الرئيسية | أعمدة الوطن | جباب محمد نورالدين - إدانة الزغاريد أخطر من إدانة الاعدام بالرصاص

جباب محمد نورالدين - إدانة الزغاريد أخطر من إدانة الاعدام بالرصاص

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.جباب محمد نورالدين 

كلنا تابعنا قضية الشاب الموريتاني الذي حكمت عليه المحكمة هذه الأيام بالإعدام رميا بالرصاص ،وبعد نطق الحكم، مباشرة تعالت زغاريد النسوة من داخل قاعة المحاكمة مرفقة بتكبير الرجال، ثم تواصل الاحتفال بحكم الإعدام خارج أسوار قاعة المحكمة وانتشر الفرح في شوارع الشقيقة موريتانيا وراحت السيارات تجوب الشوارع تعلوها الرايات وزغاريد النسوة التي لم تنقطع فرحا وابتهاجا بالنصر المبين على الكفار و الملحدين. 
الشاب الموريتاني حُكم عليه بالإعدام على اثر مقال نشره، بدا للعدالة الموريتانية يحمل إساءة للرسول محمد عليه السلام، ثم استخلصت العدالة الموريتانية أنه كُفر بواح وإلحاد صريح لا لبس فيه ولا غبار عليه.
من اطلع على المقال البسيط جدا لا يجد فيه أي جديد ،كما لا يجد فيه جملة واحدة أضافها الشاب الموريتاني. المقال من بابه إلى محرابه ، شذرات أخذها من كتب التاريخ عن وقائع كلنا نعرفها وهي جزء من ثقافة عامة المسلمين وليس خاصتهم بل حتى أطفال المسلمين يعرفونها ويعرفون تفاصيلها في مقررات مدارسهم الابتدائية، من منا لا يعرف عزوة بدر التي نحتفل بها كل سنة، ومن من لا يعرف عزوة أحد ومن منا لا يعرف قول الرسول مع الأسرى لما خاطبهم قائلا: يا معشر قريش ماذا ترون أني فاعل بكم ؟قالوا خيرا، أخ كريم وابن اخ كريم فقال اذهبوا فأنتم الطلقاء . ومن منا لا يعرف تاريخ خالد بن الوليد، ومن منا لا يعرف تاريخ هند وتاريخ العبد الحبشي وحشي قاتل حمزة عم الرسول.
ذاك هو مقال الشاب الموريتاني الذي حوكم بسببه بالإعدام رميا بالرصاص ،فقط هذا الشاب قام بمقارنات بين هذه الوقائع التاريخية في إطار ما سماه الفرق بين الدين و التدين، ما جعله يستخلص أن التدين ،كما رأى، يتأثر بالقبيلة وصلة الدم والقربى، وقدم امثلة على ذلك من خلال أحداث متشابهة، لكن الاحكام كانت متباينة نتيجة تأثرها بالانتماء القبلي وصلة الدم و العرق مثل خالد بن الوليد الذي نكل بالمسلمين لكن بعد إسلامه اطلق عليه الرسول اسم سيف الله المسلول بينما العبد الحبشي وحشي وقياسا بالمماثلة كان يجب ان يسمى رمح الله المسلول بعد دخوله الإسلام وتسديداته القوية في ومعارك المسلمين، لكنه ظل مجهولا لأن لا قبيلة ولا سند له، ثم أضاف الشاب الموريتاني ان الرسول الذي سمى خالد بن الوليد سيف الله المسلون وقربه منه في ذات الوقت طلب من العبد حبشي بعد دخوله إلى الإسلام ان يغرب عنه ولا يريه وجهه .
هذه الوقائع التاريخية حقيقية ومؤكدة ذكرتها كل المصادر التاريخ وكتَّاب السيرة النبوية ،لكن العدالة الموريتانية عدتها مسا خطيرا بشخص الرسول و التشكيك في نزاهته فوجب تسليط حكم الإعدام.
من يتابع الشأن الموريتاني يكتشف أن ما قمت به المحكمة هو تلاعب بالدين في إطار التجاذب بين النظام و المعارضة راح ضحيتها شاب بريء.
لكن ما شد انتباهي أكثر ،التعليقات التي راحت تدين الشعب المتخلف و الجاهل والرخيص الذي" يستاهل" الضرب على مؤخرته لأنه يشجع القتل و القتلة.
ولن يطول الوقت ونقرأ مقالات يدبجها من يطلقون على انفسهم صفة النخبة يدينون فيها الشعب اللاهوتي السلفي الرجعي ،فاقد البصر والبصيرة الذي يساق بعصا واحدة مثل القطيع، ثم يذيلون مقالاتهم يعلنون فيها أنهم يتبرؤون وينفضون أياديهم من الشعب، هنا على يد الصفوة الراقية تنقلب الجدلية ويصبح الضحية جلادا 
في هذا الموقف يصبح دور النخبة اخطر من دور القاضي الذي حكم على فرد، بينما هم حكموا على شعب بأكمله ومن ورائه أمة كاملة، والأخطر من ذلك كله جعلوا من الفكر سياطا من أجل جلد الشعب بدل ان يجعلوا منهم وسيلة لإنتاج المعرفة لفهم الشعب .
إن تلك المرأة التي اطلقت زغرودة دوت عاليا قاعة المحكمة ، وكل الذين احتفلوا وابتهجوا بحكم المحكمة، هم ايضا ضحايا لا يختلفون عن ذلك الشاب، هم ضحايا تراث مغشوش ظل على مدار أزيد من اربعة عشر قرنا يعشش في رؤوسهم حتى اعتلاها الصدأ من جميع الجوانب 
كما ان هذا الموقف يؤكد أن الجماهير هي الحامل الحي للتراث تستطيع توظيفه بطريقة مزدوجة ،تسطيع ان تجعل منه أداة تحرير كما تجعل منه اداة تدمير ،اثناء الثورة الجزائرية تحولت مفردة" الله أكبر" إلى قوة مادية كفاحية هائلة ، بينما اليوم في المحكمة الموريتانية تحولت نفس المفردة إلى وسيلة لقتل الأبرياء . 
إن الدرس الكبير الذي نستخلصه من هذه الحادثة وغيرها المشابهة ،أن المعركة اليوم مع التنوير وليس الإلحاد، مع تنوير الجماهير والرفع من مستواها الثقافي والحضاري و الاهتمام بحياتها في جوانبها المختلفة، أما اولئك الذين يتقعرون بإلحادهم الفج فهم يقدمون الهدايا تلو الهدايا إلى لحركات الأصولية لأن الجماهير على امتداد العالم العربي غير قادرة، ضمن شروطها التاريخية،على مناقشة فائق الطبيعة التي تظل دعوة نخبوية لا تهم الشعوب لا من قريب ولا من بعيد .
 

 

شوهد المقال 1743 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات
image

سعيد لوصيف ـ لديّ حلم... (عن نصّ مارتن لوثر كينغ بتصرّف) I HAVE A DREAM ، في الذكرى 28 من اغتيال سي الطيّب الوطني أعيد نشر حلمه وحلم الجزائريين والجزائريات

د. سعيد لوصيف   قبل ثمانية وخمسين عاما، أعلن الجزائريون والجزائريات بالبندقية والشهادة بيان التحرير من ويلات الكولونيالية والاستعمار. كان ذلك اليوم التاريخي
image

وليد عبد الحي ـ دونية السياسي في الحوار الحضاري(2)

 أ.د.وليد عبد الحي  تنطوي المنظومة المعرفية الغربية على بعد معرفي تشكله البيانات والمختبرات واستنتاجات البحث النظري والميداني،وتستند هذه المنظومة إلى شبكة مفاهيمية(conceptual) تتوارى خلفها
image

مريم الشكيلية ـ حديث في مقهى الورق

مريم الشكيليه ـ سلطنة عمان  قالت له : أكتبني حين تكون متوحدا بذاتك...حين يأخذك الحنين إلى مسافات لا حدود لها...أكتبني حين أغادرك وامحو آثار وجودي من

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats