الرئيسية | الوطن الفني | نسيم براهيمي ـ فيلم الجوكر .. من أين يأتي كل هذا العنف في العالم ؟

نسيم براهيمي ـ فيلم الجوكر .. من أين يأتي كل هذا العنف في العالم ؟

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

نسيم براهيمي 
 
 
 
من الصعب جدا أن تشاهد فيلم الجوكر متحررا من تفصيليين مهميين: حجم الإشادة التي رافقت عرضه وأداء هيث ليدجر لنفس الدور في فيلم فارس الظلام. يفتتح الفيلم وتسري الأحداث لتدرك أمرا مهما: الجوكر ليس فيلما عن الجوكر، هذه الشخصية الأيقونية التي تجسد لوحدها الشر في المخيال الجمعي ليست في الحقيقة سوى وعاء لمعالجة موضوع أهم وأكبر وأعقد: من أين يأتي كل هذا العنف في العالم؟
المساءلة التي رفعها المخرج تود فيليبس في فيلمه هذا تتجاوز جدلية الخير والشر وتلقي بنا في نقاش فلسفي مواكب لروح العصر القائمة على الفردانية كدعامة للحداثة، وتبث شكوكا عظيمة عن ما الذي يجعل بروس واين البطل باتمان وما الذي يجعل آرثر فليك المجرم البارد الجوكر.
ثنائية باتمان/الجوكر اللذان يجتمعان دائما في عالم الكوميكس بصفتهما متناقضيين داخل نفس المصفوفة دفعت هنا نحو أشدها بإقحام تفاصيل جديدة تظهر لأول مرة في قصة الشخصية، وتتركك تتساءل تلقائيا هل كان يمكن للأدوار أن تكون معكوسة في ظروف أخرى؟ والأسوء من ذلك هي أن هذه المقاربة تجعلك عاجزا عن الإجابة. 
أعمق من ذلك، يعرف متابعي عالم باتمان أن هذه الشخصية تملك لحظة تأسيسية تعلن ميلاد البطل وسط الخراب، وهذه اللحظة هي لحظة إغتيال والديه أمامه وهو طفل صغير. المخرج تود فيليبس جعل من هذه اللحظة نتاج لفوضى مجتمعية أججها الجوكر الذي هو بدوره كان نتاج لفوضى مجتمعية أججها والد باتمان خالقا بذلك قوس سردي رائع يصف طريقة تشكل الثنائيات المتضادة وتتابعها المتلازم في سيرورة التاريخ. 
الدوامة التي يخلقها العالم الحديث لا بداية لها ولا نهاية، والحكم الأخلاقي عنها شبه مستحيل في فيلم الجوكر، والقواعد التي أوجدت الحداثة هي نفسها القواعد التي توجد دمار الحداثة، فكل نجاح يقابله فشل، وكل ناجح يقابله فاشل، ولا أحد يتفهم أو يتعاطف مع الآخر، ولعل مشهد الميترو أصدق ما ينقل هذه العبثية التي تتيح لمن أنصفتهم الحياة السخرية ممن لم تفعل، وأقوى ما ينقل كيف يمكن لأي كان أن ينهار فجأة مهما بدا مقاوما وقويا ولا مباليا بالقواعد المفروضة عليه ومعايير النجاح وسبل نيل الإحترام في عالم لا يأبه بالضعفاء... والطامة مع هذا المشهد هي أنك كمتابع محايد له ستجد نفسك عاجزا أيضا عن الحكم عن ردة الفعل العنيفة التي تختتمه، لأنك وعكس المتنمرين في الميترو تعرف خلفية الشخصية ومسارها وطبيعة حياتها البائسة والظلم الذي تعرضت له، ثم تتساءل: هل يكفي أن نعرف مسارات الأشخاص لنتفهم أفعالهم؟ 
الفيلم وعكس ما يوحيه وصفه لا يبرر العنف ولا يحاول استعطاف المشاهد ولا يحاول تبرئة الجوكر، لكنه لا يدينه ولا يصلبه تاركا المجال واسعا لتوزيع مسؤولية إنهيار الإنسان على الجميع بما فيهم الجوكر، ورغم أنه أضاف بعدا جديدا في الشخصية بوصفها تعاني من خلل عضوي في الدماغ، إلا أنه جعله مدركا بالأمر ومن النادر أن تجد مختلا عقليا مدركا بأنه مختل وإلا فهو لم يفقد الصلة بالواقع بعد ولا يمكنه التحجج بالمرض لتبرير أفعاله. وبالعكس تماما فالجوكر في فيلم تود فيليبس هو شخص مدرك تماما بوضعه إمتلك الشجاعة لكي يصحح أكاذيب تربى عليها، لكن ما فعله خلال لحظة انتفاضة جعله يكتشف أن الهاوية تليق به أكثر من المقاومة. لماذا؟ لأن ذلك أسهل... 
الجميع في فيلم الجوكر مذنب والجميع بريء، والشرير الوحيد في الفيلم هي عبثية الحياة في العالم الحديث التي أعطت للهمجية وجها جديدا يصعب التعرف عليه. الإعلام يتنمر بغرباء الأطوار لأن الجمهور يحب ذلك، والناجحون يسخرون من الفاشلين لأنهم يعتقدون أنهم مسؤولون عن فشلهم، والمهزومون ينتقمون من الناجحين لأن ذلك أسهل من مواجهة أنفسهم، والمعايير التي تفرض على الأقوى يلزم بها الجميع دون مراعاة لقدرة كل فرد على المقاومة.
فيلم الجوكر كابوس يلخص فوضى العصر الحديث التي لا ينتبه إليها أحد، كثافة رهيبة ملخصة في وقت وجيز تنتهي بمشهد فظيع لرجل عاش على الهامش غير مرئي لا أحد يكترث له، تأنق ليمنح العالم موته على طبق ثم قرر أن يقتل الجميع بدل ذلك لعلهم يلاحظون وجوده... العنف لا يولد سوى العنف... 
ملحوظة:
تقنيا الفيلم تحفة لم يسع المقام لذكر حجم الجمالية الصورية فيه، وأداء جواكيم فينكس تحدث عنه الجميع، ولا توجد أي مقارنة ممكنة بينه وبين هيث ليدجر، لكل جوكره وكلاهما قدم أفضل ما يمكن تقديمه بحسب ما تتطلبه طبيعة الدور.

 

شوهد المقال 1441 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر
image

العربي فرحاتي ـ ندوة العائلات المعذبة للسجناء السياسيين في الجزائر ..28 سنة بركات

 د. العربي فرحاتي  في هذه اللحظات من يوم (١٨ جانفي ٢٠٢٠ ) تجري في مقر جبهة القوى الاشتراكية (الافافاس) بالعاصمة فعاليات ندوة "بعنوان " ٢٨
image

محمد الصادق مقراني ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

محمد الصادق مقراني سليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران
image

سعيد لوصيف ـ الثورة و التوافق المجتمعي الذي يستشف من المسيرات...

د. سعيد لوصيف   مرّة أخرى تثبت الثورة في أسبوعها 48 ، أنّها ثورة تتجاوز كل الاختلافات، و أن القوى المجتمعية الفاعلة فيها، بالرغم
image

صلاح باديس ـ كُلّنا ضِدَّ الجلّاد... ولا أحدَ مع الضحية ..سجناء التسعينات ..

 صلاح باديس   بالصُدفة... وصلني رابط فيديو تتحدّث فيه امرأة شابّة عن والدها السّجين منذ تسعينات القرن الماضي. "سُجناء التسعينات" هذا الموضوع الذي اكتشفه الكثيرون
image

وفاة الدكتور عشراتي الشيخ

 البقاء لله.توفي اليوم والدي د. عشراتي الشيخ عن عمر يناهز 71 سنة بعد مرض عضال ألزمه الفراش.عاش عصاميا متشبعا بعروبته متشبذا بأصله بدأ حياته في
image

فوزي سعد الله ـ أول مستشفى في مدينة الجزائر خلال الحقبة العثمانية أُنجِز قرب باب عزون...

فوزي سعد الله   عكْس ما رددته المؤلفات الغربية والفرنسية على وجه الخصوص طيلة قرون زاعمة عدم وجود مستشفيات في مدينة الجزائر العثمانية وفي هذا البلد
image

وليد عبد الحي ـ تركيا والتمدد الزائد

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن تطبيق نظرية المفكر الامريكي بول كينيدي حول " التمدد الزائد" على القوى الاقليمية في الشرق الأوسط (غرب آسيا)
image

سعيد لوصيف ـ تصويب "ساذج" لتفادي زنقة لهبال...

د. سعيد لوصيف  اعذروا سذاجتي... واعذروا ما قد يبدو أنه تطرفا في الموقف... لكن الامر الذي انا اليوم متيقن منه، هو أنني لست

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats