الرئيسية | الوطن الفني | كاظم مرشد السلوم - فيلم «ياسين يغني» لجمال أمين " الهرب من المنفى إلى الموت في الوطن "

كاظم مرشد السلوم - فيلم «ياسين يغني» لجمال أمين " الهرب من المنفى إلى الموت في الوطن "

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

كاظم مرشد السلوم

 

” يحلم بمرسم ويقايضه الوطن.. ياسين قلنا لك احذر وأنت تحلم بمرسم.. احذر هؤلاء الأدلاء الجدد.. لهم خمس صلوات في اليوم كما لنا.. لكنهم يقفون ويدلون المارة علي القبور المعدة لنا سلفاً”.
لعل مقتل الفنان التشكيلي ياسين عطية نتيجة انفجار في منطقة سكناه ببغداد وهو العائد من المنفى حباً بوطنه، هي الثيمة التي كان يفترض أن يشتغل عليها المخرج جمال أمين في فيلمه “ياسين يغني” الذي أخرجه وفاء لصديقه ياسين عطية، إلا انه فضل الاشتغال على شخصية ياسين، ياسين الانسان الذي كان يتعامل أو يقابل جميع الصعاب بابتسامة، ورسم لوحة جديدة، وأغنية من الأغاني التي رافقته من الوطن الى المنفى.
جمع أمين الكثير من المواد الأرشيفية المصورة لياسين، خصوصاً تلك التي تصور اللحظات التي كان فيها ياسين يرسم وهو يغني، الأغاني بحد ذاتها كانت تحمل لوعة وشجناً وحزناً يعبر عن عمق مشاعر الألم التي يشعر بها ياسين في منفاه، المنفى الذي أجبر عليه ولم يختره، بعد أن سجن في ثمانينيات القرن الماضي بتهمة الانتماء للحزب الشيوعي العراقي، وبقي ملاحقاً حتى بعد خروجه من السجن.
جمال أمين نجح في ايصال ما أراد قوله من خلال العديد من اللقاءات مع اشخاص التقوا ياسين ويعرفون طيبته وقوة تحمله، شهادات جاءت لتصف ياسين وتنصفه، الأهم في هذه اللقاءات ان بعضها سجل في حياة ياسين وليس بعد موته.

 

 

الفيلم وثائقي، لذلك ترك جمال الكاميرا تتنقل بانسيابية من دون التعمد في اختيار اللقطات وعدم الاهتمام بجمالية اللقطة، وهو ما يحسب له، فنحن أمام فاجعة فقد فنان تشكيلي مهم، وأحياناً تكون حركة الكاميرا بهذا الشكل، هي المعبر عن حجم الفقدان، لكنه في الوقت ذاته استغل اللوحات الجميلة التي رسمها ياسين لتكون المعادل الجمالي.
كان بالإمكان أن يكون الفيلم وثائقياً درامياً “ديكو دراما” حتى يمكن أن نشتغل على مفارقة موت ياسين عطية، من خلال توظيف حكاية جانبية تروى على لسان الراوي العارف بكل شيء، يسرد بها حكاية ياسين من الوطن الى المنفى الى الوطن الى الموت، الأسباب التي أدت الى هجرته وكذلك التي كانت سبباً في عودته، حكايات طفولته ودراسته، عائلته التي تركها في المنفى بعد موته، فكما قلنا في البداية، إن الثيمة التي كان يمكن لجمال أن يشتغل عليها هي مفارقة أن يأتي شخص من منفاه الأوروبي، حيث الأمان والتمتع بالقوانين المدنية والامتيازات التي يوفرها له البلد الآخر، إلى جحيم الصراع والإرهاب، والتفجيرات اليومية التي تحصد أرواح الناس يومياً، أسباب القرار الذي اتخذه ياسين بالعودة، العودة إلى الجذور، حتى لو كان ذلك من خلال زيارة إلى وطنه الذي لم يفارق خياله يوماً ما.
اعتقد إن جمال أراد أن يشتغل فيلمه قبل أن يمر وقت طويل على وفاة ياسين عطية، وهو ما أثر على الفيلم، لأنه كان بإمكانه أن يعمل فيلماً طويلاً، يعرض لكل الذين يعيشون في المنافي البعيدة، الذين لا يقلون حماسة وشوقاً عن ياسين في أن يروا بلدهم يزدهر ويعيشون فيه، لكن البعض يحذر العواقب، في حين البعض الآخر مثل ياسين لم يحتمل أكثر مما احتمل، فجاء موته على يد أشخاص ” لهم خمس صلوات في اليوم كما لنا.. لكنهم يقفون ويدلون المارة على القبور المعدة لنا سلفاً”.

 

 

جمال أمين أوفى صديقه حقه، من خلال هذا الفيلم الجميل الذي يضيف لرصيده فيلماً جميلاً آخر من سلسلة أفلامه التي تتخذ من حياة المغتربين والمنفيين العراقيين موضوعاً لها، مثل اللقالق، قطع غيار، وغيرها، حيث كان ياسين عطية بطلاً في الأخير.
أعتقد أن عمل مثل هكذا أفلام عن المبدعين العراقيين مهم جداً، وان كان يفترض أن يكون في حياتهم كتكريم لهم، وربما يكون توافر جمال أمين على العديد من اللقاءات مع ياسين في حياته، واستعراضه للعديد من جوانب حياته، هو دليل على نيته في عمل فيلم عن ياسين في حياته، وربما يكون لجمال أفلام مقبلة عن مبدعين آخرين في المنافي البعيدة.

 

الصباح الجديد العراقية  

شوهد المقال 2385 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ النظام مريض وعلته ليست كورونا

نجيب بلحيمر الاعتقاد بأن كورونا التي أصابت عبد المجيد تبون هي مشكلة النظام السياسي خطأ في التشخيص قد يكون قاتلا. منذ الأيام الأولى بدأ التخبط في
image

خديجة الجمعة ـ الروح

خديجة الجمعة  هذه الروح تشتاق إليك ، تشتاق لرؤيا عينيك . تشتاق للجلوس معك . لتنطق اسمك بين كل الأسماء . وعاجباه!! منها تلك التي ترسم
image

وجيدة حافي ـ مُستقبل التعليم في الجزائر بين التقليدي والحديث في زمن الكُورونا

وجيدة حافي  المُنتسبون لقطاع التربية والتعليم أساتذة وإداريون يُطالبون السُلطات بوقف الدراسة لأجل مُحدد ، على الأقل حتى تنتهي هذه الفترة الحرجة التي تعرف تزايدا ملحوظا
image

علاء الأديب ـ رأي في بلاغة الشافعي..

علاء الأديب أما ترى البحر تعلو فوقه جيف وتستقر بأقصى قاعه الـــدرر الشافعي. أرى أن الشافعي رحمه الله قد اخفق بلاغيا في اختيار مفردة فوق
image

بوداود عمير ـ مارادونا ..شي غيفارا الرياضة

معظم صحف العالم اليوم، تحدثت عن رحيل مارادونا، الظاهرة الكروية العالمية؛ صحيفة "ليمانيتي"، أفردت غلاف صفحتها للاعب الارجنتيني، ونشرت عددا من المقالات عنه موثقة بالصور.
image

نجيب بلحيمر ـ وهم الحل الدستوري

نجيب بلحيمر  ما الذي يجعل كثيرا من الناس مطمئنين إلى عواقب تطبيق المادة 102 وإعلان حالة الشغور في منصب الرئيس؟لقد كان "المسار الدستوري" الذي فرضته السلطة
image

محمد هناد ـ تطبيق المادة 102 من الدستور أضحى أمرا ضروريا

د. محمد هناد  في هذه الفترة العصيبة من جميع النواحي، تجد الجزائر نفسها من دون رئيس دولة منذ أكثر من شهر. المعالجة الإعلامية المتصلة بمرض الرئيس
image

العربي فرحاتي ـ أبناء العمومة يلتقون ..في نيوم

د. العربي فرحاتي  قبل أزيد من أربعين سنة خاطب السادات الإسرائيليين ب "أبناء عمومتي" عند زيارته التطبيعية الأولى من نوعها في العلاقات العربية الاسرائيلية.. اليوم أعلن
image

عبد الجليل بن سليم ـ رسالة كريم طابو في ميزان السياسة

عبد الجليل بن سليم  أولا اتفهم الدافع الوطني الذي دفع كريم طابو لكتابة رسالة تنديد لم صرح به رئيس فرنسا حول الجزائر و تبون و دعهمه
image

عثمان لحياني ـ في ما يجب أن يقال لماكرون

عثمان لحياني  لا حكم على النوايا ، ولا حق لأحد مصادرة حق الغير في ما يراه فعلا سياسيا ، يبقى أن المضمون الوحيد الذي يجب أن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats