الرئيسية | الوطن الفني | محمد العباس - كذبات العاطلين عن الفن الفن خطاب يتولد في ظل الوعي والتحدي

محمد العباس - كذبات العاطلين عن الفن الفن خطاب يتولد في ظل الوعي والتحدي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد العباس 

 كلما تعرض المجتمع لموجة من التطرف ارتفعت أصوات المعنيين بالفن بضرورة إنشاء مسارح وفتح معاهد لتوطين الفنون في المجتمع. على اعتبار أنها الكفيلة بإشباع هوايات الشباب وتنمية مواهبهم، وبهذا يمكن الحد من انزياحهم باتجاه الجماعات الإرهابية. بمعنى استخدام المسرح والدراما والسينما كمساحات لتفريغ الطاقة المجتمعية، وتأسيس حالة من التعادل ما بين الخطابات الفكرية التي يمكن أن تتحكم في حال ومآل المجتمع. وهذه المطالبة مشروعة ولها منطلقات تنويرية نبيلة بدون شك، ولكنها ليست الوسيلة الوحيدة لإبطال مفاعيل العنف.

والملاحظ أن تلك المناشدات تحولت مع مرور الوقت، وتراكم وقائع العنف إلى مناحة لم تقتصر على المشتغلين بالفن فقط، بل اشترك فيها مختلف الفئات الاجتماعية والثقافية. كما صعّد الإعلام تلك البكائيات وتبناها كقضية مركزية من قضايا التنوير التي يُختلف بها وعليها في المشهد الحياتي. وهو إجراء يصب في جوهر اهتمامات الخطاب الإعلامي. إلا أن ذلك الخطاب لم يتجادل مع مأزق الفنون في حياتنا بالصورة الصحيحة. حيث اكتفى بتبني وجهة نظر المعنيين بالفن من مخرجين ومنتجين وكتاب وممثلين، ولم يسائلهم عن معنى وجدوى ما يؤدونه اليوم من رسائل فنية.

لا أحد يختلف على أهمية الفنون في حياة البشر، بما في ذلك أولئك الذين يحرمون ألواناً منه لأسباب تتعلق بمعتقداتهم وأفكارهم. فهم يؤدون الفن بطرق أخرى والتواءات تمويهية لأداء رسالتهم. إنما يمكن الاختلاف على معانٍ ومضامين وحرفية وأدائيات الفن من منظور فني. الأمر الذي يحتم إعادة إنتاج السؤال وإعادة توجيهه أيضاً. لأن حجة عدم وجود معاهد ومسارح ومنابر، وإن كانت ذريعة منطقية ومقبولة إلى حد ما، إلا أنها لم تعد على تلك الدرجة من الصلابة ليُحتج بها على عطالة الفنون، ورداءة الإنتاج وبؤس النصوص، وتفاهة الممثلين، وجشع شركات الإنتاج. لأن الممارسة الفنية باتت متاحة على نطاق واسع جداً، وخارج إطار الرقابة.

إن عدد المتورطين في العملية الفنية في السعودية آخذ في الازدياد بشكل كبير، سواء على مستوى المسرح أو الدراما أو السينما. وهم على درجة من التماس مع الدوائر الفنية العربية والعالمية. ولهم من المشاركات الخارجية كتابة وإنتاجاً وتمثيلاً ما يجعل من ذريعة ضيق الأفق حجة واهية. حتى المرأة السعودية صار لها ذلك الحضور الواسع. وهو ما يعني أن فُرص الإبداع صارت أكبر.

لم يعد التلويح بقبضة المتشددين المتربصين بالفن في السعودية سوى كذبة يلوكها أشباه الفنانين. حيث يُلاحظ أن الإنتاج الدرامي مثلاً، وخصوصاً ذلك الذي يُنتج في الخارج بعيداً عن سطوة الرقابة وعيون المحافظين، على درجة من الرداءة. وأنه أقرب إلى التهريج منه إلى الفن. وما سنستقبله في رمضان من أعمال درامية سخيفة، وما سنتجرعه من مسرحيات نيئة في الأعياد يؤكد هذه الحقيقية، حيث يكبر السؤال كل عام عن حقيقة صلة هؤلاء بالفن والأدب والإبداع.

الفن خطاب يتولد في ظل الوعي والتحدي وليس في حضانات المال والنجومية والتدليل. وهو الأمر الذي يستدعي من الإعلاميين تحديداً مساءلة المعنيين بالفن عما يتوقعه المجتمع من هؤلاء الذين يدمرون الفن بمنتجاتهم الفاسدة فنياً على الرغم من هامش الحرية المتاح لهم، ووفرة الدعم المادي. إذ يمكن تصور شكل المسرح الذي سيحتله هؤلاء المستخفون بوعي الناس ومزاجهم. وأي فاعلية لأعمالهم السطحية يمكن أن تصد حالات العنف والإرهاب. فهذه كذبة من كذبات العاطلين عن الفن. الذين يتذرعون بسطوة المتزمتين لتعطيل رسالتهم.

اليوم السعودية  

شوهد المقال 2746 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين ـ السير في الاتجاه المخالف و المسدود

د. جباب محمد نور الدين  قبل سفري إلى الشرق وإقامتي المؤقتة فيه للدراسة ،كنت قد قرأت عن الاستبداد الشرقي كما وصفه "هيغل" وبعده
image

مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان يدعو الجزائر إلى إنهاء استخدام العنف ضد المتظاهرين المسالمين

أعرب مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عن القلق البالغ بشأن تدهور وضع حقوق الإنسان في الجزائر واستمرار وتزايد القمع ضد أعضاء الحراك المنادي
image

عثمان لحياني ـ انتزاع حق التظاهر و أحزاب الحراك في سجون الداخلية

عثمان لحياني  الثورات لا تطلب رخصة، حراك انتزع حق التظاهر انتزاعا، تقر به السلطة الآن بعد أن نجح الحَراك في امتحان العودة الى الشارع.الحراك مثّل مدرسة
image

وليد عبد الحي ـ البابا فرانسيس: هل جئت العراق تطلب نارا ام تشعل البيت نارا

أ.د.وليد عبد الحي التغطية الاعلامية التي حفلت بها زيارة البابا فرانسيس الى العراق اليوم بخاصة من قناة تقدم نفسها على أنها قناة "المقاومة" تكشف
image

نجيب بلحيمر ـ على طريق "استحالة الحكم"

نجيب بلحيمر  الشارع لا يقيم وزنا لما تقوله "نخب" العالم الافتراضي، وحملات الدعاية والتضليل بلا أثر عليه، هذه خلاصة واضحة يمكن أن يراها كل من تابع
image

نوري دريس ـ السلطة الجزائرية واستمرار سياسة الإنكار

د. نوري دريس  للاسبوع الثالث علي التوالي, خرج الالاف من الجزائريين الى شوارع المدن للتعبير عن رفضهم لنمط تسيير الدولة الحالي, والمطالبة بببناء دولة القانون.
image

رضوان بوجمعة ـ استمرار الضغط الشعبي وغياب العقل السياسي

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 197 دخل الحراك الشعبي السلمي، اليوم، جمعته الثانية من عامه الثالث، ورغم كل هذا الوقت الذي مر، لايزال الإصرار الشعبي من
image

خديجة الجمعة ـ الرحيل

خديجة الجمعة  احتاج إلى الرحيل عن العالم؛ والغوص بالأعماق . أعماق الروح، لأن لاأفكر بأحد، لأن أحب ذاتي ، لأن أعشق وجودي في الكون. نعم قرأت
image

عز الدين عناية ـ الكنيسة في العراق

عزالدين عنايةأعادت الأوضاع المتوترة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، لا سيما في العراق وسوريا، تحريك مسألة الأقليات والطوائف في الأوساط الدينية والسياسية
image

بوداود عمير ـ "أبي، ذلك القاتل" من أدب الإعتراف جرائم فرنسا في الجزائر ثييري كروزي

بوداود عمير  هناك بعض الأعمال الأدبية تبدو مرتبطة "بالذاكرة"، تتضمن شهادات إنسانية مؤثرة، تشرح التاريخ في بعده الأخلاقي والإنساني، من عمق الواقع."أبي، ذلك القاتل": كتاب صدر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats