الرئيسية | الوطن الفني | رانيا يوسف تكتب : كف القمر.. خالد يوسف يهاجر من العشوائيات الى حلم الوحدة المستحيلة

رانيا يوسف تكتب : كف القمر.. خالد يوسف يهاجر من العشوائيات الى حلم الوحدة المستحيلة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
خالد يوسف ، هو أكثر المخرجين في جيله الذي يذكر اسمه مع اسم العمل الذي يقدمه، فنقول عادة ونحن ذاهبون الي دار العرض ، ذاهبون لمشاهدة فيلم المخرج خالد يوسف، وليس لمشاهدة فيلم كذا، ولم يربط المشاهد بين اسم المخرج والعمل الا في حالات خاصة جداً كالمخرج الكبير حسن الامام او صلاح ابو سيف او يوسف شاهين ، وذلك لأن الجمهور ينتظر حين يذهب لمشاهدة فيلم جديد لهذا المخرج أن يشاهد فناً مختلفاً ذات طبيعة خاصة سواء في الشكل أو المضمون، لكن خالد يوسف هذه المرة صدمنا بتوظيف اسلوبه النمطي في الدخول الي عالم الفقراء حتي مع اختلاف البيئة التي كانت هذه المره بيئه صعيدية تسكن أطراف الجبال ولم نشاهد صورة مبتكرة كما عودنا يوسف في أعماله السابقة سوي في جماليات الديكور الذي كان ركناً أساسياً من تطور الأحداث بل كان الدافع وراء انصراف الأبناء الخمسة لهجرة حياة الجبال الي البحث عن العمل والمال في المدينة الكبيرة تحقيقاً لوصية أبهم الذي حافظت عليها زوجته وأوصت بها أبنائها ببناء منزل كبير صلب،لكن البناء الحقيقي التي ضحت به الأم هي وحدة أولادها التي ألقت بهم في زحام المدينة حتي تفرقوا بحثاً عن المال وبسبب النساء،فلم يستطعوا أن يتوحدوا لبناء المنزل الا بعد رحيل والدتهم،
وقد ضل الجمهور الطريق لملاحقة عدد من الأحداث التي لم ندري خلفيتها وتبعيات حدوثها خصوصاً في المشهد قبل الأخير حينما عادت جميلة زوجة الأبن الأكبر اليه بعد وفاة والدته بعدما حاربها أخواتها للابتعاد عنه لم يفسر لنا السيناريو سبباَ مقبولاً سوي موت الأم، بالاضافة الي إهتزار المونتاج الذي كان ينقلنا بسرعه لم نستوعبها الي حكايات لم يترابط معظمها ولم تكتمل بعضها فكانت الشخصيات النسائية في الفيلم تسير في خط وحيد هو العمل علي فرقة الأبناء، أما شخصية الأم فتعمل علي الجانب الأخر من أجل توحيد أولادها،أعطانا السيناريو أشارة مبدئيه أن من قطع كف القمر وفرط عقد وحدتهم هو المال والنساء.
لم يستخرج لنا خالد يوسف في كف القمر مناطق جديدة لطاقات أبطال الفيلم اللذين تميزوا في أداء شخصياتهم خصوصاً شخصية الأم التي قامت بها الفنانة وفاء عامر، وهي أم لخمسة أولاد قامت بتربيتهم بعد مقتل والدهم أثناء تنقيبه عن الاثار في أطراف الجبال،وفاء او قمر هي الشخصية النسائية الأكثر تماسكاً في الفيلم،وتقف خارج المنافسة مع باقي الأدوار النسائية الأخري،فهي المفتاح الذي يحرك انفعالات كل شخصيات الفيلم،وتمثل قمر إحدي نماذج شخصية المرأة الصعيدية شديدة البأس قوية البنيه الأم التي تدفع بأولادها الخمسة الي حياة المدينة بحثاً عن عمل وفير المال يساعدهم علي تحقيق أحلامهم، وكان من الممكن مع المجهود الكبير التي قدمته الفنانة وفاء عامر في الحفاظ علي تطور أداء شخصية الام حتي وصلت الي الكهولة أن تضع قدميها علي أول درجات البطولة السينمائية المطلقة لولا اخفاقها في ربط ملامح الشخصية وتطورها العمري بادائها الحركي، خصوصاً في مرحلة الكهولة التي لم يتراجع ايقاع حركتها او يتأكل بسبب تقدم السن، بل كان أدائها منظم علي نغمة واحدة في مرحلة الشباب والعجز بنفس القوة وسرعة الحركة،الي جانب الماكياج ضعيف المستوي الذي أظهر تعرجات الشيخوخة علي وجهها بشكل مضحك ومفتعل وغير متقن لم يحاول المخرج تجاوز اخفاق الماكياج بل ضاعف من اخفاقه بلقطات قريبة جداً لوجه الأم ،لكن برغم تلك الاخفاقات في ظواهر شخصية قمر الا أن وفاء عامر أثبتت لمره أخري أنها مازالت تخبء الكثير من الطاقات التمثيلية التي تحتاج الي مخرج مكتشف ينقب عنها في كل عمل جديد، وهذا هو الحال مع شخصيات ابناء قمر، حيث نجح يوسف في تخدير التقمص الوراثي للفنان هيثم أحمد ذكي لشخصية والده التي لم يتمكن في أعماله السابقة الخروج عنها،ونجح بالفعل خالد يوسف في فصل موهبة هيثم عن أداء والده،حيث قدم هيثم شخصية ياسين الأخ الأصغير الذي يتمرد هو الأخر علي وصاية أخوه الأكبر ذكري بسبب حبه لراقصة يسعي للزواج منها رغم رفض أخوته اللذين يتصدون له فيهرب منهم ويدخل حالة من التصوف.
إنفرط أداء شخصية الأخ الأكبر ذكري ( خالد صالح) بين الإنفعال الزائد علي جمع شمل أخوته كما وعد والدته وبين ميوله الشخصية المتناقضة وكبح طموحه وأنانيته الطبيعية التي كسرت عصبة الأخوه بسبب تسلطه الدائم علي رغباتهم،وما يلبث أن يقنعنا بإهتزاز بنية الشخصية التي لم نستطع أن نفهم منها هل هو حقاً يحب ( جميلة ) التي رفض أهلها تزويجها له عدة مرات بسبب فقره ، ثم ينصرف الي أحضان إمرأه أخري يعاشرها ثم نكتشف فيما بعد أنها حبيبة أخيه،أم هو حقاً صاحب فضيلة يحاول أن يفرضها علي أخوته،رغم أنه لا يتحلي بها، فنراه يتاجر بالسلاح ويقتل عمداً ويعاشر النساء، في الوقت الذي ينهي فيه أخوه الأصغر علي الزواج من راقصة ويمنع أخيه الأخر عن تجارة المخدرات،وفي الوقت الذي يسعي فيه للزواج من جميلة رغماً عن أهلها ، نراه يتركها هي وطفلها من أجل والدته التي خطفها أخوات جميله،فهو النموذج الأكثر فساداً وإهتزازاً بين أخوته وهو في نفس الوقت يعطي الحق لنفسه لتصحيح مسار أخوته مستغلاً صفته العمرية التي لا يحق لأحد أن يحاكمه بسببها، رغم أنه في الحقيقة هو الشخصية الأضعف بينهم.
معظم الشخصيات النسائية في الفيلم أصابها السيناريو بالعطب، خصوصاً شخصية جميلة( غادة عبد الرازق )التي ظهرت وكأنها شبح يتسلل الي الأحداث للحظة وتختفي، جميلة ترفض ارضاع صغيرها التي أنجبته من الرجل التي زوجها اليه والدها دون رغبتها ، حتي يموت الطفل،في المقابل يبرز لنا الفيلم علاقة ذكري الحميمة بوالدته والتي يضحي من أجلها بابنته وزوجته مقابل تحرير أمه من يد أخوات جميلة،وكأن ناصر عبد الرحمن مؤلف الفيلم قد تخطي في هذه المشاهد حدود المنطق وكل مشاعر الانسانية والغريزة الطبيعية لأي أم وصنع منها قاتله تنتقم من رضيعها الذي أنجبته من رجل لا تحبه،ونزع في نفس الوقت مشاعر الانانية من الابن الأكبر الذي حافظ علي حياة وكرامة والدته وفداها بزوجته وابنته .
المرأه الأخري هي فتاة المشغل(جومانة مراد) التي تحاول إغواء الأخ الأوسط لذكري وتنجح في الايقاع به واقناعه بالزواج منها، لكنه يفاجأ بها في أحضان أخيه الأكبر مما يدفعه للهرب منهم لكنها تواصل اغوائها لهم وعندما تفشل تحاول توريط الأخ الأوسط فتدعي عليه أنه أغتصبها مقابل ان يعود اليها أخيه الأكبر،فالنساء والمال في كف القمر هما أكثر الأسباب التي فرقت شمل الأخوات كما أكد سيناريو الفيلم أكثر من مرة ،وذلك من خلال الشخصية النسائية الثالثة وهي الراقصة (حورية فرغلي) التي تغوي هي الأخري الأخ الأصغر حتي يتحدي أخوته من أجل الزواج بها،كما يهرب الأخ الثاني بسبب رفضه لعمل ذكري في تجارة السلاح، ويهرب الأخ الثالث أيضا لكن من أجل المال واتساع تجارته في المخدرات.
لم تدهشنا القصة التي تكررت في أعمال سابقة حتي وان اختلف تنوع اسلوب تناولها،ولكن أكثر ما يخرج به المشاهد من الفيلم هي الحالة الفنية او المبارة التي خاضها الممثلين فيما بينهم وحاول كل منهم ان يعلي بأدائه لينافس الأخر.

للتواصل مع كاتبة المقال

رانيا يوسف
Ranya.rl@gmail.com

شوهد المقال 4001 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خليفة عبد القادر ـ الحراك لا يجب أن يتوقف، ولن يتوقف

أ.د .خليفة عبد القادر  من أروع ما سمعت من التحليلات السوسيولوجية الجادة حول الحراك الوطني في الجزائر، كونه موجة عاتية قادمة من أعماق المجتمع
image

نجيب بلحيمر ـ مأزق الانتخابات وفسحة نوفمبر

نجيب بلحيمر   خمسة أيام وتنقضي فترة إيداع ملفات الترشح للانتخابات الرئاسية التي تريد السلطة تنظيمها يوم 12 ديسمبر، وإلى حد الآن كل الوجوه التي
image

العربي فرحاتي ـ قناة المغاربية وحرب النظام الجزائري عليها ... صوت الحرية سينتصر

 د. العربي فرحاتي   طرب الملوثون بالديكتاتورية من الباديسيين والنوفمبريين والذباب الأكاديمي لحجب قناة المغاربية (قناة الشعب) على نايل سات..واعتبروه حدث جلل وانتصار لهم
image

سالم الأصيل ـ راهْنامَج أمجد المحسن

سالم الأصيل هَلْ يحتاج الدليل الى دليل؟ ظني أنّ في التدليل على من كان دليله شِعره تضليل، وتمجيد من كان مجده شعره
image

عثمان لحياني ـ المشكلة في الصندوق أم في الديمقراطية

عثمان لحياني  مشكلة الجزائريين مع النظام لم تكن مرتبطة بالانتخابات فحسب، والا لكانوا انتخبوا في أابريل أو يوليو، لأن تركيز السلطة واصرارها على الانتخابات
image

نجيب بلحيمر ـ عدوى الإنكار تنتقل إلى "المعارضة"

نجيب بلحيمر   بعد جمعة حاشدة، وأحد تاريخي، وثلاثاء أعادت مظاهرات الطلاب إلى أعلى مستويات المشاركة، جاء خطاب رئيس الأركان ثابتا على الخيارات القديمة؛ الانتخابات
image

نوري دريس ـ الحريات الدينية و صناعة الطوائف في سياق تاريخي....

د. نوري دريس   مثلما اقف ضد السلفية و الاحمدية و الشيعية و كل المذاهب الوافدة، انا ايضا ضد صناعة طوائف دينية جديدة  ، ما نعيشه منذ سنوات
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats