الرئيسية | الوطن الفني | الفينيق حسين صقور - مازالوا يغنون عرض مسرحي .. للمخرج لؤي شانا

الفينيق حسين صقور - مازالوا يغنون عرض مسرحي .. للمخرج لؤي شانا

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

الفينيق حسين صقور

خرجت من بوابة المسرح العتيد وكأني ولدت من جديد ، كانوا لازالوا يغنون وكانت أصواتهم تعلو لتشق القلوب وتفضح العيوب ، كنت أبتعد وكان الصدى يقترب .. لم أكن أستعيد مجريات الحدث وإنما كان الحدث يستعيدني ويعيدني إلى ما حدث ، إلى أصوات من رحلوا ومن في غيبوبة الوقت دخلوا إلى من صاروا رفاقاً للأسرّة والمقاعد  و العكازات ، إلى من صار نهارهم ليلاً و خبؤوا جراحهم خلف نظارات .. إلى جيلٍ قدمناه أضحية وأغنية ومشينا في درب الخطيئة نملأ بالحرام بطوننا وعن الحقيقة نغمض عيوننا .

يا أبناء محمد ويسوع ألا يمكن أن توقف الحرب أمٌّ تسقي بدموعها الينبوع .. ؟!

 يا أبناء محمد ويسوع أترغبون برؤية أحلامكم أتودون الاستماع إلى ذاتكم ..؟!  أترغبون بملامسة صوت الحق ؟ أتودون فضح حقيقة من لا يستحق ؟

  هي مشاهد خطها الحب وجسدتها الروح  فتعالوا نغني معهم ننبش نكشف نفضح ونضمد الجروح

( مازالوا يغنون ) عرض مسرحي مؤثر يمطرك بوابل أسئلة وقنابل مدوية

ماذا قدمنا للشهداء ؟ لأجل من وماذا قدموا أرواحهم وسقوا الأرض بأطهر دماء ؟

من ذاك الذي يريد قتل الياسمين الذي يمتد على أطراف قبورهم ؟

من ذاك الذي يريد اقتلاعهم من جذورهم؟

من ذاك الذي يريد طمر الحقيقة مع ذكراهم ؟

من ذاك الذي يريد أن يسلم بِلا هَمٍّ .. وبِلا هُمُ ؟

من ذاك الذي يريد أن ينعم ومن حصاد فساده يغنم ؟

من ذاك الذي يريد قتل الشهيد مرتين؟

مازالوا يغنون رؤية وكشف جديد وطرح عبقري بأسلوب سوريالي ، وليد من جثث و جثامين ترفض قبورها وتخرج محتجّة على رموز للفساد تكاثرت في غيابها وحضورها .. تخرج مستنكرةً ورافضة أن تصير دماؤها هباء .. فهلا تحلينا ببعض الحياء ؟

تنقلك تراتبية الأحداث من الكوميديا السوداء عبر حوار نابع من الوجع والحرمان لحفاري القبور ورفاق الشهداء ، إلى صلاة الجنازة  و قيام الروح ثم غضب ومخاوف رموز الفساد من فضح حقيقتهم وانتشار الذعر والتمرد في البلاد

تأتي محاولات الإقناع اعتماداً على وساطة رجال الدين والمصلين في محاولاتهم كي يتدخل نساء الشهداء المستنكرين والواقفين ، ثم تتصاعد الدراما عبر مشاهد تحفر أثرها في الوجدان حيث لقاء الابنة المتلهفة لأبيها المتمسك والرافض ، وعتب الزوجة على زوجها الذي لم يستطع أن  يحقق رغباتها وحياة كريمة في حياته ، ثم تتصاعد الدراما إلى أوجها مع مشهد الأم ومحاولاتها اليائسة لتضم ابنها وفلذة كبدها ولترى وجهه الملطخ بالدماء . تعاطفنا مسلوبي الإرادة وتأكدت تلك القيمة اللحظية للإحساس .. الإحساس أولا أما الفهم فيأتي لاحقاً .. انتقلت عدوى البكاء وتساءلت : أيمكن لدموع أمٍّ أن توقف الحرب وتوقف هذا العناء ؟

مازالوا يغنون عمل مسرحي يجسد قول : الممثل الناجح لا يمثل بالمطلق إنما يعيش الحالة والشخصية التي يؤديها بمشاعرها وأحاسيسها وأفكارها وتصرفاتها وردّات فعلها وانفعالاتها  ، وعبر الكادر المتعاون والمحب ، الجميع كان متألقاً  ابتداءً من ذلك الحس الكوميدي باللهجة المحكية لفايز صبوح ورفاقه عصام تفاحة قاسم عبد الحق وأشرف خضور ، إلى فصاحة المصلين الشيخ محمد أبو طه والأب وديع الضاهر ثم الحاخام مهاب دياب الذي لم يغب حضوره عن مخرج العمل الذي أراد أن يؤكد مقولة ( نعترف بجميع الأنبياء فداؤود حاضر بيننا ولكننا نستنكر ما يفعله ديفيد وما يفعله بعض أتباعهم الأغبياء ) كما أضفى سهيل حداد تلك المفارقة عبر الحضور المهيب للترف الفاسد وما يتنازعه من مخاوف وغضب ، أما الشهداء فقد استطاعوا الإقناع عبر أدائهم و مكياجهم ودورهم السهل الممتنع وتألق الفنان نبيل مريش  وخليل غصن  كما أقنعنا أحمد سليمان وعبرت الابنة  سارة عيسى بحسٍّ مرهف عن لهفتها وشوقها كما تمكنت ريم نبيعة وأقنعت عبر نبرات الصوت والحركات في دور الزوجة الساخطة ، وأخيراً وليس آخراً تألقت أليسار صقور  وأبدعت حين تقمصت الأم وعكست حرارة اللهفة واللقاء ، كما استطاعت نقل عدوى البكاء للجميع  ، كما لن ننسى الدور الراقص ورقصة الروح التي تخللت المشاهد وأغنتها بتعبيرات الجسد ل كاتيا ديبان وأيضاً دور العروس للمى غريب التي كانت حاضرة دوماً بين مفاصل المشاهد لتفتح الستارة على صوتٍ باكٍ هو صوتها الحكيم والمراقب القادم من بعيد من التاريخ يرثي ما آلت إليه الحال وماذا حل بالجمال

تألق المخرج لؤي شانا في عرضه المسرحي ولم  يقتصر ابداعه على فكرة النص فحسب بل تعدتها إلى تفاصيل بسيطة وكثيرة ابتداءً من تلك المزاوجة المقصودة بين العامية والفصحى إلى الاختيار والتوزيع الموفق للكادر وإلى الانعكاسات الرمزية التي يحققها خيال الظل فالغضب يتضخم والشهيد يكبر حين يغادر متجهاً لأداء واجبه                                                                             

في النهاية نقول استطاع المخرج لؤي شانا أن يطلق صرخته في وجه رموز الفساد في وجهنا وفي وجه كل من يعتقد أنه في منأى من العباد

 وأخيراً شكر خاص لمساعدة الإخراج غادة اسماعيل

 ولجميع من ساهم في إنجاح هذا العمل من ممثلين وفنيين

سيخرج الشهداء من قبورهم ..

وسوف يحاكمون الجميع بدورهم ..

 فلا تقتلوا الشهيد مرتين

 

شوهد المقال 398 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

أحمد رضا ملياني ـ أصابعي ظمأى

أحمد رضا ملياني          ماعاد المطر ينزل بأرضنا ولا الحب يسقي دربنا الخريف تهب رياحه باردة في كل فصل لتسقط أوراقنا الرصيف يجري خلفنا ليقتل أحلامنا......
image

جمال الدين طالب ـ طاب جناني"...!:

جمال الدين طالب             تعزي اللغة الوقت تبكي ساعاته..تندب سنواته يعزي الوقت اللغة يبكي كلماتها لا... لا يخطب الرئيس ... لا يخطب.. لا
image

اعلان انطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط

 يعلن الأستاذ محمد خليف الثنيان عن إنطلاق مركز طروس لدراسات الشرق الأوسط . مركز طروس هو مركز بحثي متخصص في دراسات الشرق الأوسط حول القضايا التأريخية
image

شكري الهزَّيل ـ رِمَّم الأمم : نشيد وطني على وتر التغريب والتضليل الوطني!!

د.شكري الهزَّيل عندي عندك يا وطن وحنا النشاما والنشميات يوم تنادينا وتذَّكرنا بذكرى وجودك يوم ودوم ننساك وحنا " نحن" اللي تغنينا بحبك ونشدنا
image

سهام بعيطيش ـ هبْ انّ.....

 سهام بعيطيش"أم عبد الرحيم"          هبْ أنّ نجْمَ اللّيلِ دقّ البابَ في عزّ النّهارْ هبْ أنّ شمسًا اختفتْ وقتَ الضُّحى في لحظةٍ خلفَ
image

وليد بوعديلة ـ حضور الأساطير اليونانية في الشعر الفلسطيني- شعر عز الدين المناصرة أنموذجا-

د. وليد بوعديلة  استدعى الشعر الفلسطيني الأساطير الشرقية و اليونانية،بحثا عن كثير من الدلالات والرموز، وهو شان الشاعر عز الدين المناصرة، فقد وظف بعض
image

يسرا محمد سلامة ـ أرملة من فلسطين

 د. يسرا محمد سلامة  منذ أيامٍ قليلة مرت علينا ذكرى وفاة الأديب الكبير عبدالحميد جودة السحّار في 22 يناير 1974م، الذي لم يكن واحدًا من أمهر
image

وليد عبد الحي ـ الجزائر: جبهة التحرير الوطني ومماحكة التاريخ

 أ.د. وليد عبد الحي  تشكل إعادة جبهة التحرير الوطني الجزائرية لترشيح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة مماحكة لتاريخ وثقافة المجتمع الجزائري ، فهذا المجتمع كنت قد
image

حميد بوحبيب ـ حميد فرحي ...منسق ال الحركة الديمقراطية الإجتماعية MDS ...يفارق الحياة....

د. حميد بوحبيب  يولد الرفاق سهوا وعلى خجل ...يكابدون قبل الوقوف على أقدامهم من فرط الجوع والغبينة يتقدمون خطوتين، يتعثرون مرتين ...ثم يفتحون قمصانهم على الصدور ،
image

خليفة عبد القادر ـ الجنوب والشمال في الجغرافية الجزائرية

أ.د خليفة عبد القادر*  مفارقة معقدة على المستوى الوطني وأيضا هي معضلة العالم منذ أن توارت -إلى حين- معادلة الشرق والغرب. ما يهمني الآن هو

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats