الرئيسية | الوطن الفني | كاظم مرشد السلوم - " باولينا".. التسامح المختلف عليه

كاظم مرشد السلوم - " باولينا".. التسامح المختلف عليه

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


"باولينا".. التسامح المختلف عليه


كاظم مرشد السلوم 

العنوان 
الفيلم يحمل اسم باولينا ، الفتاة التي
تقود الخط الدرامي لفيلم المخرج الأرجنتيني  سنتياغو ميتر ، والذي تقدم الممثلة "دولويس فونزي" دورا استثنائيا فيه، لذلك اقتصر العنوان على اسمها فقط كمدخل لثيمة الفيلم وحكايته . 

الحكاية 
باولينا شابة مثقفة "دولوريس فونزي".، يسارية الافكار ، تحاول ان توصل مبادئها الى الاماكن القصية في بلدها ، مضحية بإمكانية ان تحصل على وظيفة  قاضي  مرموقة ، كما والدها القاضي الذي يتمتع بسمعة كبيرة في مجتمعه ، كونه قاضيا عادلا . في جلسة نقاش حاد معه تخبره بأنها قد قررت الذهاب الى منطقة نائية لتدرّس الطلاب هناك العلوم السياسية  وحقوق الانسان ، فتنجح في إقناعه رغم موقفه الرافض النابع من قلقه الكبير عليها ، كونه يعرف تلك المناطق التي تعاني الكثير من الحرمان نتيجة الحيف الواقع عليها ، وما يعكسه كل ذلك على السلوك الشخصي لناسها . 
تذهب باوبينا الى احدى المناطق البعيدة كمدرِّسة في احدى مدراسها راسمة هدفا لها يتمحور في جعلهم يدركون ان الارجنتين الان غير الارجنتين السابقة الخاضعة لحكم دكتاتوري ، ويجب ان يعرفوا حقوقهم . لكنها ، وبسبب قلة خبرتها وعدم توفرها على تجربة حقيقية سابقة في تدريس ذلك ، تصطدم بعقبات كثيرة ، منها سخرية الطلاب ومشاكساتهم التي تتحملها على مضض ، لكن ما لم تتوقعه هو ان تتعرض للاغتصاب على يد بعض طلابها . 

الاغتصاب 
الاغتصاب هو محور الحكاية وذروتها ، كونه المدخل لثيمة الفيلم ورسالته عن التسامح الصعب وغير المألوف .
تتعرف باولينا على صديقة تسكن في منطقة بعيدة عن مكان سكنها ، التي تدعوها لقضاء امسية معها ، وعند عودتها على دراجة تقطع عليها الطريق مجموعة من طلبتها يقودهم "سيرو" العامل في احد مصانع الاخشاب ، والذي يغتصبها على مرأى منهم .
تعود باولينا منكسرة الى المنزل لا تصدق ما جرى لها ، وتشعر انها بحاجة الى ابيها القوي في هذه اللحظة من الضعف ، لتعرف بعد ذلك انها حامل بطفل غير شرعي نتيجة الاغتصاب ، الامر الذي يزيد من ازمتها النفسية ، لكنها تتمسك بجنينها وترفض التخلي عنه ، الامر الذي يدفع خطيبها الى التخلي عنها ، الامر الذي يزيد من حجم الخسارات التي تسهم في زيادة الضغط النفسي عليها . 

الذروة 
يبدأ الأب ومن خلال علاقته برئيس الشرطة بمطاردة الجناة ويتم القاء القبض على الجميع ، لكن بطريقة وحشية ويتعرضون للتعذيب بشتى الوسائل داخل السجن ، الاب اعتقد ان هذا سيرضي باولينا لكن المفاجأة واثناء استعراض المتهمين امامها ،لكي تحدد الجاني منهم وتعرفها عليهم خصوصا "سيرو" الذي سبق ان اعترف لصديقتها التي سهرت ليلتها عندها والتي كانت صديقة له ، انه هو الذي اغتصبها ، تخبر الضابط ان لا أحد من هؤلاء اغتصبها . هذا القرار اتخذته بعد ان شاهدت حجم الاذى الذي تعرضوا له ، والخوف والهلع الشديد الذي يعتريهم ، وهذا يعني انها سامحتهم ، لكن أية مسامحة تلك التي تعفو عن مغتصب وتسببه بحمل طفل غير شرعي . فترفض ان تشهد على سيرو الواقف امامها والذي سبق ان ذهبت اليه في عمله قبل إلقاء القبض عليه واخبرته انها تعرف تماما انه هو الفاعل ، وانها تعرف الدافع الذي جعله يقوم بفعلته ، وهي تسامحه ، الامر الذي يصيبه بالدهشة ، وكذلك جميع من يعرفها. 

تأويل النص المرئي 
طيلة احداث الفيلم ، نشاهد حجم الفقر والبؤس السائد ، ورتابة الحياة ، والحرمان الكبير الذي يعاني منه اهل المدينة الصغيرة ، مدينة ربما ليست بحاجة الى تعلم مبادئ حقوق الانسان والسياسة ، قبل ان تنعم بقليل من الرفاهية ومستوى معيشي معقول ، والتخلص من التهميش الكبير لها ولغيرها من المدن المشابهة لها .
في اول المشاهد نشاهد "سيرو" ومجموعة من الطلبة يتلصصون على امرأة تمارس الجنس مع احدهم في سيارته الخاصة ، عندما تتنقل الكاميرا على وجوههم نعي حجم الحرمان الذي يعانونه . .
باولينا نفسها لم تكن تشعر براحة نفسية في مدينتها الكبيرة ، كانت بحاجة للقيام بفعل يكسر الرتابة ولو انه لا يخرج عن دائرة ثقافتها ، لكن البعد النفسي لقرارها الذهاب الى اقصى مدن البلاد له دوافعه الخفية ، الواضح على تقاطيع وجهها ، فرغم الجمال الوافر الذي تتمتع به ، لكن ثمة مسحة حزن واضح في عينيها .
تخلص الارجنتين من الدكتاتورية وتحولها الى الديمقراطية ، لا يعني ان البلاد كلها تعيش بسلام وامان ورفاهية ، فالانتقال يتطلب الكثير من التضحيات ، وضحايا هذا الانتقال ربما يكونون من امثال باولينا الذين يؤمنون بأفكار يستعدون للتضحية بالكثير من اجل تفعيلها على ارض الواقع . 
"عندما يتعلق الأمر بالفقراء فنظام العدالة لا يريد الحقيقة بل يريد المذنب، ولا يسعى لتحقيق العدالة بل إنزال العقاب ." 
هذا ما تقوله باولينا لوالدها في عديد من نقاشاتها معه ، والان يتأكد ذلك من خلال مشاهدة ما حدث للمتهمين باغتصابها، والسؤال: ما هو حجم الفارق في تطبيق العدالة بين الاغنياء والفقراء ، اليس مثل هذا الفرق او الفارق والتمييز موجود في كل مكان ، ألم يسجن الكثير من الناس لا لذنب ما بل فقط لأنهم فقراء .

الاشتغال 
لم يدخر المخرج سنتايغو ميتر جهدا في محاولة جعل المشاهد يتعاطف مع ضحيته ،متسنكرا فعل اغتصابها ومستنكرا ايضا قرارها بالتسامح ، من خلال الانثيال البصري المبني وفق حبكة متقنة ، نجح فيها كونه ساهم في كتابة السيناريو مع مارينو لليناس ، السيناريو نجح في تأجيج صراع داخلي لدى المشاهد ، هذا الصراع يتمحور برأينا في قرار باولينا بالتسامح مع الجناة او الجاني ، بقرارها بالاحتفاظ بالجنين ، باعتباره كائنا لا ذنب له فيما حصل ، هل نحن مع او ضد كل ما يجري من احداث ، طريقة اعتقال الشرطة للمتهمين ، ولماذا ما زالت الشرطة تتخذ ذات الاساليب القمعية في التعامل مع المتهمين رغم تحول البلاد من النظام الدكتاتوري القمعي الى النظام الديمقراطي .
أدت الممثلة "دولويس فونزي" دورها ببراعة فائقة ساعدها في ذلك وجهها الصارم الجميل ، ومسحة الحزن الذي تعتريه طيلة فترة الفيلم ، ونجحت بجعلنا نتعاطف معها في أزمتها ، وربما لا نتفق معها في قرار التسامح الذي اتخذته ، التسامح المثير للجدل وغير المألوف ، ليس في الارجنتين وحدها بل في كل مكان ، كون جريمة الاغتصاب هي الجريمة الاكثر قبحا التي يمكن ان تتعرض لها النساء .

 

المدى العراقية  


شوهد المقال 1901 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ بداية ما بعد تبون

نجيب بلحيمر   لا يترك لقاء عبد المجيد تبون مع الصحافيين المجال للتعامل مع الوضع انطلاقا من موقف سياسي من الرجل والطريقة التي وصل بها
image

محمد بوعبد الله ـ مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام

محمد بوعبد الله*  استعرتُ هذا العنوان الجميل الذي كتبه الدبلوماسي الألماني المسلم الأستاذ مراد هوفمان عن صديقه وأستاذه الذي تأثر به كثيرا، المفكر النمساوي
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بوح الحقيقة

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           أين الطيور الصادحات أين الوجوه الباسمات أين ابتسام الصبح من نبض الحنين أين ارتشاف العطر من ورد السنين أين الرفاق الطيبون
image

فوزي سعد الله ـ طرابلس..بنغازي..درنة... الأندلسيون والموريسكيون في ليبيا

فوزي سعد الله   "....قد تبدو ليبيا الأندلسيون في ليبيا بعيدةً عن المجال الجغرافي الأندلسي وارتداداته ومشاكله وهموم سُكَّانه، لكن التاريخ والآثار العمرانية الأندلسية الطابع
image

حارث حسن ـ ما الذي يريده الصدر؟

د. حارث حسن  اعتقد ان ما نسميه بـ "التيار الصدري" هو حركة بهوية معقدة ومتعددة الأبعاد، هو من جهة تيار "وطني" مع ماتعنيه تلك الكلمة
image

أحمد سعداوي ـ العراق في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية

 أحمد سعداوي   نحن الآن، وبحسب رأي الكثير من المراقبين، في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية.ـ الأول: صدمة اكتوبرـ الثاني: ما بعد 25 اكتوبرـ الثالث: ما بعد مهلة
image

شنون شعيب ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

شنون شعيبسليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران التي
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats