الرئيسية | أعمدة الوطن | اسماعيل القاسمي الحسني ..... ماذا قال ألبير كامو في خطر "الشيعة"؟

اسماعيل القاسمي الحسني ..... ماذا قال ألبير كامو في خطر "الشيعة"؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

اسماعيل القاسمي الحسني 

 

 الحقيقة، أني ما كنت أود أبدا استعمال هذه المفردة "الشيعة" بل كنت أنأى بنفسي حتى لا أقع في مستنقع التفكير الطائفي المقيت، الذي بات مع الأسف الشديد، اسطوانة برع في تردادها كثير من المفكرين و الاعلاميين فضلا عن علماء الأمة، و ما كنت لأطرق هذا الموضوع البائس التعيس، لكونه يعكس فعلا فكرا متحجرا، و نظرة قاصرة في عصر التكنولوجيا المذهل، و المركبات الفضائية التي تسرح في الفضاء؛ لكن متابعتي لما ينشر في وسائل اعلامية خاصة بالجزيرة العربية، و انتقال عدواها الى تونس و الجزائر، من عناوين عريضة تحذر من خطر "الشيعة" الداهم على الأمة، دفعني لكتابة هذا المقال، ليس دفاعا عن هذا الطرف أو دعما لذاك، و إنما محاولة متواضعة من مواطن عربي، قدر له أن يعيش تحت ظل أنظمة استبدادية، و فكر على ما يبدو  لا يقل وحشية و لامسؤولية، يدفع بالشعوب نحو التناحر و التقاتل بدل التوحد و البناء.

 إن تجريد إيران من صفة دولة عريقة، و ذات  مؤسسات و سيادة أمام العامة، و تقديمها على أنها مجرد تكتل طائفي لا همّ له سوى السيطرة على الأمة الاسلامية، جريمة فكرية بحق، و دكتاتورية تُفرض بالترداد و قوة وسائل الاعلام، سياسة موجهة على سواد الناس، لا تقتصر على خدمة مصالح دعاة هذا التصور الوهمي، بل تصب بشكل جاد في تدمير مستقبل الأجيال، و تغطي ذات الوقت على جرائم الانظمة العربية بحق شعوبها، و تهيء الارضية لحرب لا تختلف قيمة علتها عن داحس و الغبراء؛ يعلم هؤلاء الذين تصدروا منابر عليا دينية و فكرية و إعلامية، تلكم القاعدة الذهبية لجوزيف ني مُنظّر السياسة الاعلامية الامريكية و مفادها أن القوة الناعمة هي التي تتحكم في عقول و قلوب الناس، و أفضل من قاد الرأي العام بالقوة الناعمة هي وسائل الإعلام، لذلك يصرّون عبر الفضائيات الأكثر مشاهدة و الصحف الاكثر مطالعة، على حشو عقول المتابعين بتكلم الطروحات الاجرامية و المجانبة تماما للواقع، حتى يصلوا لهدف لطالما كان أعداء الأمة الأصليين، و المُغيبين في هذه الحال، يحلمون و يخططون له، و لمن يريد التحقق ليراجع كتب برنارد لويس مثلا.

 في الجزائر مثلا، هناك أصوات باتت ترتفع أكثر تحذر من خطر "التشيع" على الشعب الجزائري، و إنه لعمري قول مضحك حد السخرية في مثل ظروف الجزائر، يتمترس أصحابه بالمذهبية، و يستثمرون في مساحات جهل العامة، ليزرعوا فتنة حالقة، و لست أدري وجه الخطر و الحال أن الأزهر الشريف يعتبر طائفة الشيعة مسلمة دون أدنى التباس او شك، و كذلكم الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، و شخصيا سمعت من رئيسه قوله: نحن و الشيعة لا نختلف في الاصول و لا في الفروع، إنما الاختلاف معهم كما هو حاصل بين بقية مذاهب السنة ذاتها. و فند وجود مصاحف خاصة بهم، و رحب بدعوة مرجعيتهم العليا التي حرمت المساس بالسيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها (الشهادة مسجلة موثقة)، إذن من أي شيء يزرع هؤلاء التخوف و لأي شيء؟لكن أسلم جدلا بأن الشيعة خطر على الشعب الجزائري، هل يرقى خطرهم حقا لتعطل المؤسسات، و تزوير الانتخابات، و الافلاس الاخلاقي، و الفساد المستشري في كل مفاصل الادارة، و العبث بالدستور وفق الأهواء، و جمود الاقتصاد و التضخم المالي المروع، و انتشار التفقير ليصل 50% من الشعب، و ارتفاع معدل البطالة الى 30%، و تفشي حالة العنوسة ( 6 ملايين)، و تضاعف الجرائم الأخلاقية، و توظيف المؤسسة العسكرية في غير الدفاع عن الشعب، و بدنوة الدولة، و تهشيم العدالة بالرشوة، حتى بات المواطن يسلم في حقه و لا يلجأ الى القضاء، و استقواء المؤسسات الأمنية على البسطاء، و التحصيص المناطقي و العشائري في مناصب حساسة، و انفلات الحدود أمام المنتوج الاسرائيلي المسرطن، و داهية الدواهي العهدة الرابعة و ترشيح رئيس مقعد، و نهب المال العام بعشرات المليارات، و توظيف ما يناهز 380 مليار دولار في البنك المركزي الامريكوصهيوني، أكل هذا لا يشكل خطرا على الشعب الجزائري، و لم يبقى سوى التشيع وجب التحذير منه !إن اختلاق هذا الوهم يشي بأن وراء أكمة صاحبه ما وراءها، و الحال أن التنصير في الجزائر ظاهر للعيان، و لم نسمع عقائر هؤلاء، و انتشرت ظاهرة الافطار في رمضان الماضي بشكل جماعي في تحد لكل المجتمع، من السخرية بحق ألا نلتفت للعدو الحقيقي الذي يتهدد حاضر الشعب و مستقبله، و نبتدع خيالا نركبه من أجل حفنة مال، دون مبالاة لتداعياته. و هنا الجزائر مثلا ينسحب عليه معظم حال الدول العربية، التي ينعق سادتها بذات الاسطوانة، لم تكن طهران سببا في غرق الرياض و جدة عند هطول زخات من المطر، بل الفساد و الافلاس هو من فعل ذلك. لم تكن طهران وراء تقسيم السودان و لا الانقلاب في مصر و تداعي اقتصادها، و لا هم الشيعة من دمروا ليبيا و مزقوها إربا، و لا هم من قبل من احتل الكويت، و لا هم الشيعة من يهددون اليوم أمن تونس و الجزائر.

 إنه لمن العجز و الهوان و نحن مئات الملايين، نتربع على مساحة تعد قلب العالم موقعا و ثروات، أن ندعي التخوف من عشرات الملايين يعيشون تحت حصار دولي مجحف، و القاعدة الصحيحة هي العكس لدى كل عقل سوي، و كان حريا بهذه النخب أن تجد سبلا للتعاون و البناء مع دولة ايران، كما نفعل مع سائر الدول من الصين الى أمريكا، دون رفع شعار التخوف من المد البوذي او الهندوسي او المسيحي او السيخي، لماذا يكون الشيعة هنا استثناء؟.

 أخيرا أقول: إن ايران تصنع قرابة مليوني سيارة في العام، تصدر نصف الانتاج الى دول العالم من بينها دولا عربية منها الجزائر، هذا في العلوم المعاصرة لا يمكن وصفه مدا شيعيا، و انما صناعة و ابداع و سياسة اقتصادية، لا يجهلها الا مغيب العقل، و لا يصفها بالمد الشيعي مكابرة إلا فاقد خلق بحق، و هو أشد خطرا على أمته مما يدعيه، كما قال الفيلسوف ألبير كامو:" رجل بلا أخلاق هو وحش تم اطلاقه على هذا العالم". و قبل أن تسيل أقلام القوم بالاتهامات أختم بكوني مسلم مثل بقية ابناء الأمة، اكتفيت بما اكتفى به الأعرابي من الرسول الأعظم (ص) أومن بخمس، و أقوم بالأركان الخمس، و لست أبالي بعدها بالتصنيفات الطائفية و المذهبية، بما أن صاحب الرسالة ضمن للأعرابي الجنة.

 

- فلاح جزائري.

ismailelkacimi@gmail.com

 

 

 

شوهد المقال 1978 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats