الرئيسية | أعمدة الوطن | مخلوف عامر - قضية اللغة : لا تقديس ولا تدنيس

مخلوف عامر - قضية اللغة : لا تقديس ولا تدنيس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د . مخلوف عامر 

 إن العلاقة باللغة لا ينبغي أن تكون عاطفية، قومية كانت أو دينية. فكُلَّما احتكمنا إلى العاطفة ظهرت هذه المواقف الانفعالية المتشنِّجة وقد تصل حدَّ القذف أحياناً. وهي قد تعود في جذورها إلى أن المنتصر للعربية يرى إلى نفسه على أنه الوريث الشرعي الوحيد لِِجَدٍّ عربي، ومن واجبه أن يتغنَّى بمجده وينافح عن ماضيه. بالرغم من أنه لم يعدْ يمشي فوق الرمل الحارق حافياً أو بنعليْن ولا هو يحدو الإبل. كما لم تعد لغتُه هي السائدة كما كانت تحتضن الأعاجم من كل جنس وتستوْعب العلوم المختلفة بقدرتها على التعريب والاستعارة من بقية اللغات.

ولم يعد يكفي أن يتباهى بها المسلم على أنها أفضل اللغات، لأنها لغة القرآن وأهل الجنة وستكون اللغة الوحيدة التي يخاطب بها الحور العين دون سواها.

فليس من حق أحد أن ينظر إلى الجزائري الذي لا يعرف غير الفرنسية على أنه خارج عن الملَّة، بل من المفيد اعتباره يمثل إضافة نوعية،كما لا يصح للذي لا يعرف إلا الفرنسية أن يتوهَّم وكأنه واقف على ”برج إيفلTour Eiffel يُطلُّ من فوق على”مُعَرَّب“ غارق في مستنقع التخلُّف. لأن الانتهازية والخيانة الوطنية قد تحملها أي لغة .

إن أية لغة معرّضة للانقراض. لأن بقاءها مرهون بالاستعمال، وتطويرها يخضع للتجدُّد لمواكبة الحياة. وما لم نتجرَّد من العلاقة العاطفية، ونُخضع وضع اللغة للتشخيص العقلاني فسنفشل-لا محالة- في الاهتداء إلى الحلول المناسبة لتدرسها.

لابد من الاعتراف بأنه لا ينفع في شيْء أنْ يكون للجمل أو السيف عشرات الأسماء/الصفات. وأن السرعة المدهشة التي تتمُّ بها المكتشفات العلمية والتكنولوجية أظهرت محدودية أهل العربية في مسايرة الأحداث وعجزت المجالس والهيْئات اللغوية عن ضبط المصطلح وتوحيده واختلفت باختلاف البلدان العربية واللغات المنقول عنها.

فاللغة التي لا ينتج أهلُها علماً ومعرفة ولا يسبقون إلى الاختراع، لا يمكنهم أن يسبقوا إلى التسمية. كما هي تسمية الموْلود من حق الوالديْن. فهل تكفي اليوم أوْزان اسم الآلة التي حدَّدها العرب قديماً لاستيعاب أنواع الآلات التي ذ

لقد مرَّ حينٌ من الدهر كُنَّا فيه نواجه المكتشفات الجديدة بالقول: إنا قد وجدناها من قبل. بحيث إذا تحدَّث الناس عن الطيران بعثنا إلى الدنيا "عباس بن فرناس" وإذا تحدَّثوا عن كروية الأرض استدعيْنا(( والأرض بعد ذلك دحاها))، وإذا تكلََم"كوستو"عن المياه العذْبة والمالحة، أسرعنا إلى سورة "الرحمن: ((مرج البحريْن يلتقيان بينهما برزخٌ لا يبغيان)).

وهكذا استمرَّت الهزيمة تدفعنا إلى الماضي حتى صرنا مهزلة، نطلُّ على الحياة من كهف مظلم. فلا نستطيع اليوم أن نستعمل "الخَيَّالة" عوض السينما ولا "الرائي" عوض التلفزة كما اقترح بعض الفاهمين عبثاً.

مما يفيد العربية اليوم أن نقف على ما في طبيعتها من صعوبات لنتمكَّن من تذليلها. فما من أحد يمكنه أن يُنْكر بأن ظاهرة الشكل آفة. حيث إن وجود الصوائت(Les voyelles) خارج الكلمة في شكل حركات وسكون(الرفع والنصب والجر والسكون)، يشترط في القارئ أنْ يفهم كيْ يُحسن القراءة. وإذا غابت الحركات فإن القارئ –ولو كان يحمل شهادة عليا- سيبذل جهداً مُضاعفاً ليتقن القراءة ويدرك المعنى من خلال السياق. فأما إذا لم يتبيَّنْ ما وراء السطور فتلكم محنة أخرى. لأنه يكون- في هذه الحالة- أقرب إلى الشخص الأمي منه إلى المتعلِّم (( وتعتبر منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة،" اليونسكو" الأمي ذلك الشخص الذي لا يستطيع أن يقرأ أو يكتب بياناً بسيطاً وموجزاً عن حياته اليومية. ويُعد أمياً- من الناحية الوظيفية- كل شخص لا يستطيع ممارسة جميع الأنشطة التي تتطلب معرفة القراءة والكتابة أو يقتضيها حسن سير الأمور في جماعته ومجتمعه، ولا يستطيع مواصلة استخدام القراءة والكتابة والحساب من أجل تنميته الشخصية وتنمية مجتمعه)).[ الأمية " تفاقم المشكلة وتعثر الحلول " ٢٠٠٧ م ـ ١٤٢٨ هـ د. جمعة حجازيٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ].

يبدو أننا لم نخرج من الخلافات الكثيرة بين البصريين والكوفيين حيث كان لكل فريق منهجه في وضْع القواعد. حتى إن الإعراب كثيراً ما يتجاوز وصف ظاهر الكلمة إلى تأويلات منطقية تُعسِّر ولا تُيسِّر.

وليس خافياً أن اللهجات تزاحم العربية. وما أكثر الصيغ التي لا تُعدُّ من "الفصيح" ولكنها تسرَّبت إلى اللغة الصحفية والأدب ولا عيْب فيها. وفي الكتابة الأدبية تحديداً، قد يلجأ الكاتب إلى كلمة عامية أو مَثَل شعبي لا غنى عنه. بل إن الذين يعتبرونها عيْباً لم يستطيعوا إلغاءها وقد فرضها الاستعمال، وكما يقول"جاك سيلاَّرد" فيما معناه: إن الكلمة الأخيرة فيما يخص اللغات تعود إلى العامَّة، فعندما يخطئ تسعة أشخاص من عشرة في نطق لفظ أو في النحو، فإن العاشر هو المخطئ ولو كان أكاديمياً ، يقول: Jacques Cellard " :

(( Le dernier mot en matière de langue appartient à la piétaille. Quand neuf français sur dix font une “faute” de prononciation de vocabulaire ou de grammaire. C’est le dixième qui a tord .Fut-il académicien)) .

إذ نجد بعض الصيغ لم يكن يرضى بها المتعصِّبون، ولكنهم استسْلموا مع مرور الزمن واضطرُّوا إلى أن يبحثوا لها عن تخريجات لا تتعارض مع العربية، من ذلك مثلا: "فلانٌ كوزير له صلاحيات". ففي البداية لم يكن استعمال الكاف مقبولا، لأنها من لغة الصحافة وليس لها أصل في "الفصيح". ثم وجدوا لها مبرِّرات، وقالوا: الكاف هنا تكون للتشبيه أو التعليل أو الحال، كقولنا: ((فلان مثل وزير أو لأنه وزير أو بوصفه وزيراً)).

كما رفض كثيرون في المنظومة التربوية استعمال مصطلح " التقييم" بحجة أن جذر(ق-و-م)، يُشتقُّ منه (التقويم) لا التقييم. لكن التقويم لغةً يتضمَّن وجود اعوجاج ما يستدعي الإصلاح. بينما ليس ذلك شرطاً دائماً بالنسبة للتقييم بمعنى(évaluation) والذي هو مسار بيداغوجي يتضمَّن عدَّة خطوات فيها: ((وسائل التقدير ومواطنه ووحداته ونتائجه ومواطن التعديل ووسائله). علماً بأنه من صميم العربية كقولنا "قيمة" وفي القرآن(قيِّماً لينذر بأساً شديداً). ولأن مصطلح التقييم ارتبط ببيداغوجيا الأهداف وهي طريقة في التعليم والتعلُّم لم نكتشفها.

إن ما يجب أن يفكِّر فيه الذين يسعوْن حقاً إلى خدمة العربية، إنما هو البحث في كيفية معالجة بعض الظواهر اللغوية التي من شأنها أن تعيق اللغة على أن تصبح وسيلة للعمل وكسب المعرفة ومسايرة التطور، من ذلك: عيْن الفعل التي لا ضابط لها. فهل نختار أن نقول : يأمُل أم يأمَل، كذَب أم كذِب، العَلاقة أم العُلاقة أم العِلاقة؟ هل نحرص على ”أم“ بعد همزة التسوية لأن الآية تقول: (( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ)) أم أنه لا مانع من استعمال“أو“؟ هل نتساهل في كل ذلك مادام المعنى مفهوماً، أم نتشبَّث بما نطق به عربي في شبه الجزيرة العربية منذ قرون؟

والثابت أن التفاعل بين العربية والعامية قائمٌ وهو في تزايد مستمر. إنما عندما يتعلق الأمر باستثمار الدارجة، فالمطلوب أن يخبرونا عن كيفية استثمارها بيداغوجياً، لا أنْ يكتفوا بإطلاق صرخة عامة في الفضاء تتلقَّفها التجاذبات السياسية لتجعل منها رصيداً تجارياً.

وإليكم هذه الفقرة من كتاب السنة الأولى من التعليم الابتدائي بعنوان: (عائلة رضا):

(( كانت منى تلعب مع جدِّها وجدَّتها عندما دخل رضا مع أبيه وأمه فرأت محفظته الجديدة وقالت:

محفظتك صغيرة، ومحفظة ماما كبيرة

قال رضا: لأن أمي معلمة

منى: بل أنت صغير

رضا: لا أنت الصغيرة، لقد اشترى لك أبي دمية تلعبين بها.

منى: سألعب مع جدي وجدتي)).

أوْردتُ هذه الفقرة لأناشد الذين يريدون استثمار العامية أن يدلُّوني فيها على كلمات بعيدة عن محيط الطفل(عائلة-الأب –الأم-الجد- الجدة-كبيرة –صغيرة-دمية..الخ). ثم إن واضعي الفقرة قد اختاروا اسميْن مقصوريْن (رضا ومنى) كيْ لا يجد الطفل صعوبة في النطق بهما، ممَّا لو كان مجبراً على إظهار الحركة في آخر الاسم.

فإذا كان المقصود هو أن يستعين المعلِّم بالدارجة عند الضرورة، فهذا ما هو معمول به منذ وُجدتْ المدرسة، وإذا كان الغرض أن يتحدَّث بدارجة خالصة- ولا ندري أية دارجة يقصدون- فهذا ممَّا لا يساعد على تعلُّم أية لغة، فأما إذا كان الهدف أن يكون الحديث بالعامية وأنْ تُحرَّر النصوص في الكتب بالعامية أيضاً ، فهذا يعني إحلالها محلَّ العربية الرسمية، وهو ما نفَتْه السيدة وزيرة التربية.

وفي تقديري-أخيراً- أن كثيرين ممَّن ينادون بدعم العربية بالعامية لا يعرفون العربية أصلاً، وأشك في أنهم قادرون على تحديد الدارجة التي يريدون، فهم –حتْماً- لا يدركون مدى القرابة الموجودة بينهما.ثم إن ما أراه غالباً في كل الأطوار- ونظراً لتدنِّي المستوى إلى درجة مخيفة- إنما هي العامية لا العربية الرسمية.

 

شوهد المقال 1385 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

الثمن الباهظ

الثمن الباهظ شباب في سجن وكلاء الاستعمار دولة مدنية ماشي عسكرية جزائر جزائرية حب من حب وكره من كره 
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats