الرئيسية | أعمدة الوطن | اسماعيل القاسمي الحسني ......... حتى عيسى ابن مريم قد لا يصدق فضيلة الشيخ

اسماعيل القاسمي الحسني ......... حتى عيسى ابن مريم قد لا يصدق فضيلة الشيخ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

اسماعيل القاسمي الحسني

 

حتى لو كان أعلم الناس على وجه الأرض و أفقههم، حتى لو رفع صوته عاليا من أعلى مقام منبر رسول الله (ص)، و هو يبرء ساحة التكفيريين من كل جرم، بل حتى من اللمم كما وصفهم بالملائكة التي لن تسيء بأي حال من الأحوال للعدو الإسرائيلي، حتى لو أقسم بالله العظيم أن هؤلاء خير قرون الأمة كما يروج لهم، باختصار شديد و بكل وضوح لن أصدّقه و أكذب ما رأيت عيني و شهدت عليه بنفسي، دون حاجة لأن أقدم اعتذارا له و لكل من تبعه في هذا.

 لست أعني هنا الشيخ لشخصه، و قد بات المرجعية الأولى لدى شريحة واسعة من الجماعات المسلحة، تبرر بفتاويه و مواقفه  و شحنه و تجييشه القتل في معظم بلاد المسلمين، و إنما أوجه الخطاب لكل من يصدق ذلكم الخطاب المنفصل عن الواقع، ثقة منه في علم الشيخ و صدقه و مكانته، و أذكر أن الكاتب لا يحمل لهذا الرجل أي خلاف شخصي أو عقائدي، لا يجمعني به إلا هذا الدين و هذه الأمة، غير ذلك لا يعنيني في شيء البتة، فحمدا لله أن الرسول الذي نؤمن به هو سيدنا محمد (ص) خاتم النبيين و لا أحد بعده، عرفناه قبل أن يكون هناك شيء اسمه الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

 ما دعاني لكتابة هذا المقال المطول معتذرا مسبقا للقراء، ليس للتهجم على شخص ما، و لا من باب ترف الكتابة، إنما هالني و أفزعني موقف جيل من الشباب الجزائري، ولد في ثمانينيات القرن الماضي و تسعينياته، لم يشهد حقبة العشرية الحمراء، و ملخصه اتهامنا و نحن نرفض بشكل قاطع الانسياق وراء المجموعات المسلحة فضلا عن أي دعم يوجه لها و يغطي عن جرائمها البشعة، بأننا مجرد عملاء لنظام الحكم في سوريا، و أننا قوم تبع نردد ما يكيله حزب الله "الشيعي" من تهم باطلة للمجاهدين في سبيل الله، و كل ما يتناسل بطرق غير شرعية من هذه الآراء المريضة، و التي تقوم أساسا مع الأسف على الجهل بما مرت بالشعب الجزائري، من تجارب دموية بالغة الوحشية.

 الكاتب من مواليد فجر الاستقلال، ما بين عامي 1988-2000 كان شابا مكتمل العقل و الوعي، حينها لا وجود لتنظيم القاعدة و لا يعرف الشعب الجزائري شيئا عن الطائفة الشيعية الكريمة، فضلا عن حزب الله اللبناني، باستثناء نخبة النخبة، لم يكن على الساحة الجزائرية خاصة إلا جماعات اسلامية، ارتوت من منابع الفكر الوهابي حد التخمة، و بعضها كان مرتهنا و مازال طبعا لفكر الاخوان المسلمين، كان قبل عام 1988 يعمل هؤلاء بشكل سري، ينشرون فكرهم في المساجد و البيوت، و اللقاءات و المناسبات الاجتماعية، و بعد أن سمح النظام بفتح مجال التعددية الحزبية، خرجت الجماعات الاسلامية الى سطح العلانية، و مع تطور التدافع السياسي، شخصيا بدأت أسمع من بعض الأعضاء المؤسسين لغة تكفير الآخر، كنت واحدا من ضحاياها، لا لشيء إلا لكوننا نختلف معهم في مفاهيم و تصورات مستقبل المجتمع و طرق تأطيره و توجيهه و قواعد حكمه، لم تشفع لديهم شهادتنا و لا صلاتنا و صيامنا و حجنا و زكاتنا، و كثيرا ما سمعنا قبل انقلاب 1992، حديثهم عن تكوين فرق عسكرية مسلحة تتلقى تدريبا عاليا، على أيدي المجاهدين الذين عادوا من أفغانستان و البوسنة، و كنا نعتقد حينها أنها مجرد دعاية يحاول أصحابها إخافتنا. و حين كنت أسأل بعضهم عن فائدة هذه المجموعات المسلحة، يأتي الرد على أنه ليس أكثر من وضع المؤسسة العسكرية الجزائرية أمام أمر الواقع، فلا تفكر بالتلاعب و هي ترى قوتنا العسكرية،       و تعمل لها ألف حساب. (المصدر دائما أحد الأعضاء المؤسسين للحزب الاسلماوي).بل هذا الأخير أسر لي بأنه لا يستقيم في تقديرهم عمل سياسي و لن يبلغ أهدافه ما لم يصاحبه ذراع عسكري يشد من أزره، مشبها الوضع بحال الشعب عام 1954، و النظام الحاكم بالمحتل الفرنسي.

 لكن بعد انقلاب 1992 و أيا كان موقفنا منه، و قد كنا معارضين له بامتياز، صحصح الحق و أظهر التيار الإسلماوي الذي أعتبر نفسه ضحية، أنيابه و مخالبه على أرض الواقع، قبلها كانت شعاراته التي غطى بها شوارع المدن بما فيها العاصمة "لا دراسة لا تدريس حتى يسقط الرئيس" و شعار آخر أكثر خطرا " لا ميثاق لا دستور ...قال الله قال الرسول"، كلمة حق لكن مرادها جريمة نكراء في حق الشعب الجزائري؛ لكن سرعان ما انتقل للعمل العسكري بتزكية فتاوى من الجزيرة العربية، استباحت دماء الناس و أعراضهم و أموالهم، بذات الذريعة التي تجتر اليوم "الدفاع عن النفس"، لم يكن أيامها 1992-2000 الشيعة يحتلون العراق كما يقول أدعياء اليوم، لم تكن هناك ميليشيات الفضل أبو العباس و لا حزب الله و لا الحرس الثوري، كل هذا لم يكن له حركة في المشرق نزعم تأثيرها على مجرى الأمور في الجزائر، فالعراق كان تحت سلطة صدام حسين تحت حصار خليجي - امريكي قاتل، و ايران منكفئة عن نفسها تترقب، و حزب الله في عمليات حصرية ضد كيان العدو في جنوب لبنان، أما في الجزائر فسيارات مفخخة و مجازر مروعة ضد أهل القرى و الأرياف، و نهب لأموال التجار، و اختطاف النساء و جهاد المناكحة، كل هذا شاهدناه بأم أعيننا و عايشنا فواجعه، حتى نسف قبور الأولياء و مزاراتهم حدثت حينها، منها ضريح جدنا الشهير مقامه الشيخ محمد بن ابي القاسم قدس سره، بزاويته العامرة الهامل، تعرض لمحاولة حرق و اتلاف عام 1995 بذريعة محاربة الشرك. صورة مكررة في سورية     و ليبيا لا دخل للشيعة و العلويين و ما شاكل من دفوع وهمية، بل فكر وهابي أعمى يطبقه على الأرض عصابة من الجهلة المجرمين، هذه الحقيقة التي شاهدناها و نشهد عليها.

 صديقي المؤسس لهذا الحزب الاسلماوي نفسه و هو يحمل شهادة ماجستير في علوم الشريعة الاسلامية، أصيب بالصدمة و الفزع من جرائم العصابات التي تكونت على أيديهم، لطالما قضى في مزرعتي ليالي مختبئا من حكم الإعدام الذي صدر بحقه، حين حرّم على أتباعه قتال الجيش الجزائري، بذريعة أنه خان القضية، اكتشف متأخرا أن الأمراء الذين حملوا السلاح و صعدوا الى الجبال، استأثروا بحكم القوة على سلطة القرار و التوجيه، و أغلبهم جهلة كما تسمعون بعضهم في مداخلاتهم عبر الفضائيات، لم يصدق هذا المثقف أن أحد الفلاحين ممن كانوا يعملون لدي في المزرعة، و لم يتجاوز في تعليمه السنة الثالثة ابتدائي، أنه أصبح أمير جماعة يزيد عددها عن مئة مسلح، تقضي بكل أوامره من قتل و نهب               و اغتصاب، نعم يعلم الله و يشهد هذا ما عشناه في الجزائر تلكم المرحلة المظلمة الدامية. نحن نعرف الضحايا معرفة شخصية كما نعرف من أجرم بحقهم معرفة شخصية. لا مجال و لا مكان للدجل او المزايدة على الناس و قد مضى ما مضى، و إن كنت أشتم عودة هؤلاء ما دام عامل الظلم و الفساد في الوطن قائما، نسأل الله السلامة.

 أعلم جيدا أن هناك من يسارع لاتهام الكاتب بعدم العدل، لأنه لم يأتي على ذكر جرائم النظام و ما ينسب للجيش، و أرد باختصار لا يمكن و لا يعقل كما لا يجوز شرعا أن نبرر جرائم بجرائم حتى و إن سلمنا بصحة روايتها؛ ختاما لقد ورد في الأثر أن سيدنا عيسى عليه السلام، رأى رجلا يسرق فأمره بالتوبة، فأقسم الرجل بالله العظيم أنه ما سرق شيئا، كذب النبي ما رأت عيناه إجلالا و تعظيما للقسم  و قال:" آمنت بالله و كذّبت عيني"،  لكن الأمر يتعلق بالسرقة و ليس قتل النفس و هتك العرض، أخشى و أن الشيخ - و أتباعه هنا من جيل الشباب- لم ير ما رأينا بأم أعيننا لانقطاعه حيث هو، حتى لو أقسم بالله العظيم على حسن سيرة هذه الجماعات، قد لن يصدقه حتى نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام.

 

فلاح جزائري.

ismailelkacimi@gmail.com

 

شوهد المقال 1817 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رياض بن وادن ـ ربما حلنا في لعبة الليغو!!

رياض بن وادن   تَأكّد بأنه لو تطلب من طفل في أوروبا أن يختار هدية لتشتريها له لاختار -في غالب الأحيان- دون شك ودون تردد لعبة
image

نجيب بلحيمر ـ حملة الاعتقالات.. تحضيرات "العرس" بدأت

نجيب بلحيمر   الاعتقالات تتوالى, وهي الآن تستهدف من تعتبرهم السلطة, بسذاجتها, قادة الثورة السلمية رغم أن هؤلاء المعتقلين( ورفاقهم الذين سيلحقون بهم قريبا) لم
image

زهور شنوف ـ "لا شيء حقيقي هنا سوى البناية"

زهور شنوف   ظلمة كثيفة في الرواق الطويل للطابق الخامس من بناية كولونيالية محشورة في شارع يعج بباعة العملة الصعبة.. باعة يحملون في أيديهم كل أنواع
image

محمد حاجي ـ انتخابات على الطريقة الجزائرية

محمد حاجي  من زاوية أخرى  لعلَّ مُحاولة فهم ما يحدث اليوم من فرضٍ لانتخابات "على الطريقة الجزائرية"، وما يُرافقه من اعتقالاتٍ لوجوهٍ معارِضة، لا
image

فوزي سعد الله ـ باب عَزُّونْ... الجزائر المحروسة

فوزي سعد الله   هكذا كان شارع باب عزون، الشارع الذي يحمل اسم أحد الأبواب الخمسة لمدينة الجزائر التاريخية وأهمها اقتصاديا واجتماعيا، في العهد العثماني قبل
image

العائد من الآخرة اصدار للشاعر العراقي حيدر البرهان ...قصيدة نحنُ الزَّوارق ..

  البرهان حيدر            نحن الزَّوارقتلهو بنا الأمواج يَلهُو بنا النّهر، والبحر، والمحيط... وهذا الدهرُ الغريبْ. وُلِدنا من رحمِ حجرٍ، نَهِيم على جسدهِ العاري بغير نقط.
image

وليد عبد الحي ـ تونس بين مترشح بلا هوية آيديولوجية وسجين ينتظر القرار

 أ.د. وليد عبد الحي  تقف تونس في المقاييس الدولية الاقرب للموضوعية على رأس الدول العربية في مجال الديمقراطية ، ففي عام 2018 احتلت المرتبة الأولى
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.00
Free counter and web stats