الرئيسية | الوطن الفني | محمد العباس ـ لوبي الدفاع عن الدراما المنحطة

محمد العباس ـ لوبي الدفاع عن الدراما المنحطة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد العباس 

 

الذين عادوا من دراستهم في الخارج كمخرجين وكُتّاب سيناريو ومنتجين، ما موقعهم من صناعة الدراما في السعودية؟ ولماذا يكتفي معظمهم بالتعليقات الاستنكارية العابرة على حال ومآل الدراما في مواقع التواصل الاجتماعي؟ كذلك، وزارة الثقافة، وهيئة الترفية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون، لماذا يغيب دورهم تمامًا في رعاية وتجويد الأعمال الدرامية؟ لماذا تكتفي هذه المؤسسات ذات الصلاحيات والملاءات المالية وخطط التنمية الثقافية الاستراتيجية بالتفرُّج على هذا الخراب الفني وكأن الأمر لا يعنيها؟ وأيضًا، أين اختفى جيل (اليوتيوبرز) الواعد الذي كان يؤمل عليه تجديد الخطاب الدرامي؟ ومن المسؤول عن تغييب الفنانيين الذين أثبتوا كفاءتهم الأدائية عن المشهد؟ وكيف نفهم التفريط فيهم ودفعهم للعمل في فضاءات فنية مجاورة عوضًا عن استقطابهم في أعمال محلية تليق بقدراتهم وترفع من مستوى الأعمال المحلية؟

كل هذه الأسئلة وغيرها تتحطم أمام شركات الانتاج ومافيا الفضائيات، التي يساعدها في ذلك وجود لوبي إعلامي يبالغ في الإشادة بما يُعرض من أعمال متهافتة، ليضيف إلى جهل رموزه صفة النفاق والدفاع عن الرداءة، حيث تشكل على مدى سنوات نادي الدفاع عن التفاهة الدرامية، وهو نادي على درجة من الإتساع والتوحش ضد أي صوت ناقد للأعمال البائسة التي تُعرض تحت مسمى الدراما. وهذه الشلة التي تشكل سياج الحماية للمسلسلات الهابطة ورموزها، لا تكتفي بالتطبيل لفريق العمل بدءًا من المؤلفين مرورًا بالممثلين وصولًا إلى المخرجين والمنتجين، بل تعمل على تصعيدهم وتلميعهم على الدوام للإبقاء على نجوميتهم، سواء بإثارة الجدل الهامشي حول منتجاتهم، أو باستضافتهم إعلاميًا والتعامل معهم كتنويريين ومناضلين من أجل قيم الحقيقة والخير والجمال، وأحيانًا بكف يد منتقديهم وردع أي محاولة لانتقاد منجزاتهم. وذلك من منطلق التقاء مصالح شلة عاطلة عن الإبداع.

هنالك حيلة يلجأ إليها لوبي الإعلاميين المدافعين عن الدراما البائسة تتمثل في تحويل أي محاولة لانتقاد عمل فني إلى معركة شخصية، بمعنى إزاحة الجدل عن مواطن الخلل الفني على مستوى النص والإخراج وأداء الممثلين إلى شخصية بطل أو بطلة المسلسل، وهو طُعم على درجة من الإغواء، حيث يجذب الجمهور الذي لا يعرف من القضايا إلا لونيها: الأسود والأبيض، مع أو ضد النجم. وعليه تموت مسألة تقويم الأعمال الفنية ليتحول المشهد إلى مزاد تكتظ مدرجاته بجمهور يدافع عن هذا الممثل أو ذاك، في الوقت الذي ينجرف فيه بعض المحسوبين على النقد الفني إلى المعركة من ذات المدخل، وهذا هو سر النبرة النقدية المنخفضة لمعظم مناقدي الأعمال الدرامية، حيث يبدون من الخوف والارتباك ما يكفي لإعطاب خطابهم النقدي أمام نجومية بعض الممثلين.

لدينا كتيبة رائعة من الممثلين ذوي الكفاءة والخبرة، ولدينا نصوص جاهزة للمعالجة الدرامية إذا توفرت الرغبة في تحويلها إلى مسلسلات ذات قيمة، كذلك يحتوي مشهدنا على خبرات انتاجية وإخراجية بمقدورها البدء بإنتاج أعمال درامية تليق باللحظة التي نعبرها، وتعكس روحها بأمانة وواقعية وحرفية عالية. ولكن يبدو أن الرهان على الفريق الفاشل الذي يصدمنا كل موسم بمستوى انحطاط منتجه من الوجهة الفنية هو الخيار الوحيد، حيث يُعطى الفرصة تلو الأخرى ليباغتنا بأعمال على درجة من الضحالة الموضوعية والرداءة الفنية، في الوقت الذي تنحرم فيه الكفاءات الواعدة من فرص التجريب والحضور، وهو واقع يصعب استيعاب معطياته، إذ يمكن أن نتفهم دفاع القنوات الفضائية وشركات الإنتاج عن رؤيتها التهريجية لدور الفن ومكاسبها التجارية، ولكن ما لا يمكن فهمه هو تقاعس المؤسسات الرسمية التي تبنت شعار الرؤية عن التفكير خارج صندوق هذا المعطى الدرامي البائس الذي لا يتوافق بحال مع السعودية الجديدة.

 

شوهد المقال 1051 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ "ممكن" حمروش في مواجهة "صمم" السلطة

نجيب بلحيمر من يقرأ المساهمات السابقة لرئيس الحكومة الأسبق مولود حمروش سيجد أن التحذيرات التي أطلقها في مقاله الذي نشرته اليوم جريدة الخبر تتكرر في كل
image

خليفة عبد القادر ـ الصحراء الجزائرية، ما يجب أن يقال

أ.د خليفة عبد القادر لم تكن الصحراء فراغا ولا هملا عبر التاريخ، فقد شهدت قديما مؤسسات الاستقرار البشري في ما قبل التاريخ، وحضارات ضاربة في القدم
image

عثمان لحياني ـ حمروش.. تفكيك صورة

عثمان لحياني مولود حمروش لا يعتبر نفسه فاعلا سياسيا ، ولذلك لا يجد نفسه مطالبا باصدار موقف ازاء كل حدث وحادث ، مثلما يطالبه به
image

أحمد سعداوي ـ حكومة الكاظمي العراقية ، الحسم مابين الدولة واللادولة

أحمد سعداوي  مرّة بعد أخرى تجد حكومة الكاظمي نفسها أمام استحقاق الحسم ما بين الدولة واللا دولة، وهو استحقاق لم يبدأ من تسلم الكاظمي لكتاب التكليف
image

سعيد لوصيف ـ في الممكن والمطلوب..

د.سعيد لوصيف   الثورة ليست نتاجا ميكانيكيا حتميا لتناقضات النظام السياسي الريعي القائم فحسب، وإنما هي مسار تاريخي مجتمعي تستمد عفويتها وعمقها من فلسفة غريزة الحياة التي
image

خديجة الجمعة ـ دمى

خديجة الجمعة  هي وحدها الدمى التي تتحرك،ويراها الناس. وهم وحدهم من يحركونها  ووحدهم  ،من يغيرون بأحداثها .وفي الحوار المبرم على المسرح. تلك الدمى التي نراها ونحن
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats