الرئيسية | الوطن الجزائري | مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

مولود مدي ـ الإقتصاد الريعي في خدمة النظام السياسي الجزائري

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مولود مدي 
 
من أحد الأدوات الأساسية التي استعملتها السلطة في تشديد السيطرة على المجتمع: احكام القبضة على السوق الوطنية للسلع والمواد الإستهلاكية الأساسية، ومراقبة سوق العمل.
ولهذا يشعر المجتمع الجزائري الى الأن أنه تحت رحمة دولته التي تبيع براميل النفط وتشتري له من السوق العالمية ما يحتاج اليه من سلع لبقائه، كما هي تحت رحمة هذه السوق المتقلبة.
لا يمكن لأي نظام سياسي ان يستمر فقط باللجوء الى العنف والقهر المادي، بل هو في حاجة ملحة الى شرعية، تسمح له بأن ينخرط فيه جزء مهم من الطبقات والفئات الإجتماعية التي تسمح له بمراقبة الفئات الشعبية التي تبدي رفضا ومقاومة بإستعمال واجهة "التعددية والليبرالية".
النظام في حاجة دائمة الى "زبائن" في مختلف الطبقات الإجتماعية، والهدف خنق المجتمع المدني ومنع ظهور نُخب سياسية/اقتصادية مستقلة عن النظام لا تدين له بشيء ولا تحتاج الى التحالف معه لكي تتستمر في الحياة.
"الممارسات الاقتصادية" في "الشركات العمومية" التي تمثل 60 % من حجم الشركات الموجودة في هذا البلد، تبيّن أنها تشتغل وفق هذا المنطق، فهي موجودة لشراء السلم الإجتماعي، ضاربة بعرض الحائط منطق الاقتصاد، و"نقاباتها" وجدت لخنق أي مطالب عمالية بإمكانها أن تتحول الى اضطرابات سياسية.
ليس هناك أكبر مثال كالمناخ السياسي والاقتصادي الذي ساد بعد 1989 تحت اسم "الإنفتاح والتوجه نحو اقتصاد السوق" والذي لم يكن في الحقيقة الا ليبرالية سياسية شكلية ( اغراق الساحة السياسية بالحزيبات والجمعيات لإعطاء مظهر تعددي للساحة)، بينما تم خنق الليبرالية الاقتصادية الأكثر خطورة على وجود النظام، ودون انفتاح اقتصادي يصبح "الانفتاح السياسي" دون معنى، وما حصل تحت مسميات "الخوصصة، "اعادة الهيكلة".. هو انتقال من يعتمد على المركز السياسي في جمع الثروة، الى المركز الاقتصادي لإستثمار ما راكموه خلال حقبة الأحادية و"الاشتراكية".
هذا يفسر استمرار الطابع الريعي التوزيعي للإقتصاد الجزائري مع شبكة بيروقراطية معقدة، مما سمح للنظام بإمتلاك أدوات ابطال مفعول التعددية السياسية التي أقرها، وذلك من خلال استخدام الموارد الريعية لإستزلام النخب واحكام القبضة عليها ومن ورائها المجتمع.
الديمقراطية لا يمكن اختزالها في تمظهراتها الشكلية: اقرار "التعددية الحزبية والاعلامية والليبرالية الاقتصادية في الدستور"، فالديمقراطية لا يمكنها أن تعيش الا في دولة القانون.
وفي حين هذه الأخيرة سيرورة تاريخية طويلة، ونتاج شروط تاريخية وليس قرار مركزي من السلطة، ولا يمكن الحديث عن "مجتمع مدني" و "تعددية حزبية" و "دولة قانون".. في جماعة سياسية يسودها نظام شمولي واقتصاد ريعي.
ليس هناك في الجزائر حدود بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي، والى اليوم لا نية للفصل بين المجالين، السلطة موجودة للحفاظ على وضع قائم وهذه طبيعتها في كل البلدان، هذا التداخل بين السياسي والاقتصادي الذي انتج اقتصادا توزيعيًا، لا يسمح بظهور احزب تدافع على مصالح ناخبيها، الأحزاب فالجزائر ليس من مهمتها طرح مساءل السلطة والحريات، وانما التوغل في المجتمع ومعرفة مطالبه ليتم حلها وفق منطق النظام، ولن تكون هناك صحافة حرة تراقب السلطة وتكتب عنها كما تشاء وهي أصلا تعيش على صدقاتها، ولا يستطيع الموظف في شركة أن يعمل دون تعليمات سياسية فوقية..
الفصل بين السياسي والاقتصادي، سيمهد الى القضاء على الطابع الافتراسي للدولة الجزائرية، وستختفي مباشرة شبكات الزبائنية والأحزاب المجهرية الطفيلية الباحثة عن نصيبها من الريع، ويظهر اقتصاد منتج وليس اقتصاد ريعي توزيعي، ويصبح الصراع في المجتمع هو على اقتسام فائض القيمة التي أنتجها وليس صراع على توزيع الريع، ويظهر اعوان اقتصاديين يحملون مشروعًا مجتمعيًا ديمقراطيًا، وعندها كتحصيل حاصل ستتطور في نفس الوقت آليات العمل السياسي، ومؤسسات سياسية لإعادة توزيع السلطة، ومؤسسات الرقابة على المال العام.
 
 https://www.facebook.com/Mr.meddi/

شوهد المقال 133 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جلال خَشِّيبْ ـ "النهاية الجديدة للتاريخ" بَرَاغ خانا

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA) مجلّة المصلحة القومية، 06 مارس 2021، الولايات المتحدّةالكلمات المفتاحيّة: الجيوبولتيك، العلوم السياسية، نهاية
image

حكيمة صبايحي ـ جلالة "الهايشر"

حكيمة صبايحي  من أطلق لفظة "الهايشر" على الشعب الجزائري؟ ماذا تعني لفظة "الهايشر"؟ طبعا لا يمكن أن تعني إلا لفظة سوقية تحط من شأن الشعب الجزائري،
image

جمال الدين طالب ـ لماذا يزعجهم "التاجديتيون"؟ بعض الأفكار لمحاولة الفهم ...

بقلم: حسني قيطونيترجمة: جمال الدين طالب تحليل ممتاز للباحث والمخرج الأستاذ حسني قيطوني نشره اليوم على صفحته على فيسبوك ولم أستطع الانتظار لترجمته بسرعة للعربية ومستقبلا
image

Kitouni Hosni ـ Pourquoi les Tadjadit dérangent ?

Kitouni HosniQuelques idées pour tenter de comprendre...Le cas Mohamed Tadjadit a provoqué une controverse au sein du Hirak et bien au-delà. Pour la première
image

نصرالدين قاسم ـ الجمعة 112 الحراك راسخ في السلمية ولكل حدث حديث..

نصرالدين قاسممثل أحرار السلمية في توادهم وتعاضدهم وتضامنهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.. في الجمعة الثانية عشرة
image

حماد صبح ـ قراءة في كتاب " السهم المرتد " رفيف دروكر

 حماد صبح يتناول هذا الكتاب أحداث الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي انفجرت في 28 سبتمبر 2000 احتجاجا على زيارة شارون إلى المسجد الأقصى ، وتعبيرا عن غضب
image

"أُريد ابنا واثقا في نفسه" أول إصدار للكاتبة " مريم عبد الحميد شريبط" عن دار قيرطا للنشر والتوزيع.

الوطن الثقافي ـ ح . و  يصدر عن دار قيرطا للنشروالتوزيع بقسنطينة أول مُؤلف للكاتبة والأُستاذة "مريم عبد الحميد شريبط"، بعُنوان " أُريد ابنا واثقا
image

يسين بوغازي ـ الفٌلول ضد شباب الرئيس ؟!

  يسين بوغازي   رٌفع لثامٌ  زمن تشريعي جزائري ، رفع بمقاسات  جزائر  جديدة  فبدا  غريبا عجيبا يحتاج قراءة وتأمل ؟! 
image

سعيد لوصيف ـ في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح

د. سعيد لوصيف   في مسألة الوحدة والمجتمع المفتوح : أو كيف ينبغي أن يتجه التفكير في مأسسة الصراعية في ديناميكية التحول.. شرعنة معيار عام يحتكم إليه
image

رشيد زياني شريف ـ ماكينة الإعلام، مخلب العصابة

د. رشيد زياني شريف  مرة أخرة، ومن جديد، تتوّحد كافة وسائل الإعلام، المكتوبة منها والمرئية، المعربة والمفرنسة، "العلمانيةّ و"الإسلامية"، الحداثية والمحافظة، في الدفاع كلها عن الجلاد

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats