل علني،والآخر متستر في شكل معارضة شرسة أُُسِّسَت خصيصا من أجل خلق اتزان بين المخابرات والرئاسة محليا وفي العواصم الأوروبية- إتزان في الضرب طبعا، وليس في البناء ! - ،وعوض متابعة مشاريع البناء، صرنا نعيش على وقع متابعة صراع "طوم وجيري" الجزائريَّيْن، والذين يمولهم الإعلام المأجور(الشروق والنهار والوطن والفجر) ووسخ الصّناعيين (وعلى راسهم ربراب المجرم،وحداد المشتاق)...وطبعا، من ينتظر ويشاهد كل هذا هو الشعب الخوؤن التعبان...

الجبهة الثالثة تدخل الصراع أخيرا، وبعدما كان صراع أشرار فيما بينهم، صار صراعا تُخطط له ايضا قوة ثالثة، طيِّبة، سرعان ما تعاطف معها المنبوذ والمُبعد والصامت من أبناء المؤسسة العسكرية الذين كانوا يتابعون "شوشان" بكل سرية، كما كان يفعل أنور السادات مع " الشيخ إمام" المحضور في السّبعينات...

دخلت الجبهة الثالثة، وقد أخذت درسا في التاريخ ،يشبه إلى حدٍّ بعيد درس شعباني الذي كان أمله في هذا الشعب الهلوع أكبر مما يجب، معتدّة بنفسها لا غير. وبعدما فصلت جناحا من جناحَي الوسخ ، بمساعدة الجناح الثاني الوسِخ، الذي أصبح ملزما بالتعامل معها لأنه لا يملك البديل ولا الخيار أبدا، اصبح التفكير اليوم في توقيت اقتلاع ذلك الجناح دون اختلال التوازن في مركبة هذه "الجزائر" المسكينة التي حاصرتها سياسة فرنسا المُفسدة من كل الجهات ومنعتها من كل شيء: من الهواء النقي، من الاقتصاد الرفيع والرشيد، من التعليم الراشد، من السياحة المنتجة، من التسيير الرزين الذي يديره رجال يمكنهم الوقوف على ارجلهم،والتفكير بعقول جزائرية خالصة،وجعلت منها مفرغة زبالة جنوب أوروبا التي يسرح فيها الحلّوف من ابنائنا.

 

دسائس التاريخ كثيرة، وللاسف، لم يدرس أبناء هذا الشعب تاريخهم إلاّ بشكل رسمي، ومن أبجديات التعليم النقدي الحقيقي،أنّ الرسميات لا تصنع الحقيقة ابدا. في المدرسة، تربّى أبناؤنا على تاريخ البطولات الدونكيشوتية الفارغة، في المدارس الحربية،ارتقى الدونكيشوت إلى آينشتاين مضحك، سرعان ما تصدمهم لاحقا الحقيقة هذه وهم على أعتاب التقاعد، بمرارة ومنطق الخاسر الذي لا يمكنه تغيير شيء في هذا العالم...

 

لم،ولن ينتظر أبناؤنا النزهاء من المؤسسة العسكرية، أن يغير هذا الشعب مصيره، لأن ما تبقى فيه من نبض ربما تلزمه سعقة كهربائية شديدة يستعيد شبابه ورشده فيها، تنبني أساسا على السيطرة السريعة والرزينة على وسائل الإعلام، ومحاصرة المفسدين في عقر ديارهم، وبث دروس الترشيد شيائا فشيا، من اجل استعادة السيطرة على البلد،واجتناب تحريك مناطق حرجة لطالما جهّزتها فرنسا من أجل مراحل كهذه تحديدا ،هي مرحلة تحرير البلاد، تتخذ الجبال والقبلية الجاهلة وأموال حاسي مسعود سلاحا لها.
لم ينتظر شباب المؤسسة العسكرية ذلك، ولكنّ تأليب الراي العام - وهو أمر تحت السيطرة حسب ما يبدو- شيء منتظر، خاصة حين يحاول الجناح الثاني الفاسد لعب دور الفراشة التي لن تتوانى في رمي نفسها في النار من أجل نجاتها. الجناح الثاني يحاول ذلك الآن طبعا ،وهو يدرك نهايته، ولكن القطب الثالث يمنعه من ذلك، لأن القانون يمنع المجريمين من الانتحار.

 

إنّ بناء الدولة الوطنية، كان غاية ثورة نوفمبر ذاتها، وهو أمر لم نشهده لحدّ الساعة، والمرور إلى خطوة كهذه ليس بالأمر الهين ابدا، لأنه ،وبكل بساطة لم يحدث في دولة الجزائر من قبل أبدا !!،ولذلك فإن الرهان الذي حمله شعباني ، ببناء دولة نظيفة يكون فيها الشعب سيّدا،تخرج فيه فرنسا من الباب إلى غير رجعة،ونغلق فيه النافذة نهائيا عليها،حتى لا تجد اي منفذ إلى بيتنا لاحقا، يشهد اليوم عمليته القيصرية بعد خمسين سنة من الوحام والحمل المضني، وربما سيتم خلال الايام اللاحقة -دون أن نكون سُذّجا في قراءتنا،ولا متسرّعين- الإعلان أخيرا عن نوفمبر جديد، حقيقي، لا يموت فيه الرجال سدى من أجل بطولة قاتلة بلا نتيجة، كما حدث مع أجدادنا الذين خانهم التاريخ للاسف الشديد،وتغلب عليهم دهاء وخبث فرنسا. تتطلب العملية القيصرية طبعا، أدوات معقّمة شديدة الحساسية، وأيدٍ ماهرة، لا يهمها بهرج الإعلام أثناء العملية، وقراءة متينة لتاريخ خيانة المِشرط،ونافذة يدخل منها الهواء النقي فيما بعد من أجل المولود الجديد،وهو الأمر الذي يتم الاشتغال عليه بروِيّة.

لقد كان الأشرار منذ 62 أسياد الحراك والتغيير في هذا البلد، وكان الأخيار في مرماهم دوما. كان الخيِّرُون دوما محاصرين بصمت وخيانه قوافل شعبوية عاطفية، بلا عقل، وأعتقد بأنه آن أوان دخولهم ساحة الصراع، كي يعيش هذا البلد المسكين نهاية سعيدة منذ قرون طويلة لم تباركه فيها الفرحة. وأعتقد جازما بأنه لا يمكن، ولو رمزيا،تفويت فرصة الأول من نوفمبر من أجل وضع حدّ نهائي لمعاناة الوحام الطويل،والذي سيقود أشرارَ كثيرين إلى التخبّط ورمي أنفسهم بأنفسهم في النيران،كي تحترق مدينة نيرون بشر أفعالها،وحينها، سيكون لهذا الشعب المسكين فرصته التاريخية كي يعتق من آذوه - منطق مانديلا- أو الانتقام منهم -منطق الثورة البولشوفية-، ولكنني مع الخيار المانديلي، وضدّ دولة العنف والانتقام، مع الحفاظ على روح القانون المستقل تاع الصح، في اتخاذ الإجراءات التي يراها مناسبة من أجل الحفاظ على هيبة الدولة،ومنح حلم هذا الشعب حقه أخيرا في العيش في دولة وطنية حقيقة، بلا أوهام ولا أطياف أشباح.

 

شوهد المقال 2160 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats