الرئيسية | الوطن الفني | كاظم مرشد السلوم ....... المخرج العراقي قاسم عبد في {همس المدن»

كاظم مرشد السلوم ....... المخرج العراقي قاسم عبد في {همس المدن»

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 كاظم مرشد السلوم 

 

لعشر سنين كاميرته ترصد الحياة اليومية


أن تدع كاميرتك تسجل الأحداث التي تجري أمامها ولفترة تزيد على عشر سنين، هو امر ليس بالهين، كونك ستتوفر على كم هائل من التسجيل الصوري الخام، قبل أن تدخل إليه الروح من خلال المونتاج، وغالبا ما يكون التعليق أو الحوار داعما لإخراج الشكل النهائي للفيلم، لكن قاسم عبد تخلى عن الحوار أو التعليق، بل تناول الواقع من خلال أحد أهم أشكال تناول الواقع في السينما الوثائقية، وهو شكل المعايشة، هذا الشكل الذي ربما يبتعد الكثير من مخرجي الأفلام الوثائقية عنه لحاجته الى نفس طويل ومتابعة وتفرغ، وكلفة إنتاجية عالية، لكن قاسم عبد قبل بذلك ليقدم لنا فيلما وثائقيا متميزا .
رام الله الفلسطينية هي المدينة الأولى التي رصدت كاميرا قاسم عبد همسات شوارعها وناسها، وأنينا عمره عشرات السنين متأت من قسوة الاحتلال، الكاميرا في تقاطع طرق في إحدى ساحات مدينة رام الله، حركة الناس اليومية، طلبة وعمال، موظفون وقوات أمن، باعة الكعك ينادون على بضاعتهم، لاشيء يعكر حركة الناس اليومية الرتيبة، همسها غير مسموع وأنينها مكتوم، وكاميرا قاسم عبد تحاول أن تسترق السمع لهذا الهمس وذاك الأنين، حتى تتمكن من سماعه ومشاهدته، بمشهد يتكرر كلما كان سبب هذا الوجع الدائم، حاضرا يكسر رتابة الحياة، التي يبدو انها لا تتغير مادام هناك احتلال، حيث لا أمل بوعود واجتماعات مجلس الامن او الجامعة العربية.
قوات الاحتلال تحاصر الساحة وتقطع الطرق وتمنع حركة الناس، فهي في جولة تفتيشية عن شباب المقاومة، وتنجح في الآخر من القبض على احدهم واقتياده، والكاميرا مستمرة في تسجيل الأحداث، لينبلج فجر يوم آخر وتعود الحياة إلى ما كانت عليه سابقا، فالحياة لا تتوقف مهما كان شكل القمع وبطش
 الاحتلال. 
بغداد بعد 2003، هي المحطة الثانية لقاسم عبد، كاميرته مثبتة في ساحة الواثق من قلب بغداد، تقاطع الساحة يمر به مختلف السيارات، وتعبر منه شرائح المجتمع المختلفة، بغداد في قمة غليانها وانفلاتها الأمني، التصوير هنا مجازفة، السنين الطوال التي بقيت فيها الكاميرا تصور من شرفة احدى البنايات، وفرت لقاسم عبد كما كبيرا من التسجيل، حيث مفارقات الحياة اليومية غير المنضبطة، رجل المرور لايستطيع السيطرة على الوضع، القوات الأميركية تمر متجاوزة الجميع والقوات العراقية تفعل الشيء ذاته، الميليشات تعبر الشارع وصوت الرصاص وصفارات الإنذار لا تنقطع طيلة النهار، لكن ثمة بناية جديدة تبنى على طرف الساحة، الكاميرا تتابع عملية البناء منذ حفر الأسس، هنا يثبت قاسم عبد انه لا يشتغل بدون وضع فكرة وهدف واضحين، حيث يعود إلى عملية البناء بين فترة وأخرى، مؤكدا إصرار المدينة على الحياة رغم كل الذي حصل، وكل النتائج المترتبة على ذلك.
مشاهد محزنة لمدينة كانت في يوم ما عاصمة الدنيا، ومشاهد كوميدية غير مقصودة رصدتها الكاميرا، خصوصا مشاهد رجل المرور الذي لا يتقيد بإشارته أحد، إدانة لقوات الاحتلال، والميليشيات، وكذلك لفوضى الناس، ورصد لحالات الفساد من خلال متابعة الكاميرا لبناء نافورة ماء وسط الساحة، ومايرافق هذا البناء من فساد تمثل في رداءة شكلها وإعادة تغليفها مرتين قبل أن تكتمل، وإشارة إعجاب إلى إصرار الناس والمدينة على الحياة، البناية تكتمل والناس مستمرون في العمل، عمال وشحاذون، موظفون، وطلبة يقيمون حفل تخرجهم في وسط الساحة حيث لا مكان آمنا في بغداد بعد، همس بغداد ينتهي بانتهاء عملية بناء العمارة، وهو ما أراد قاسم قوله ان الحياة مستمرة في بغداد،على الرغم من كل شيء.
أربيل، المدينة العراقية العريقة هي ثالث المدن التي رصدتها كاميرا قاسم عبد، حيث الكاميرا مثبتة أمام بناية إحدى المدارس الثانوية، وترصد حركة الناس طلبة وأناس عاديين، وباعة متجولين يسترزقون من بيع مأكولاتهم وعصائرهم على طلبة المدرسة، في إشارة إلى فقر حال الناس، الطبيعة القاسية، تكون بالمرصاد لانسيابية الحياة، فالمطر في شمال العراق غيره في مدن العراق الأخرى، الباعة يعيشون من خلال الدخل اليومي الذي يكسبونه، والمطر قد يمنع الحصول عليه، لكن لا أحد ينسحب فالمطر لابد من أن يتوقف، والحياة مستمرة، اذ يعود الجميع الى ممارسة حياتهم بشكل طبيعي. 
ان تناول قاسم عبد لواقع بعض المدن بهذا الشكل من أشكال تناول الواقع في السينما الوثائقية، أمر ليس بالهين، ويحتاج إلى صبر ومطاولة ربما لاتتوفر لدى الكثير من مخرجي هذا النوع من الأفلام، لكن عبد قبل التحدي ونجح في صنع فيلم أعتقد أننا ربما لا نشاهد مثله وطريقة تناوله لوقت طويل.وهو فيلم وثائقي يضيف رصيدا مهما إلى النتاج  السينمائي الوثائقي العراقي .
الفيلم عرض في مهرجان أبو ظبي السينمائي السابع، الذي أقيم الشهر الماضي، وهو مدعوم من قبل صندوق سند لدعم الأفلام السينمائية ،ونال إعجاب الجمهور والنقاد الذين حضروا العرض.
 
الصباح العراقية  

 

شوهد المقال 2303 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

مراسلون بلا حدود: النظام الجزائري “استغل كورونا لاستهداف صحافي حر”

الجزائر: أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” توقيف الصحافي الجزائري المستقل خالد درارني مساء الجمعة في الجزائر، والذي كان احتجز قيد التحقيق منذ الأربعاء. وهي المرة
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة
image

مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

مرتضى كزاز   أكثر العقول نشاطاً هذه الأيام هو العقل المستقطب، المتحزب والموتور دينياً أو سياسياً، منذ بداية انتشار الفايروس وأنا أتسقط الأخبار متابعاً ما
image

العربي فرحاتي ـ حكايات " الشعب الملهوف" خرافة

 د. العربي فرحاتي  مشاهد التزاحم والتدافع القوي بين السكان في الأحياء والقرى لاقتناء كيس من الدقيق (السميد) كما تلتقطه وتنشره وسائل التواصل الاجتماعي..مشهد حزين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats