الرئيسية | أعمدة الوطن | جباب محمد نورالدين - من حقهم الدفاع عن امتيازاهم ،لكن ليس إلى حد احتقار شعبهم

جباب محمد نورالدين - من حقهم الدفاع عن امتيازاهم ،لكن ليس إلى حد احتقار شعبهم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

د.جباب محمد نورالدين 

 

 

 

على أثر الهوشة الأخيرة بين رجل الدين الذي اتهم الكاتب الصحفي بالعمالة لفرنسا وشاطره في ذلك الكاتب رشيد بوجدرة ،سألت شابة على صفحها وقالت من منكم لا يحب باريس؟ سؤال الشابة عام تختلط فيه أشياء كثيرة تتطلب التوضيح و الفرز ، وجوابي كالتالي:
أنا أحب باريس وأحب اللغة الفرنسية وأحب الثقافة الفرنسية وأحب الحضارة الفرنسية ، لكن يستلزم التفرقة وبقوة، بين باريس، اللغة الفرنسية والثقافة الفرنسية و الحضارة الفرنسية، باريس الفن والجمال و العطر الفواح و البعض يضيف الكونياك و النساء الجميلات ، وبين أن يكون الإنسان فرانكوفون و فرانكوفيل وفرانكومان .
المعركة في الجزائر التي واكبتها منذ السبعينيات لم تكن مع باريس الثقافة والحضارة ،ولا مع الفرانكفوني صاحب الثقافة الفرنسة الأصيلة إضافة إلى ثقافته الأصلية ،ولم تكن مع الفرانكوفيلي التي تعني المحب ،حد الولع و الهيام ، للغة والثقافة الفرنسية ،كما لم تكن مع "الفرانكومان" الذي تحول حبه و ولعه وهيامه باللغة الفرنسية إلى حالة مرضية مستعصية .
المعركة في الجزائر لم تكن كذلك ،لم تكن مع هذه النماذج الثقافية وهذه الأصناف من المثقفين، لقد كانت معركة يقودها من يحسنون بعض اللغة الفرنسية ضد اللغة العربية. أقول من يحسنون بعض الفرنسية لأن الفرانكفوني الحقيقي الأصيل المطلع على اللغة الفرنسية و الثقافة الفرنسية و الحضارة الفرنسة العريقة لا يطاوعه عقله ولا يسمح له بالتهجم على لغة أخرى وثقافة أخرى.
على سبيل المقارنة في الشقيقة مصر يوجد بها أكثر من 7 آلاف فرانكوفون بالمعني الدقيق للكلمة فلا تسمع احدهم يتهجم على اللغة العربية، إنما تكفلوا بهمة الترجمة ونقل الثقافة و الحضارة الفرنسية إلى اللغة العربية من أجل تطويرها و إغنائها وإثرائها وفتح نافذة واسعة على الثقافة العالمية 
كما أن فرانكوفون بلاد الشام في طليعتهم العرب المسيحيين قاموا بثورة حقيقة داخل الثقافة العربية 
لأن هؤلاء القوم ورائهم تراكم حضاري عريق لذا كانوا يواصلون تقليدا حضاريا عريقا. 
أما من يسمون عندنا خطأ ب "الفرانكوفون" فلم يكن بمقدورهم التعريف بالثقافة الفرنسة والحضارة الفرنسية لأنهم يعانون عجزا وقصورا مزدوجا، فهم من جهة غير مطلعين على عمق الحضارة والثقافة الفرنسية، ومن الجانب الآخر فهم وحيدي اللغة يجهلون لغة شعبهم 
لقد تحول ذلك الجهل إلى موقف ايديولوجي وهجوم عنيف على اللغة العربية وهنا ينشأ سؤالا: لقد كان بإمكانهم مواصلة الكتابة باللغة الفرنسية ويتركون اللغة العربية وشأنها ولا يلتفتون إليها ولا يعيرونها أدنى اهتمام فلماذا هذا الهجوم ؟ لقد ذهب البعض في عدائه بعيدا حيث عدها لغة ميتة ثم راحوا يقترحون على الشعب الجزائري ،دون أن يكلفهم بهده المهمة ما سموه" اللغة الجزائرية" وهم يعترفون ان هذه اللغة لم تتبلور بعد وهي في طور التكوين التي هي هجين من عدة لغات ولهجات على شاكلة " أعطيني قهوة بيان سيري " وقهوة بيان دوزي " و"سيري بيان السانتورة" و " فارمي الباب يا واحد الفاطشة الخامجة " إن" اللغة الجزائرية " المقترحة سوف تنتهي بالشعب الجزائري وتجعل منه شعبا معوقا فكريا ، شعبا "عقونا" عاجزا عن الكاتبة و التفكير 
انهم ينطلقون في دفاعهم عن" اللغة الجزائرية" من مماثلة غير منطقية وغير علمية تفصح عن جهل حقيقي فهم يعتقدون أن هذه " اللغة الجزائرية" سوف تتبلور مثلما تبلورن اللغات الأوروبية عن اللغة اللاتينية التي أصحت لغة ميتة ،كذلك في نظرهم اللغة العربية أصبحت لغة ميتة ما يستلزم إخراج الحي من الميت ، والحي هنا هي" اللغة الجزائرية" . وهم يجهلون ان اللغة العربية الراهنة هي لغة عالمة وعالمية لأنها تبلورت من عدة لغان و لهجات سابقة عنها . كما ينسون أن اللغة العربية وراءها أكثر من 300 ميلون ناطقا بها ولا يضرها إن يتنكر لها بعض الجزائريين .
نعود إلى السؤال لماذا هذا الهجوم على اللغة العربية ؟لماذا لم يتركونها وشأنها؟ لماذا يقترحون بديلا لها سموها "اللغة الجزائرية " إن التفسير، إن الإجابة على السؤال سهل وبسيط وبديهي ،إنها المصالح والامتيازات ،إنها اللغة الفرنسية التي هي سلطة حقيقية في الجزائر لاتزال تعيد انتاج النخب المسيطرة وهي المصدر للكثير من الامتيازات الاجتماعية الاقتصادية ومنبع الكثير من الخيرات و الرفاهية ولهذا فإن الدفاع عن اللغة الفرنسية هو دفاع عن الوضع القائم عن المصالح والامتيازات .

 

شوهد المقال 1558 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

الجزائري في 01:57 24.12.2014
avatar
صدقت، وأصدقت.. لا فُضَّ فوك- بارك الله فيك .. تحليل جميل

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا
image

عثمان لحياني ـ يأتي الشهداء..يصمت الجميع

 عثمان لحياني  عندما ذهب الزعيم نلسون مانديلا في أول زيارة له الى باريس عام 1994 ، كان أول مطلب قدمه هناك ، استرجاع رفاة سارتجي
image

عبد الباقي صلاي ـ للاستطاعة ... حدود !

عبد الباقي صلاي في تجربة أجرتها نخبة من العلماء الباحثين حول قدرة النملة التي ضحك سيدنا سليمان عليه السلام لجرأتها، وصبرها ،وحرصها الشديد على
image

فارس شرف الدين شكري ـ بسكرة ليست العاصمة ..الناس تموت مشتاقة شربة ماء

د. فارس شرف الدين شكري  الرجاء تعميم النشر لو سمحتم، لأن الأمر يتعلق بحياة أفراد بسكرة ليست هي العاصمة يا الربّ العالي :  استلمنا نتائج تحليل
image

طارق السكري ـ ما الذي يدفعنا لأن نتأمل نصاً جمالياً وآخر ؟

 طارق السكريإنها حاجة النفس إلى التعبير عن مكنوناتها ، وتلمس أعماقها ، والكشف عن أبعادها ، والتلذذ بما يضفيه النص من جمال يثير فيها
image

أحمد عبد الحسين ـ رسالة في انطباق الشفتين

 أحمد عبد الحسين    قبل ثلاثين سنة قال لي شيخي في قمّ إن الميم هو حرفُ الحقيقة الآدمية، قال: انظرْ إلى تأخّره في آدم ثم
image

طيبي غماري ـ في محاولة الرد على دعوى دراسة تمرد الجزائريين على إجراءات الحجر الصحي سوسيولوجيا

 د. طيبي غماري يضع هذا المطلب علماء الاجتماع أمام المحك، حيث سنجد أنفسنا اذا ما اردنا استجابة صادقة مضطرين إلى إبراز علم اجتماع حقيقي لدراسة
image

ناصر جابي ـ الجنازة كلحظة سياسية مركّزة في الجزائر

د. ناصر جابي  علاقة السياسة بالجنازة والمقبرة والدفن، وبالتالي بالموت في الجزائر من أغرب العلاقات. هذا ما يخبرنا به تاريخنا السياسي في عديد مراحله،
image

رشيد زياني شريف ـ عودة حمالات الحطب لتحقيق ما فشلوا فيه أثناء الحراك

د. رشيد زياني شريف   كلكم لاحظوا عودة حرب الأيديولوجية، من نفس منابر الكراهية، التي عشناها وذقنا علقم صنيعها في التسعينات، وتقوم هذه الوكالات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats