الرئيسية | أعمدة الوطن | جباب محمد نور الدين - “الإسلام يخوض المعركة الأخيرة نحو العالمية”

جباب محمد نور الدين - “الإسلام يخوض المعركة الأخيرة نحو العالمية”

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

الدكتور جباب محمد نورالدين  لـ”الخبر 


الإسلام يخوض المعركة الأخيرة نحو العالمية
قال الدكتور جباب نورالدين ، أستاذ الفلسفة بجامعة الجزائر 2، إن الخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا كما يشاع في الغرب، يعود إلى كون الإسلام قد تحدى الحداثة الغربية في أحد جوانبها. وأضاف جباب، في حوار مع “الخبر”، أن الإسلام أعاد الحديث على أوسع نطاق عن المسكوت عنه داخل هذه الحداثة، وضغط على الجرح القديم الذي تعاني منه.
كيف تفسرون عودة موجة الإسلاموفوبيا في فرنسا، خصوصا منذ قضية “شارلي إيبدو”؟
 الإسلاموفوبيا تخفي إشكالية كبيرة ومزدوجة، على مستوى الآخر وعلى مستوى الذات، الآخر لم يفصح عن الأسباب الحقيقية التي جعلته يخشى الإسلام، ونحن أبناء الإسلام لم نحسن فهم الأسباب الحقيقة الكامنة وراء هذا الخوف، ما جعلنا نسير في وجهة غير صحيحة نتج عنها تفسير غير صحيح. هنا ينشأ سؤال استفهامي كبير، لماذا يخشى الغرب الإسلام، وهو يعلم أنه غير قادر على تحدي الحداثة الغربية، علميا وتكنولوجيا واقتصاديا وعسكريا؟ ما يعني أن هناك أسبابا أخرى جعلت الغرب يخشى الإسلام، ذلك يتطلب منا أن نفتش عنها بصبر وطول بال، كما يتطلب تضافر الجهود، لأنها عميقة ومتنوعة تتصل بالإسلام وبالحداثة الغربية.
إن الخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا كما يشاع، يعود إلى كون الإسلام قد تحدى الحداثة الغربية في أحد جوانبها، وأعاد الحديث على أوسع نطاق عن المسكوت عنه، داخل هذه الحداثة وضغط على الجرح القديم الذي تعاني منه. الإسلام أعاد إلى الغرب ذلك المنفي، ذلك المطرود، أعاد الله إلى قلب أوروبا معززا مكرما، بعدما كانت تعتقد الحداثة أنها حسمت المعركة معه، وانتهى أمره وأصبح من مخلفات الماضي، وذلك عندما أعلن “نتشيه” عن موت الله وسقوط المطلق وحل الإنسان محله بوصفه محور الكون والقيمة المطلقة في الوجود. هذه الروحانية الإسلامية تتوافق مع “المراجعات” التي تقوم بها حداثة اليوم، التي تراجع نفسها بشكل كبير وحاسم، فهي اليوم توجه نقدا إلى عقل عصر الأنوار، كما توجه نقدا قويا وملفتا إلى العلمانية التي انحرفت عن مسارها وحادت عن مهمتها، بوصفها آلية سياسية، لتنظيم الحكم، فتحولت إلى مسألة انطولوجية، تشن حربا لا هوادة فيها على الله، وتسعى إلى إفراغ الكون من مضمونه الميتافيزيقي، فكانت لها تداعيات كبيرة وخطيرة داخل الغرب على مستوى الفرد والمجتمع، ما جعل الكثير من الفلاسفة يدقون ناقوس الخطر، في طليعتهم الفيلسوف الكبير وأحد أقطاب مدرسة فرانكفورت “هابرماس”.
ماذا يحدث في فرنسا اليوم؟
 اليوم أوروبا وفرنسا بشكل خاص، بوصفها منشأ العلمانية، تشهد مراجعة تاريخية جادة وعميقة داخل المخابر العلمية والأوساط الأكاديمية، تقودها نخب حقيقية، بعيدا عن ضجيج وسائط الإعلام الشعبية، وتهريج السياسيين، حيث بدأت تعيد النظر في الموقف من القرون الوسطى الأوروبية التي بدت لها أنها لم تكن ظلامية كما صورتها سابقا. هذه المراجعة التاريخية للقرون الوسطى، من أهدافها الأساسية إعادة التأسيس من أجل المصالحة التاريخية مع الدين.
هذا الموقف الفكري الجديد والقراءة الجديدة للتاريخ والمصالحة مع الدين لم تفوته الأنتليجنسيا اليهودية، فانخرطت فيه بشكل ذكي وعلمي وهادئ وواعٍ ومدروس، لكي تجعل اليهودية جزءا تكوينيا من بنية الفكر الغربي. في هذا السياق، يجب القراءة لأحد الفلاسفة اليهود المحبب كثيرا عند بعض الجزائريين، وهو “جاك دريدا” الذي يعي يهوديته جيدا، فجعل نصب عينيه على الصعيد الفلسفي، تفكيك الميتافيزيقا الغربية، وهو يهدف من وراء ذلك إلى إعادة تركبيها بعد إضافة عنصر جديد لها، وهي اليهودية تحت مسمى الاختلاف والمختلف، لذلك يجب ألا نستغرب لما نشهد ذلك المصطلح الجديد الذي قفز إلى مقدمة الحياة الفكرية في الغرب، الذي بدأت تتبناه الكثير من المراكز العلمية والمنابر الجامعية، وحتى وسائل الإعلام، وهو مصطلح الحضارة المسيحية اليهودية، بعدما كنا نتحدث عن الحضارة الغربية. ضمن هذا السياق الفكري والتحولات التاريخية الكبيرة المنتظرة داخل الغرب، يجب النظر، كما أرى، إلى الصراع بين الغرب والإسلام الذي يسعى أن يكون هو الآخر جزءا تكوينيا لتاريخ وثقافة الغرب، وهذه معركة فكرية كبيرة وحاسمة، لأنها تؤسس لمرحلة جديدة ومختلفة في تاريخ الإسلام.
لكن لماذا يستثنى الإسلام من هذه المصالحة التاريخية كما سميتها؟ لماذا هذه الإسلاموفوبيا؟
 سأجازف فكريا وأستبق النتائج، وأقول إن الإسلام يخوض معركته النهائية والأخيرة والحاسمة نحو العالمية. إن الإسلام الذي بدأ دينا عربيا خالصا، توسع ليشمل أجزاء أخرى واستطاع أن ينشر معتقداته ومُثله العليا خارج محيطه، في الصين، في إندونيسيا في أوروبا البلقانية، في شمال شبه الجزيرة الهندية، وفي روسيا وفي إفريقيا السوداء، واليوم يريد أن يكمل مسيرته نحو قلب أوروبا. الإسلام في أوروبا اليوم لم يعد وافدا ولا مهاجرا إليها، لقد نبت وترعرع في أرضها، وأصبح جزءا لا يتجزأ منها، وهو يقود اليوم معركة الاعتراف التي سوف تطول وسوف تعرف الكثير من الصعوبات، وفي نهاية المطاف سوف يصبح الإسلام دينا عالميا، لكن ليس بالمعنى الذي يتمناه الكثير من المسلمين، الذين يتحدثون عن أسلمة أوروبا ودخولها في دين الله أفواجا، أوروبا لن تصبح مسلمة، إنما الإسلام سوف يصبح دينا أوروبيا، وهذا يخدم الإسلام والمسلمين الحقيقيين، لأن ذلك سوف يضفي عليه الصبغة الحداثية والعقلانية والتنويرية التي عجزنا نحن المسلين عن تحقيقها. لكن الإسلام لن يقطع تلك الخطوة التاريخية بين عشية وضحاها، لأننا نتحدث عن حركة تاريخية وتحول تاريخي، وليس عملا سياسيا ظرفيا، لذلك سوف يستمر هذا الصراع حينا من الدهر، لأن درس التاريخ يعلمنا، أنه لا توجد حركة تاريخية كبرى نقية وصافية ولامعة، سوف تستثمر الكثير من الإفرازات السلبية، في عملية الاستقطاب التي تنتجها مسيرة الإسلام. وما يزيد المسألة تعقيدا وتشابكا، كون الإسلام يعاني من محنة مزدوجة تتصل به، كدين يعاني من أزمة تاريخية، وبالآخر الذي لن يقبله كما هو، والذي سوف يطالبه بتعديلات حاسمة على بنيته ومراجعة شاملة ونقدية لتاريخه.
هناك محنة مزدوجة، ألا يتطلب ذلك مزيدا من الشرح؟
 نعم، محنة تاريخية كبيرة على صعيد الذات والآخر، على مستوى الذات يعيش الإسلام تأخرا تاريخيا كبيرا، وفي جوانب كثيرة منه، ينتمي إلى العالم القديم ومقطوع الصلة بالعصر. هذه الجوانب القاتمة والمظلمة التي ينطوي عليها الإسلام، هي التي يرفضها الغرب ولن يقبل بها، وسيظل يقاومها إلى حين يتم تعديلها لأنها تتعارض مع مثله العليا. 
المعركة بهذا المعنى ليست ضد الإسلام كدين، هكذا بشكل مجرد ومطلق، كما يحاول البعض تقديمها، لأن الغرب يملك الوعي والذكاء، ويعلم أن الإسلام أصبح جزءا من الجغرافيا الغربية، ولا أحد يستطيع اجتثاثه من هذه الجغرافيا، إنما الغرب اليوم يتصدى للإسلام التاريخي، الإسلام المكرس تاريخيا، وهذه المسألة يتعذر تناولها في أسطر معدودات فذلك يتطلب وقفة خاصة. أشير بإيجاز إلى أن أوروبا، بوصفها ثقافة تاريخية وحضارة كبرى، ترى نفسها نموذجا لكل الإنسانية، ومركز العالم وسقف التاريخ، فهي لا تقبل وليس من السهل أن تقبل نموذجا أدنى منها. كما أن الإسلام بوصفه حضارة تاريخية وثقافة عريقة صمدت في وجه الماركسية كما الليبرالية، لن يستسلم ولن يضعف أمام تصور أوروبا الذي يراه غرورا وغطرسة ومركزية أوروبية وعنصرية ثقافية، وسيذكِّر أوروبا بأن ثقافته وفلسفته لعبت دورا كبيرا في صعود أوروبا، كما سيذكرها أن للتقدم مشارب كثيرة ودروبا مختلفة، قد لا تكون أوروبا أفضلها.

 
في مداخلة لجريدة الخبر الجزائرية  حول تسونامي الإسلاموفوبيا يضرب اوروبا

شوهد المقال 2170 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن
image

جيجيڨة براهيمي ـ بين الكونغرس الأمازيغي والجامعة العربية / الفصام الجغرافي والنكوص التاريخي العابر للكركرات بالصحراء الغربية.

د. جيجيڨة براهيمي بين هذا وذاك يعيش بعض الجزائريين أوهامهم بالاحتماء وبالانتماء . فريق باسم الأمازيغية يوالي المغرب بحجة احتضانه للكونغرس العالمي الامازيغي بالرباط؛
image

شكري الهزَّيل ـ جيش التنسيق الفلسطيني الى اين؟!

د.شكري الهزَّيل الغابة الفلسطينية تتسع ووراء كل شجرة تختبئ غابة أخرى من الاحاديث والاقاويل والمجموعات والملتقيات والنقاشات الى حد أصبحت فيه الخيانة الوطنية العلنية مجرد وجهة
image

محمد بونيلرسالة مفتوحة إلى السيد وزير المجاهدين..."في الجزائر الجديدة"!

محمد بونيل في صبيحة هذا اليوم الأحد 22 نوفمبر 2020، أفتح قوس (لهذا الشهر رمزية عظيمة، ففي الفاتح من شهر نوفمبر من عام 1954،
image

خديجة الجمعة ـ طال الغياب

خديجة الجمعة   هناك أعاصير في القلب فجرتها في لحظة انهيار. وتاهت مني الكلمات، فلم أجد أمامي إلا لوحة وألوان وأصبحت حينها كالمجنونة ارسم لكن ، هذه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

4.00
Free counter and web stats