الرئيسية | الوطن الجزائري | سعيد لوصيف ـ أفكار في مساءلة الحقائق و التواصل المجتمعي وعمل الحداد..

سعيد لوصيف ـ أفكار في مساءلة الحقائق و التواصل المجتمعي وعمل الحداد..

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. سعيد لوصيف 
 
إن الصعوبة التي نجدها في الحديث والتواصل عن مرحلة عنيفة ودموية مثل تلك التي عاشها المجتمع الجزائري في التسعينيات من القرن الماضي، إنّما تكمن أساسا في ذلك الشعور بعدم الراحة والمعاناة النفسية والقلق في مواجهة استنطاق حقائق كابدها الجزائريون والجزائريات وعمدوا على كبتها في اللاشعور الجمعي، خوفا من الصدمة وانتهجوا "الانكار" و "السكوت" عنها كميكانيزمات دفاع حفاظا على غريزة الحياة.
وعليه، وإذا كان من الضروري التواصل والحديث عنها من الناحية الأكاديمية، يكون عندئذ من الضروري أن نسائل جيّدا، وفي هدوء أبعاد عمليات هذه المرحلة واشتغالها (fonctionnement) في أذهان وقلوب الجزائريات والجزائريين وعلاقاتها بذكائهم الجمعي وعواطفهم وحالاتهم الوجدانية، حتّى يتسنى لنا مقاربة فهم ما حدث، ولماذا حدث وكيف حدث ولأيّ أهداف؟
كما يتعيّن ان ندرك أيضا انّه في حالات الصدمات العنيفة ، فإنّنا غالبا ما نتصرّف كالأطفال في محاولاتهم للخروج من عوالمهم الداخلية واكتشاف حقائق الحياة الخارجية؛ أي بمعنى تلك الحقائق التي تدمج العوالم الداخلية للآخرين في إدراك الوقائع والأحداث ، وهذا بالطبع يأخذ وقتا للوصول إلى مرحلة التمييز الواعي بين المعلومات الصادرة من الحقائق الداخلية وتلك الآتية من العالم الخارجي كعالم "موضوعي" نواجه به الذاتيات، وفرص التمييز بين حدود الحقائق التي تشكّلت في رمزية وضع الضحية وحقائق المسؤولية الأخلاقية والسياسية على حدّ سواء.
طرح الأسئلة ورفض الاتهام المسبق، مدخل لفهم الحقائق...
أود في هذا المقام أن أشير أن استخدام خطاب الاتهام المسبق، بعيدا عن محاولات فهم الحقائق والمسؤوليات السياسية المرتبطة بها، لا يمكن أن يكون خطابا سياسيا يعالج صدمات عنيفة ومعاناة لا تزال حاضرة في اللاشعور الجمعي، بل هو خطاب يهدف وللأسف إلى القفز على الحقائق، مهما كانت أليمة وصادمة، والتي لم نتمكن ولحدّ الآن من معالجتها في هدوء وبأدنى سقف من المسؤولية الأخلاقية والسياسية تجاه حقوق مجتمع بأكمله، تفاديا لإعادة انتاج العنف والعنف المسلح و المأساة والمعاناة.
إنّ استبدال الاتهام بالسؤال، هو مسلك منهجي يهدف أوّلا إلى تحقيق الفهم، وثانيا إلى بذل مجهود الإجابة وتقصي الحقائق؛ بل أكثر من هذا فهو من الناحية التحليلية محاولة لوضع كلمات وعبارات على حالات معاناة ومخاوف تمّ كبتها حتّى يتسنّى لها الطفو إلى مساحات الشعور والوعي، ومن ثمّ محاولة تناولها في صورتها العقلانية كحقيقة تحمل في طياتها قابلية للاستنطاق و الاستيعاب. فكلّما ابتعدنا عن السؤال واتجهنا نحو الحكم عن طريق الاتهام المسبق، كلّما ظلّت معارفنا وتصوّراتنا عن الصدمات والمعاناة مرتبطة بهواماتنا وبناءاتنا الداخلية، وكلّما بقينا أيضا حبيسي نظام بناء حقائق مغلق يستبعد الحاجة إلى الفهم. وعليه، فبالقدر الذي يشكّل فيه السؤال مدخلا لفهم الحقائق ومعالجتها، بالقدر الذي يعتبر فيه الاتهام المسبق مدخلا لطمس هذه الحقائق ومدخلا للانتقام.
الحداد المؤجّل - المعلّق ...
لا يهدف استخدام مفهوم الحداد المؤجّل - المعلّق، إلى تقديم وصف تام ومطلق لحالات العنف والعنف المسلّح الذين ميّزا سنوات التسعينيات، وإنّما يهدف إلى محاولة فهم الكيفيات التي مكّنت المجتمع من الخروج من وضعيات مواجهات عنيفة وحرب أهلية، وفشله في الوقت ذاته من تجاوز الصدمة العنيفة وحقائقها وترك سيرورة الحداد مؤجّلة ومعلقة.
ولعلّ ما يوضّح وضعية الاهتزاز على المستوى النفسي الاجتماعي لتبعات ما بعد صدمة التسعينيات، هو التنافر والتناقض الذي لايزال يميّز المخيال الاجتماعي للأفراد بين دوافع الرغبة في مواجهة الحقائق وميكانيزمات الهروب منها وإنكارها وبقائها على بعد من الأنا ومنطقة الشعور. وهي الحالة التي تفسّر في اعتقادي – عموما - توجّه المراقبة الاجتماعية واستراتيجيات المواجهة (coping) الاجتماعية لسنوات جنون العاطفة عن طريق استبطان حظر الحقائق الأليمة التي مسّت العائلات الجزائرية.
وفي مثل وضعيات الإنكار هذه، و حالات الصدمات العنيفة والحداد المؤجل - المعلق، يظهر الماضي لا يزال يؤدي وظيفة كابحة؛ أبقى الجزائريات والجزائريين في حلقة زمنية مفرغة، منعتهم من إسقاط الذات الجمعية في المستقبل، وشكلت تصوراتهم للحاضر والمستقبل على أنهما لا يمثلان سوى سيرورة إعادة إنتاج لاحداث سابقة. فما من محاولة يكون هدفها تحويل هذا النظام الزمني المغلق و تفعيل عمل الحداد عن طريق مساءلة الحقائق وفهمها، إلا وعرفت مقاومة، وقلقا حادا و فرصا ضئيلة للنجاح.
كما بقي أيضا هذا الزمن "التاريخي"، لدى العديد من الأفراد يرتبط بتصوّرات ذاتية مستترة ومبطنة، كثيرا ما استخدمت سياسويا لشرعنة رغبة في الهيمنة، ومنعت من تحقق عمل الحداد؛ أي بمعنى تحرّر الأنا الجمعي من الصدمات العنيفة ومنحه فرص الاسقاط في المستقبل عن طريق الانتقال إلى بناء روابط عقلانية جديدة تحمي الأفراد والمجتمع من عودة جنون العاطفة وإعادة انتاج السقوط في متاهات العنف والعنف المسلح والمعاناة.

شوهد المقال 470 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خلجات ...علاء الأديب

دلوني على بلاد لا تجف فيها الأنهار. ولا يحترق فيها القمح ولا يعيش فيها الانسان مهان ولا يموت فيها كموتة الديدان دلوني على بلاد أنام
image

حتى لا يستمر الخذلان

قال الشاعر الشيعي وهو يعبر عن الشيعة، ( أنا شيعي وعندي قصة ويه الحسين ) وما ظهر لي من قصة الشيعي مع سيدنا الحسين رضي
image

فروسية - قصة قصيرة

قصة قصيرة لم يسبق لى أن امتطيت خيلا ولا تعلمت الفروسية، ولا رأيت فارسا فى الحقيقة رغم مقابلتى لكثير من الخيول بحكم تواجد الخيل
image

سماسرة : منظومة الفساد ومافيا تصاريح العمل تستغل العمال الفلسطينيون الى حد العبودية!!

د.شكري الهزَّيل **فلسطيني عن فلسطيني يفرق وعلى جميع السماسره الفلسطينيون على ضفتي الوطن المُحتل ان يخجلوا من السمسرة واستغلال احوال اخوانهم واخواتهم العمال الفلسطينيون اللذين
image

أسباب انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش بقلم : حماد صبح

يتوجع عسكريون وساسة إسرائيليون من انخفاض حماسة الشبان الإسرائيليين للالتحاق بالجيش ، في دولة قيل عنها يوما إنها جيش له دولة . ومن أشد العسكريين
image

هل الولايات المتحدة دولة إرهابية ؟! ترجمة : حماد صبح

لا مفر من الإجابة : نعم ، أميركا دولة إرهابية . غالبا ما تشير كلمة " الإرهاب " إلى هجمات عنيفة منظمة على
image

لا لمُعدل أقل من عشرة في البكالوريا والجامعة ليست مكانا للهو.

مبارك لكل الناجحين والناجحات في بكالوريا هذه السنة التي صنعت الإستثناء للمرة الثالثة على التوالي بتبني وإقرار مُعدل 9,5للظفر بالباك أو الثانوية العامة كما يُطلق
image

ما وراء الجدار!!

  د.شكري الهزَّيل في طفولتي المشاغبة لم اترك شئ لم اكتب او ارسم عليه رسمة ما,كتبت على الرمل والحيطان والاشياء وحجارة الرغمون وكنت دائما اشعر اني
image

تحت عجلة التدوير...الشاعرة ريم النقري ..سوريا

أنا لا أكتب الآن بل أتخيّل بطولاتكم على وقع مزامير عقمكم قد تصبحين دمية كبيرة زاحفة باتجاه الموج تترسّب عليها الكثير من
image

دستور نوح فيلدمان يلفظ أنفاسه، وتونس جزء من الأمة بجناحيها العربي والإسلامي

  في كتابه "سقوط وصعود الدولة الإسلامية" الصادر سنة 2008 يقول البروفيسور الأمريكي نوح فيلدمان أن على الإدارة الأمريكية دعم الجماعات الإسلامية في البلاد العربية والتحالف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats