الرئيسية | الوطن الفني | عبد الباقي صلاي ـ لماذا هذه الرداءة السينمائية والتلفزيونية في الجزائر؟!

عبد الباقي صلاي ـ لماذا هذه الرداءة السينمائية والتلفزيونية في الجزائر؟!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

عبد الباقي صلاي

تقريبا في الخمس سنوات الأخيرة ما أن يمر شهر رمضان المبارك إلا و تسألني الصحافة سواء المكتوبة أو السمعية البصرية عن فحوى الأعمال الدرامية التلفزيونية التي مرّت عبر القنوات الجزائرية سواء العامة أو الخاصة،وكنت أجيب بكل ما أعرف من خلال مشاهدتي لعمل أو عملين على حسب برنامجي وتواجدي بالجزائر على وجه التحديد. وكثيرا ما كنت أتحاشى الحديث عن السلبيات التي كانت ترافق هذه الأعمال،كما كنت أركّز بشكل كبير على الجوانب الإيجابية من باب التشجيع،ومن باب إظهار الشيئ الجميل الذي يسهم في تشجيع هذه الأعمال،لأنه من طبعي ألاّ أحتقر أي عمل مهما كان نوعه،ولا أسفّه أي عمل ولوكان غير متقن معتمدا على  القاعدة العامة التي عوّدت نفسي عليها دائما وهي : العمل ولو به نقصان أفضل من بطالة تقتل الإنسان.لأن في ديمومة العمل تطور وتقدم مهما طال الزمن،لكن في البطالة وقتل أي عمل فهو النهاية التي أراها مرفوضة وبخاصة في مجال السينما والتلفزيون.

لكن يبدو أن  الانحدار الدراماتيكي للأعمال التلفزيونية في الجزائر لا يراد له أن يتوقف،حتى بدأنا نخشى من الاندثار الحقيقي لكل ما له صلة بالعمل المحترف،والعمل المتقن الهادف.كما بدأنا نخشى انفراط عقد الثقة نهائيا بين المشاهد والتلفزيون الذي لم يعد يقدم تلك المتعة الفنية،وأمسى يقدم ثقافة شعبوية تفسد العقل،وتقتل الذوق،وتصيب العقل بالشلل الكلي!.

أغلب المشاهدين من المهتمين بالدراما الجزائرية خلال رمضان الفائت أجمعوا على أن مشاهدة تلك الأعمال الدرامية كانت مشاهدة مبتورة الفائدة الثقافية،وعديمة المتعة الفنية التي يبحث عنها كل مشاهد كلما حلّ رمضان المبارك. فضلا عن الإخراج الذي كان في مُجمله يحمل بصمة الهواة أكثر منه بصمة المحترفين العارفين لخبايا المهنة.

ولا غَرو إذا وجدنا من يتحدث بملء فيه من الهواة-حتى لا أقول الدخلاء على مجال الإخراج - عن الإخراج والإنتاج، ويُسيّر مشاريعا تلفزيونية بطقم من الهواة من خلال  وسائل التواصل الاجتماعي دون أي رؤية أو معرفة مسبقة لما يقدم كمُنتج ثقافي له ما له و عليه ما عليه.ووجد مع أسف شديد من يبرر هذه الرداءة بعدم استيعاب المشاهد لتلك الأعمال،وكأن المشاهد يجب أن يتماهى مع هذه الأعمال ويفرط في ذوقه وحسه العالي،ويقبل هذا الانحدار وهذه الرداءة التي تزداد بمتوالية هندسية عاما بعد عام.

 الخطب جلل في واقع الأمر والحال،وقد بدأنا نفقد البوصلة حقيقة في هذا المجال الذي أصبح مرتعا للانكسار الداخلي،وللانهيار الشامل لقيمة العمل التلفزيوني والسينمائي.فغياب المعاهد المختصة،وغياب مشاريع مدروسة من قبل المختصين في مجال السمعي البصري مكّن للرداءة من أن تكون هي العنوان الأبرز لكل عمل تلفزيوني أو سينمائي.كما أن غياب الاهتمام بالمسرح ككيان قائم في حد ذاته فسح المجال لكل الحالمين بالشهرة دون موهبة ليتبوأوا المشهد الثقافي زورا وبهتانا.

ما يراه المشاهد من رداءة الُمنتج التلفزيوني فتح باب الطمع للكثيرين بأن هذا المجال سهل صعود سُلّمه،وسهل التمكّن من أدواته.يكفي فقط امتلاك ناصية عدم الخجل من النفس،وفذلكة برامج كيفما كانت،وعمل سيت كوم بمقاييس الفايسبوك واليوتوب وعمل جنيريك بكل التقنيين الذين لا ندري من أين جاؤوا وأين درسوا تقنيات التلفزيون والسينما!.

المصيبة الكبرى أن الجميع يشكون من هذه الرداءة  التلفزيونية كل سنة،لكن لا وجود لأي ضوء في هذا النفق المظلم.كمالا أحد دق ناقوس الخطر كون المرض بلغ مبلغا لا يمكن السكوت عنه.وكأن العمل التلفزيوني ومعه السينمائي أصبح لدى الجزائريين من ترف الثقافة التي لا طائل منها في الحياة اليومية،على الرغم من أن الأساس في الثقافة هو العمل التلفزيوني والسينمائي والمسرح.

و مع أسف عندما غاب المسرح المحترف والهاوي بشكل لافت  غاب عنه العمل التلفزيوني والسينمائي المحترف ،وفسح المجال لكل من هبّ ودبّ من عُشّاق المسخ الفني الذي لا يتقنه إلا من له ضحالة الفكر،وعدمية الرؤية الثقافية،والجهل بمضامين الحياة.

لكن رغم ما نعيشه من أسى ثقافي، الأمل يحدونا في رؤية مشهد ثقافي يرسم معالم كبرى للعمل التلفزيوني والسينمائي،ويؤسس لفكر مختلف عما هو عليه اليوم.لأنه بدون رؤية ثقافية تستند على الفكر التلفزيوني والسينمائي،وتعتمد على العلم بما يجب أن يكون عليه هذا المجال فإننا لا نستطيع الحديث عن أننا نحوز على  ثقافة بكل شموليتها،وسيتحدد المستقبل الثقافي ساعئتد من خلال ما يفرضه النجوم الجدد للرداءة التلفزيونية والسينمائية بكل امتياز.

شوهد المقال 1140 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الباقي صلاي ـ لمن يشكو المواطن ظلم الوالي!

  عبد الباقي صلاي  عندما كثر الحديث عن منصب وسيط الجمهورية الذي بدأت ملامحه تتضح أكثر فأكثر على الساحة الوطنية خلال الأيام الأخيرة،وغضا
image

علي سيف الرعيني ـ مدينة تعز روحانية الزمان

علي سيف الرعيني  عندما يشنف اذاننا صوت ايوبترتعش المراياوتنبض الاماكن وجدا وشجواً يجرحك أيوب بصوته الطافح بالحزن كما تجرحكَ أوراق الذرة اليانعة ويرويك بظمأه حين يسافر
image

وجيدة حافي ـ أُوكسجين يا مُحسنين

 وجيدة حافي   في الآونة الأخيرة ومع إنتشار مرض الكُورونا أصبح الوضع لا يُحتمل في بلدنا، مُستشفيات مُمتلئة بالمرضى وآهاتهم، ضغط كبير تسبب في ضُعف الخدمات الطبية،
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats