الرئيسية | الوطن الفني | بين التاريخ والدراما متى اللقاء؟!!

بين التاريخ والدراما متى اللقاء؟!!

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
       د/ يسرا محمد سلامة
   باحثة دكتوراه تاريخ حديث ومعاصر
       جمهورية مصر العربية

 
 
الأمة التي لا تاريخ لها لا مستقبل لها، والشعب الذي لا يعرف تاريخ أمته شعب أضاع هويته، والتاريخ لا يُعرف إلا إذا عُرفت مصادره، إذ أن دراسة التاريخ دراسة قصصية وروائية لا تكفي لتكوين المعرفة الحقيقية الصحيحة، التي نستطيع أن نُسميها علم التاريخ؛ فدراسة التاريخ تحتاج أولاً إلى معرفة مصادره ومراجعه، مع تدقيق وتمحيص ونقد واستخلاص نتائج ومنهج يضبط ذلك كله.
تنقسم المصادر التي يستقي منها المؤرخ ودارس التاريخ بوجه عام الحقائق والمعلومات إلى ما يلي: الآثار والنقوش، المخطوطات، الوثائق، المؤلفات، الدوريات، وأخيرًا المشاهدة الفعلية والتحقيقات الشخصية
التاريخ والهوية
كان لتلك المقدمة ضرورة مُلحة؛ لأبدأ حديثي عن ما أود قوله، فإذا كان تاريخ أمةٍ ما، يُعد ركنا أساسيا في هويتها، فإن الفن وما يُقدّم خلاله من أعمال درامية يُعد هو الآخر ثقافة أمة ويسير في خطٍ متوازٍ مع تاريخها، لأننا لو اعتبرنا التاريخ نبض ماضٍ عاش فيه أسلافنا، فالفن نبض حاضر نعيش فيه نحن، وهو مرآة لواقع نتعامل معه يوميًا.
وعلى المبدع أو من يقوم بنقل هذه الصورة الواقعية في أى عمل درامي أن يمتلك أدواته جيدًا، من موهبة، وقدرة على إقناع، وأسلوب حواري مميز، وانتقاء الفكرة التي تجذب المشاهد، وهى أمور لابد من توافرها في أى عمل، يود مؤلفه أن يَرقى به، ويدخل معه وبه في ذاكرة المشاهدين على مر السنين.
لكن، على كاتب العمل الدرامي التاريخي عبء آخر غير ما ذكرته، هو توصيل هذا الحدث التاريخي بكافة تفاصيله دون ملل أو إسهاب للمشاهد، وهذا يحتاج مهارة غير عادية من الذي يريد القيام بهذا العمل، فجهوده في الكتابة هنا مُضاعفة؛ لأنه لزامًا عليه أن يكون قارئا للتاريخ ودارسا له، لديه العديد من المصادر التي من الممكن أن يستعين بها في كتابة عمله الدرامي، وفي نفس الوقت يكون لديه المَلَكَة على الإبداع دون المساس بالخط التاريخي المزمع كتابته، ولا أقصد بما قُلته عن مَلَكَة الإبداع أن يؤلف ويتخيل أمورًا لم تحدث – بالعكس – فتاريخنا به من الدراما ما تكفي لأعمال درامية عديدة، فقط عليه أن يمسك بزمام مصادره، ويتوغل فيها ويقرأ تفاصيلها، بل والذي بين السطور فمنه يستطيع أن يخرج بالدراما المطلوبة، دون أن يتطلب ذلك منه جهدًا في التأليف.
فالتاريخ لم يقم إلا على الانسان وبالانسان، وبطله الوحيد هو الانسان، والفرد فيه نواة لأى حدث تاريخي؛ لذا فالصراعات الموجودة بداخله كفيلة وحدها بصناعة عمل درامي، من مقوماته الجيدة"الحبكة" التي يسعى إليها المؤلف وينشدها من أجل اتمام ما كتبه.
كما أنه لم يَعد في سيرته الجافة التي تعودناها، ساردًا لسير الملوك والحُكّام، واصفًا المعارك الحربية، مُهملاً حياة الأفراد والشعوب التي تتكون منها الأمم، بل اتسعت آفاق دراسته اتساعًا كبيرًا بحيث أصبح موضوعًا لدراسات مختلفة، فيقول عنه بوركار(1)"إن التاريخ سيد الحياة"، ويعقّب نيتشه(2) على ذلك بقوله"إن الانسان يجب أن يُلم بالأحداث الخاصة بحياته خلال الأزمنة المختلفة، فمعرفة الماضي مطلوبة لكى تكون في خدمة الحاضر والمستقبل، وليس لإضعاف الحاضر أو لاجتثاث جذور القوى الحيوية للحياة في المستقبل"، ويذهب سينوبس(3) إلى أن التاريخ"أستاذ الحياة يزودنا بنصائح عملية تُفيد السلوك، وبدروس تُفيد الأفراد مباشرة، كما تُفيد الشعوب" .
(1) جون لويس بوركار(1784-1817)، رحالة ومستكشف سويسري.
(2) فريدريك فيلهيلم نيتشه(1844-1900)، فيلسوف وشاعر ألماني.
(3) شارل سينوبس(1854-1942)، مؤرخ فرنسي.
وفي النهاية أقول لكل مُبدع يُفكر في كتابة عمل تاريخي، نعم إنه خطؤك إذا لم تكتب تاريخ بشكل صحيح في هذا العمل، وتَذرعك بحجة أنه "دراما مستوحاه" لا يُبرر جهلك بتاريخك؛ لأن الأعمال الدرامية ذاكرة أمة وإرث نتركه لأبنائنا وأحفادنا لكى يتباهوا به، اقرأ كثيرًا، حاور من تراهم شاهدون على تاريخ معاصر تود كتابته، استفد من تجاربهم، أبحر في سفن معارفهم، دع مُخيلتك تسافر إلى أى عصر مضى، امتطي صهوة زمان لم تعشه قط بتوحدك مع مخطوطة أو وثيقة أو مرجع يعود لهذا العصر، لا تقف مكتوف الأيدي آسفًا على عدم دراية جيل تتعايش معه بتاريخه، لأنه لم يقرأ في زمن تُسيطر التكنولوجيا على كل مفرداته اللغوية، لا تكتفي بأضعف الإيمان بل اسعى لأن تُغير بيدك، فمن المعروف أن وسائل الإعلام المرئية هى أهم مُحفز ودافع لتوجيه الأفراد لتكوين رأى ما، وفقًا لنظرية الاتصال، استخدم كل أدواتك الفكرية والمادية من أجل تثقيف هذا الجيل وتعريفه بتاريخه على الوجه الصحيح.
صلاح الدين الأيوبي و كليوباترا
ومثلما كنّا جميعًا نتذكر العمل السينمائي الرائع "صلاح الدين الأيوبي" للفنان المتميز أحمد مظهر، الذي كفى به من أعمال لديه لكى نفخر بما قدمه من فن، وتغنينا برائعة إليزابيث تايلور "كليوباترا" والذي تم إنتاجه عام 1963، آن لنا أن نحشد كل مُبدعينا لكى يرتقوا بثقافتنا الفنية التاريخية، وليبعثوا للمشاهد بالرسالة التي من أجلها كُتب التاريخ، وهى أنه "للعظة والعبرة"، وأنه "لا يُكرر نفسه" نحن بأخطائنا وعدم تعلمنا درسه نجعله يتكرر، ومن لا يتذكرون الماضي محكومٌ عليهم بتكراره، فكيف يكون لدينا كل هذا التاريخ ونكتب "دراما مستوحاه"؟!!

شوهد المقال 1235 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats