الرئيسية | الوطن الفني | كاظم مرشد السلوم - الواقعية المغربية في فيلم جوق العميين للمخرج محمد مفتكر

كاظم مرشد السلوم - الواقعية المغربية في فيلم جوق العميين للمخرج محمد مفتكر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

كاظم مرشد السلوم 

 

 

 

 
لا يختلف فيلم المخرج المغربي محمد مفتكر " جوق العميين " الحائز على جائزة الوهر الذهبي في مهرجان وهران الدولي للفيلم العربي ، عن افلام الواقعية للعديد من السينمات العالمية ، كونه يتناول فترة مهمة ومفصلية من تاريخ المغرب ، ايام الفصل بين الجنسين ، وصعوبة العيش والفاقة التي كانت تطال شرائح كبيرة من المجتمع المغربي ، ويأخذمفتكر جوق موسيقي مثال معبر عنها . 
 
العنوان 
 
جوق العميين هو عنوان الفيلم الذي يحيلك اول ما تقرأ مفردة جوق الى الموسيقى ، كونها تطلق على المجموعة الموسيقية التي يشتغل افرادها مجتمعين ، كذلك فثمة ظاهرة ترافق هذه المجاميع هو وجود كفيفي البصر في العديد منها . لكن حكاية الفيلم تأخذ العنوان كمدخل لحكاية جوق موسيقي لا يوجد فيه أي عازف اعمى ، بل المفارقة تمكن في التسمية وسبب اختيارها . 
 
الحكاية 
 
حكاية الفيلم تتمحور حول فرقة موسيقية او جوق ، هم اقرب الى الاسرة منهم الى الجوق ، فهم يعيشون سوية في بيت كبير وواسع ، يعيشون من احياء الحفلات لمختلف المناسبات , ولقلة العمل وبسبب فصل الجنسين في الحفلات ، يلجؤون الى حيلة التظاهر بالعمى لجميع اعضاء الفرقة من الرجال ، لكي يستطيعوا احياء الحفلات التي تقتصر على النساء ولا يسمح لدخول العازفين الرجال فيها باستثناء العميان منهم ، رجل احد من اعضاء الجوق لايشمله هذا كونه " مثلي " !!.
الاب " يونس ميكري " لا يريد لابنه الصغير ان يصبح موسيقيا مثل ابيه ليعيش نفس المأساة ، لذلك يدخله الى المدرسة ويحرص على ان يكون مجتهدا ، لكن الطفل يتأثر بعمه اليساري" فهد بن شمسي " الذي يملأ البيت حركة ونشاطا ، صديقه الموظف " محمد بسطاوي " الذي يعمل مع الفرقة ليلا ، ربما حبا في الموسيقى او لعوز مادي ، الشيخة التي تقود الفرقة " سليمة بن مؤمن"، الجارةالشابة الصغيرة التي يتعلق الصبي بها ، والتي يسرق من اجلها الكعك ، البنات الراقصات اللواتي يبحثن عن فرصة تخرجهن من هذا الواقع . 
حفلات عديدة يذهبون لها سوية ، محاولين قدر الامكان اسناد بعضهم لبعض ، وتجنب اساءات الرجال السكارى للبنات ، فهم في الاخر عائلة واحدة ، وان تباعد النسب قليلا . 
لكل طموحاته ومغامرته ايضا ، الاب ، الابن العم ، البنات ، السطوح المكان الاكثر ملائمة لهذه المغامرات ، وهي دلالة على الحاجة لفضاء يوفر الهواء النقي والمتعة ، والاختباء من اعين الاخرين كذلك ، مابين مد وجزر ، تستمر هذه المغامرات التي ستكون احد سبب تشتت الجوق والعائلة مستقبلا . 
في احد الليالي يدعى الجوق الى حفلة خاصة بالنساء ، وبالتالي عليهم العودة للعبة الادعاء بعمي الرجال ، ثمة امرأة مسترجلة تفحص الداخلين من الرجال توافق على دخولهم كونهم عميان ، وتوافق على دخول " الشاب المثلي " كونه لايميل للنساء . 
لكن احدهم يرتكب خطأ كبيرا في استمرار نظره لعجيزة امرأة ، قدمت لهم الشراب ، لتنتبه المراقبة ويتعرض الجوق كله الى الضرب والاهانة ، والحبس ، حتى يتدخل الموسيقي الموظف ويتوسط بإخراجهممن السجن ، مثلما يفعل دائما ، من هذه الحادثة تبدأ مرحلة الفرقة التي تطال الجوق بجميع اعضائه ، تعززها اكتشاف زوجة الاب لخيانة زوجها ، واعتقال الشاب اليساري ، ورحيل الجارة الصبية . وموت الاب نتيجة مرض عضال ربما سببه تأنيب الضمير الذي انتابه لوشايته بأخيه ، بعد معرفته بنقل ابنه لكراسات يسارية الى المدرسة . 
 
الاشتغال 
 
لم يدخر محمد مفتكر جهدا في تحريك كاميرته بشكل فاعل داخل المنزل الكبير الذي تجري معظم الاحداث ، حيث فاقت المشاهد الداخلية نظيرتها الخارجية بكثير . مؤثثا المشاهد وعمق المجال بثراء صوري واضح ، أكملهاباستخدام وتوظيف عميق لعناصر لغته السينمائية الخاصة به ، واقصد هنا " توظيف كل عنصر من هذه العناصر بما يناسب ، الحدث ، الشخصية ، المكان ، وكذلك الزمان . 
التعامل مع الممثل السينمائي ليس بالأمر الهين ، خصوصا في حكاية مثل حكايةهذا الفيلم ، لان الشخص الموسيقي يختلف تماما عن المشتغلين بمهم اخرى ، الامر الذي يفرض على الممثل ان يتماهى تماما مع الشخصية المسندة اليه ، وهذا التماهي لا يتحقق بدون توجيهات المخرج ، ونجح مفتكر في ذلك الى حد كبير حتى لتشعر انك امام شخصيات موسيقية حقيقية ، عاشت هذه الاحداث . 
البناء الدرامي ضمن خطه العام ، لم يكن فيه الكثير من التعقيدات او الحبكات والازمات الثانوية ، فجاء خط عاما تقليدي ـ أي خط درامي أرسطي ، بداية ووسط ونهاية ، وهو امر يعود الى ان الفيلم يندرج تحت افلام الواقعية التي تتطلب هذا النوع من التمسك بالخط الدرامي . 
تأويل النص المرئي
يطرح الفيلم من خلال نصه المرئي الكثير من التأويلات ، منتقدا لفترة زمنية من تاريخ المغرب ، وكيف كان المجتمع يتعامل مع الفرق الموسيقية او الجوق ، في ذلك الوقت .
الاب رمز ربما لجيل عاش الضياع ويبحث عن فرصة لأبنائه الصغار او لجيل جديد ، لكن ليس كل ما يتمنى المرء يدركه .
اليسار المغربي في السبعينات ، وكيف واجهته السلطة في ذلك الوقت ـ وصولا الى زمن الفصل الجنسي ، الذي ربما تعود اليه بعض الدول العربية الان . 
شخصية " المثلي " لها دلالتها الواضحة في تقبل المجتمع في ذلك الوقت لمثل هكذا اشخاص والتعامل معهم بشكل لطبيعي ، وهو امر لم يعد مثلما كان " حادثة المثلي المغربي الذي تم الاعتداء عليه من قبل العشرات في الشارع " ، وعبر محمد مفتكر عن ذلك في مشهد السجن حيث لم يوضع هذا الشاب المثلي لا في غرفة السجن التي وضعت فيها النساء ولا تلك التي وضع فيها الرجال ، بل بقي جالسا على مسطبة بين الغرفتين . 
بساطة الحياة والألفة الاجتماعية التي كانت سائدة بين الناس في تلك الفترة ، التي خفت وتيرتها في عصرنا الحالي ، خصوصا بعد التطور التكنولوجي الكبير . 
 
الاداء 
 
كان أداء الممثل الراحل محمد بسطاوي رائعا وهو يتقمص دورا لشخصية فيها من الازدواجية الكثير ، كذلك يونس ميكري ، ومنى قتو ، والشيخة " سليمة بن مؤمن " التي ادت دور الشيخة بصورة اكثر من رائعة ، كون الدور يحتاج الى الكثير من المران والتدريب . كذلك لفت انتباهي الاداء الممتاز للطفل محمد او ميمو . 
 
كادر العمل 
السيناريو والاخراج - لمحمد مفتكر 
أنتـــــاج – شامة فيلم و افالونش انتاج 
تمثيل : محمد البسطاوي / يونس ميكري ، منى فتو ، سليمة بن مومن ، محمد اللوز ، ماجدولين ، فهد بنشمسي .

 

 

ملاحظة :  المادة المنشورة في جريدة الصباح  العراقية حذف منها جزء مهم وهو شخصية الشاب " المثلي " ولا اعرف سبب الحذف ..تم نشره كاملا 

شوهد المقال 2089 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

يزيد أڨدال ـ لماذا تتعثر الشركات الناشئة Startups في الجزائر ؟

يزيد أڨدال هذا السؤال هو ما يدور في بال الكثيرين من المهتمين بهذا المجال في الجزائر، وخصوصا ممن يملك أفكارنا يريد تجسيدها بإطلاق مشروعه الخاص، ولكن
image

حكيمة صبايحي ـ الحياء لحاء الحب الوطني الذي لا ينقطع مدده

حكيمة صبايحي  يحتاج الإنسان إلى حافز نفسي لإنجاز أي شيء وكل شيء بقدر ما يمكنه من الإتقان، وحتى عندما يتعب، يتابع العمل والاجتهاد، وحتى عندما تخدعه
image

نصرالدين قاسم ـ "الجمعة 106" خارقة .. فارقة

نصرالدين قاسم قطعت الجمعة السادسة بعد المئة قول كل خطيب، لتؤكد أن الحقيقة كل الحقيقة ولا شيء غير الحقيقة في الشارع في الهتافات والشعارات التي هدرت
image

رضوان بوجمعة ـ الأمة الحية تأبى البقاء رهينة للمنظومة الميتة

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 195 بعد عام كامل من تعليق الجزائريين والجزائريات للمسيرات بسبب وباء كورونا، عادت الميادين على المستوى الوطني اليوم الجمعة، في أول
image

نجيب بلحيمر ـ عودة السلمية.. الكابوس وطوق النجاة

نجيب بلحيمر "رانا ولينا وباصيتو بينا".. الرسالة واضحة، السلمية عادت وقشة "الاحتفال" التي كانت السلطة وزبائنها يتمسكون بها لعلها تنقذهم من الغرق بطوفان الشارع جرفتها اليوم
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats