الرئيسية | الوطن الفني | كاظم مرشد السلوم. - مناورات تحويل رواية شهيرة إلى سرد مرئي " فيلم «إنقاذ مستر بانكس»

كاظم مرشد السلوم. - مناورات تحويل رواية شهيرة إلى سرد مرئي " فيلم «إنقاذ مستر بانكس»

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
كاظم مرشد السلوم 
 
كيف فكر صانعو فيلم "إنقاذ مستر بانكس" بهذه الحكاية، التي قد لا تخطر على بال الكثيرين من صناع السينما العالمية، حكاية مفاوضات مع كاتبة لتحويل روايتها إلى فيلم سينمائي، ونحن نعرف تماما عدم الرضا الذي عبر عنه الكثير من الأدباء الروائيين، غابريل غارسيا ماركيز، نجيب محفوظ، وغيرهم، فالمتخيل الروائي غير الصورة الفيلمية، ويمكن لمخرج ما أو لكاتب سيناريو بارع أن يجسد خيال الكاتب بذات الصورة المتخيلة للواقع أو للشخصيات.
الفيلم يتحدث عن المفاوضات العصيبة مع "الكاتبة باميلا ترافيرس" أدت دورها الممثلة البارعة ايما توماس من أجل تحويل روايتها الشهيرة" ماري بونز" الى فيلم، المفاوضات بين شركة والت ديزني العملاقة ممثلة بشخص رئيسها "السيد ديزني" قام بدوره الممثل البارع توم هانكس، وبين مؤلفة الرواية باميلا ترافيرس، ربما يقول البعض ما أهمية عرض أو انتاج فيلم سينمائي يتناول مفاوضات تحويل رواية إلى فيلم، هذا بالضبط ما يجيب عنه مخرج الفيلم جوان لي  وكاتبا السيناريو كيلي مارسيل وسو سميث .
تبدأ الحكاية من طفولة الكاتبة باميلا وعلاقتها بأبيها مدير مصرف فاشل ومدمن على الخمر، لكنه بالمقابل أب حنون وعطوف، يسهم عطفه هذا بتكوين الشخصية المستقبلية لابنته، فالاثنان تربطهما علاقة عاطفية على الرغم من أزمات الإدمان وانعكاسها على حياة العائلة الاجتماعية والاقتصادية، خصوصا لحظة سقوطه من إحدى المنصات التي اعتلاها ليلقي خطابا بمناسبة افتتاح احد المصارف والدعاية له، لكن يعتلي المنصة مخمورا ليسقط فاقدا للوعي أمام ابنته، هذه الحادثة تبقى في ذاكرتها إلى الأبد، حكايته لها، دفاعه عنها أمام أمهما، تشبيهه لها بالدجاجة التي تبيض، يسهم في تكوين خيال حالم لها، لتصبح فيما بعد روائية مهمة في أدب الاطفال ولتحقق روايتها" ماري بونز " أعلى المبيعات وشهرة عالمية لا تضاهيها شهرة، الأمر الذي يغري شركة والت ديزني بشراء حقوق تحويلها إلى فيلم سينمائي للأطفال، لم لا وهي الشركة التي أسهمت هي الأخرى برسم خيال جامح لأطفال العالم من خلال العديد من أفلام  الرسوم لمتحركة.
بتقنية الفلاش باك المعبرة ينتقل بنا الفيلم بين الحاضر المتمثل بمفاوضات ديزني مع باميلا ترافيس، وبين ذاكرة باميلا نفسها عن عائلتها وعن الأب الذي لايمكن لها أن تنساه. 
المفاوضات عصيبة جدا، فباميلا شخصية معقدة، ربما لا تريد حتى أن تبتسم، ولا تقبل أن تتحول روايتها الى فيلم خشية أن يسيىء الى ذاكرتها ومخيلتها  وما تبقى فيها من ذكريات.
لكن الحاجة إلى المال، والإفلاس الوشيك يجعلها تخضع وترضى بالفكرة فتسافر إلى أميركا قادمة من انكلترا، لتبدأ رحلة من معاناة فريق عمل السيد ديزني معها.
لا تتقبل أي شيء من الذي وفره لها السيد ديزني، فترمي بفاكهة الكمثرى من النافذة إلى مسبح الفندق، السبب انها كانت تحمل لوالدها هذه الفاكهة لتقدمها له قبل وفاته بدقائق، فهي لا تنسى شيئا، تضايق العاملين ولا تقبل بالسيناريو، ولا بالأغاني، لا تريد رسوما متحركة في الفيلم، سائقها الشخصي هو الاخر ينال قسطا من هذه القسوة، لا تقبل أن يناديها باسمها الأول، تتعامل معه بكبرياء وتعال، لكن صبر ديزني والعاملين معه يثمر أخيرا، حتى مع رميها لسيناريو من النافذة، وسفرها إلى انكلترا  من دون أن توقع العقد، لأن السيد ديزني يلحق بها إلى انكلترا، ليخبرها أنه مصر على تحويل الرواية إلى فيلم كونه وعد بناته بتحويل الرواية التي طالما احببنها إلى فيلم، وهو أمر لا يتنازل عنه، هنا تهتز مشاعرها وتتنازل عن الكثير من تعنتها، فما زالت ذاكرة العلاقة بأبيها هي التي تسيطر على عواطفها وربما قراراتها أيضا، ليتضح وجهها الحقيقي وروحها الطيبة، ومدى تأثرها حين يخبرها سائقها أن الشمس ساطعة، وهذا يعني أن ابنته المعاقة يمكن أن تخرج وتجلس في شرف المنزل، لأنها لا تفعل ذلك لو كان الجو ممطرا، أي شيء له علاقة بالأبوة يحيلها إلى ذكرى أب طيب وحنون ومدمن ، إلى ذكرى ام حاولت في حالة يأس أن تنتحر دون وعي منها . 
في النهاية توقع العقد، وتحضر عرض الافتتاح، حتى وان لم توجه لها الدعوة لذلك، وفي مشهد مؤثر نشاهد مدى انفعالها وتأثرها وهي ترى ما كتبته مجسدا أمامها حيا يتحرك، فتبكي بحرقة، ولكن هل يعوض ذلك خيالها الذي رسمته لشخوص حكايتها، وهي مرتبطة بذكرى عائلة دمرها أب مدمن وحنون. 
ليس غريبا أن يبرع ممثل عملاق مثل توم هانكس بتمثيل دور السيد ديزني، وهو الذي برع في أداء العديد من الأدوار المهمة التي شكلت علامة في تاريخ السينما العالمية من خلال أفلام مثل أبولو 13، وفورست غامب وحصوله على جائزتي أوسكارعنهما، كذلك فيلمه المهم "الميل الأخضر"، و"إنقاذ الجندي رايان" وغيرها من الأفلام، الممثلة ايما توماس التي لعبت دور باميلا ترافيس أدت دورها ببراعة، خاصة أن الشخصية مركبة تحتاج إلى الكثير من التحلي بالصبر والمران على أدائها، فمن امرأة متحجرة وغاضبة أمام الجميع، إلى امرأة طيبة تخاف من المقبل، حتى أنها تحتضن مجسم ميكي ماوس بعد أن كانت تدير وجهه إلى الحائط، من امرأة متعالية إلى منتهى الطيبة في حديثها مع السائق الذي أدى دوره بتلقائية وسلاسة كبيرة الممثل باول جاماتي.
الممثل ديفيد توملنسيون الذي لعب دور الأب المدمن والحنون مستر تريفيز، استطاع أن يمزج بين شخص لا يستطيع التخلي عن عادة الإدمان السيئة وامتلاك روح شفافة كروح طفل يحب الحياة ولا يعي مخاطرها، والخطورة هنا هي الادمان الذي يفقده حياته . 
كتب الحوار بدقة عالية، لا زوائد فيه، ليس ثمة انفعال او صراخ على الرغم من أن تعامل الكاتبة مع السيد ديزني وفريق عمله يستدعي هذا الانفعال والصراخ، لكن الحلول كلها تأتي بالهدوء والتحمل، الذي جسد عبر حوار هادىء كتب بعناية فائقة. 
"إنقاذ مستر بانكس" فيلم يحيلنا إلى عالم الخيال الذي لا يبتعد كثيرا عن الحقيقة المخزونة في ذاكرتنا عن طفولتنا وصبانا، عن إمكانية السينما في صناعة أفلام تجعل المتلقي يتقبل فكرة أن لا شيء يبتعد عن الذاكرة، ذاكرة السنين التي تكون وتصقل الشخصية الإنسانية مهما امتد العمر.
 
جريدة الصباح العراقية  

شوهد المقال 2207 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ بداية ما بعد تبون

نجيب بلحيمر   لا يترك لقاء عبد المجيد تبون مع الصحافيين المجال للتعامل مع الوضع انطلاقا من موقف سياسي من الرجل والطريقة التي وصل بها
image

محمد بوعبد الله ـ مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام

محمد بوعبد الله*  استعرتُ هذا العنوان الجميل الذي كتبه الدبلوماسي الألماني المسلم الأستاذ مراد هوفمان عن صديقه وأستاذه الذي تأثر به كثيرا، المفكر النمساوي
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بوح الحقيقة

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           أين الطيور الصادحات أين الوجوه الباسمات أين ابتسام الصبح من نبض الحنين أين ارتشاف العطر من ورد السنين أين الرفاق الطيبون
image

فوزي سعد الله ـ طرابلس..بنغازي..درنة... الأندلسيون والموريسكيون في ليبيا

فوزي سعد الله   "....قد تبدو ليبيا الأندلسيون في ليبيا بعيدةً عن المجال الجغرافي الأندلسي وارتداداته ومشاكله وهموم سُكَّانه، لكن التاريخ والآثار العمرانية الأندلسية الطابع
image

حارث حسن ـ ما الذي يريده الصدر؟

د. حارث حسن  اعتقد ان ما نسميه بـ "التيار الصدري" هو حركة بهوية معقدة ومتعددة الأبعاد، هو من جهة تيار "وطني" مع ماتعنيه تلك الكلمة
image

أحمد سعداوي ـ العراق في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية

 أحمد سعداوي   نحن الآن، وبحسب رأي الكثير من المراقبين، في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية.ـ الأول: صدمة اكتوبرـ الثاني: ما بعد 25 اكتوبرـ الثالث: ما بعد مهلة
image

شنون شعيب ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

شنون شعيبسليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران التي
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats