الرئيسية | الوطن الجزائري | رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

رشيد زياني شريف ـ سخرية الأقدار؟ بل "كلُ نفسٍ بما كسبتْ رهينةٌ"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
د. رشيد زياني شريف 
 
يوم 16 يناير 2020، يصادف الذكرى 29 لعودة بوضياف من منفاه، على رأس المجلس الأعلى للدولةHCE بعد انقلاب 11 يناير 1992، وهو تاريخ دامي يعيد إلى ذاكرتنا مرارة ما تجرعه الشعب جراء ذلك الإجرام المقترف من قبل طلقاء الجيش الفرنسي بحق الجزائر والجزائريين، ويوقظ ألم جرح غائر لم يندمل بعدُ، ومما يزيد من هول الحسرة، أن بوضياف الذي أتوا به من منفاه، ليغطي على جريمة الانقلابيين، هو أصلا أحد ضحايا من استدرجوه من جديد، عندما اختُطِف في يونيو 63، واعتقل سرا طيلة أشهر، متنقلا من معتقل إلى آخر، في فيافي الصحراء، ولا يسع الإنسان إلى أن يتساءل كيف لمجاهد مناضل من حجم بوضياف، الذي رفض أن يستجيب في 62، لدعوة بومدين، عن طريق مبعوثه بوتفليقة، ليترأس البلاد، كونهم غير مخولين لذلك، وأن الشعب وحده له الحق في اختيار من يحكمه، كيف يمكن تفسير قبوله بعد 30 سنة، أن يستدرج من نفس الجماعة، التي لم تتغير لا في تشكيلتها ولا أساليبها، ويُستخدَم واجهة مدنية، للإضفاء الشرعية عن طغمة عسكرية انقلابية، لا طالما ندد بها وحذر دكتاتوريتها واستحواذها على السلطة.
العجيب في الأمر أن بوضياف، الضحية الذي تجرع ويلات الاختطاف والتنكيل والنفي على أيدي "مجموعة وجدة"، التي قضت على كل معارض لهما إما بالسجن، أو النفي أو حتى التصفية الجسدية، كيف وقع ضحية مرة ثانية، هذه المرة، لنفس الجماعة لتمارس، تحت رئاسته، نفس الظلم والجرم ضد مواطنين أبرياء، والانقلاب الدموي على إرادة الشعب، ثم الإجهاز عليه بعد إتمام "المهمة القذرة" وبعد أن أصبح يشكل عبأ على القوم؟ إنها سخرية الأقدار يقول البعض، أن يكون بوضياف ضحية لنفس المجموعة ثلاث مرات، الأولى في 63 عند اختطافه واعتقاله، والثانية في 16 يناير 1992 عندما جيء لأداء المهمة القذرة، والثالثة عند اغتياله أمام الملأ.
الغريب العجيب أنه كتب مذكراته (يوميات مختطف: الجزائر إلى أين) حول عملية اختطافه بعد استقلال البلاد، في أكتوبر 63 وعن نفيه في فيافي الصحراء، لكي تكون شهادته عبرة يُستخلص منها الدروس، لكن يبدو أنه لم يستخلصها هو نفسه، مثلما بينته الأيام، كونه نفذ جرائم من كانوا السبب في اختطافه ونفيه والتنكيل به ونفيه، وهو الذي حذر منهم، وبهذه المناسبة، أنقل لكم بعض المقاطع من القسم الأول من مذكراته، لعلها تسلط الضوء على هذا الجانب الغريب:
"بدأت المغامرة التي تنقل هذه المذكرات وقائعها يوم الجمعة 21 يونيو (1963) عند منتصف النهار ، لقد خرجتُ من المنزل لقضاء مأرب، فاستوقفني رجلان على جسر حيدرة وطلبا مني باسم الأمن العسكري أن أرافقهما...
وخلال كل ذلك، ماذا كانت تفعل الحكومة؟ وماذا كانت تقول؟ يوم 26 يونيو، كان بن بلا يخطب في مهرجان شعبي انعقد بالجزائر العاصمة بمناسبة يوم جنون إفريقيا وصرح مباشرة أن الناس الذين اعتقلوا ينتمون إلى طبقة المنتفعين الذين لم يعجبهم أننا نزعنا منهم أملاكهم وحمدا لله أن أنقذ الجزائر من مؤامرة تملك حكومته دلائلها...
وفي الخطاب الذي ألقاه يوم 5 جويلية بالخروبة بمناسبة الاستقلال، تحدث بن بلا عن المؤامرة التي لها خيوط بعيدة: الخيانة والتخابر مع الخارج و...
وأثناء جولته في منطقة قسنطينة ، قدم بن بلا المستلهم دائما، قصة مختلفة إلى حد ما، حيث صرح بالحرف الواحد: اعتقلنا في المدة الأخيرة 5 أشخاص ...كانوا يتعاملون مع الحكومة الفرنسية ومع الاستعمار لخلق مناخ على طريقة تشامتي (انفصالي في الكونغو)...
إن هذه المذكرات ستساعدني على إقناع أكثر الناس تشاؤما بواقع واحد، هو أنه لا السرية ولا الأكاذيب ولا الأوهام ولا الظلم، الذي نتعرض له، تستطيع وقف مسيرة الحقيقة، إن هذا الكابوس المزعج الذي نعيشهن ويعيشه الشعب من خلالنا لا بد أن يضمحل...
يجب أن نقولها بوضوح: لم تعد هناك ثورة في الجزائر، منذ أزمة جويلية وأوت 1962، كل شيء أصبح مغشوشا إلى درجة أننا وجدنا أنفسنا، منذ بعض الوقت أمام هذا المشهد المقزز لحزب مزيف وجيش مزيف ولحكومة من الخلطاء تخضع لنفوذ رجل واحد ولنقابات مزيفة ولبعثرة القوى الطاهرة ولاعتقال المناضلين...
لقد سمعتُ بعض الضباط يتحدثون عن المدنيين المساكين، وهم يشيرون إلى من لا يرتدي الزي العسكري...
وعدم فهم هذه الصيرورة...وعدم الاعتداد بها، يعني الانقطاع عن الحقيقة التي لا يوجد خارجها غير المغامرة، إن كل النُظم وكل أنظمة الحكم التي تفتقر إلى جذور متينة تمتد في عمق الحركة التاريخية ستضمحل لا محالة، وتسقط عاجلا مثل قصور من الورق، وفيما يخصنا، هل النظام الحالي هو السليل الشرعي للثورة وبالتالي وريثها، أليس هو لقيط أنجبته أزمة صيف 1962؟ إننا نترك الإجابة لجميع الجزائريين الذين لا يتوقف سعيهم من أجل اكتشاف الحقيقة...
أما بالنسبة إلينا، فإن الجواب معروف، فمهما كان العقاب الذي نتعرض له، بسبب رفضنا الاستسلام، فإن ذلك لا يغير من موقفنا شيئا، يجروننا من الشمال إلى الجنوب تحت تهديد السلاح مثل اللصوص ألخ...يحرموننا من أبسط وسيلة للدفاع عن أنفسنا، وإسماع صوتنا، كما لو أن مثل هذه الوسائل تستطيع إنقاذ الأنظمة التي تستخدمها... مع الأسف، فإن التعصب الأعمى كان دائما من صفات الأنظمة المتجهة نحو الهاوية، وأمام هذا الواقع، ما قيمة التصريحات المضللة عن الديمقراطية الحرية والاشتراكية...
ولكونها لا تستطيع الاعتماد لا على الجماهير ولا على الطليعة، فإن منطقها سيقودها، من أجل التشبث بالسلطة، إلى إنشاء دفاعها الذي لا تجده إلا في الشرطة، تدفع لها بسخاء أو جيش منضبط. إن الأمثلة على تورط مثل هذا كثيرة جدا، ولا تستطيع الجزائر تجنب المصير إلا إذا تدارك المناضلون الثوريون والشعب الأمر بسرعة...
لا يسع المرء إلا أن يفكر في الناس الذين يعيشون في هذه المناطق المعزولة، حيث لا يستطيعون تحمل الفقر خاصة في الصيف..
تذكروا لحظة واحدة، رجالا اختطفوا في الشارع من قبل كومندو مسلح، ثم احتجزوا ثم نقلوا في سرية مطبقة، من فيلا إلى ثكنة، ثم من ثكنة إلى مكان مجهول في أقصى الجنوب وهم يجهلون أسباب هذه المعاملة...تصوّروا حالتهم بعد عشرة أيام من الإضراب عن الطعام غير قادرين حتى على التحرك...من غير إسعاف طبي.. تُركوا بين أيدي هيكل عسكري ثقيل يثر السخط...فاقدا تماما لأي مبادرة، وعندها تفهمون بسهولة ويسر كل التحفظات التي يحق لرجل برئ أن يبديها إزاء سلطة إيذاؤها لم يعد يخفى على أحد ...
وبالرغم من ذلك، فإن هذا النظام الذي كذب أثناء خطفنا، وكذب فيما يخص مؤامرة مزعومة لا بد أنه كذب بخصوص هذه الإقامة، كما أنه يكون احتاط لذلك بحيث لا يخبر عن مكانها وطبيعتها: جبيرة؟ مراقبة؟ الأمر واضح، لكن، لا صوت يتعالى ليندد بهذا الجور. وفي انتظار ذلك، فإننا نعيش مع الموت الحائم حول سعير تسابيت تحت رحمة رجال غير مسؤولين...
كمْ من بين محدثي متطوعين هؤلاء الذين يدعي بعضهم أنه مناضل يعرف بأنه سيأتي يوم قد يلقون فيه أنفسهم في نفس الوضعية؟ إن قبول الظلم من غير رد فعل، والخضوع للأوامر المفروضة، من قبل نظام حاكم ليصبح منفذيه من غير إحساس، لهي إحدى علامات الاستقالة والاستسلام، التي تُشاد على قاعدتها الأنظمة الدكتاتورية.
عثرتُ في عدد 20 أوت من جريدة Alger Républicain في بريد القراء على اتهامات المدعو زو عبد القادر من عنابة، يصفني فيها بالانتماء إلى منظمة الجيش السري OAS أما في عدد 22 أوت، فيتهمني الطالب عبد القادر طيبوني، من الأصنام (الشلف) بالتآمر على الدولة وأرُد على الاثنين معا هنا، لانعدام وسيلة ذلك، في غير هذا المكان، بأن تصريحات مجانية من هذا النوع إنما هي من شيم الأنذال. أما بالنسبة لجريدة Alger Républicain التي تبيح لنفسها نشر مثل هذه السخافات، فإنما مرد ذلك، إلى قيمها التي تقوم على لحس أحذية النظام، وذلك، بترويجها بطريقة غير مباشرة، لتهم وقحة تعلم أنها لا تقوم على أساس...
يتوقف القسم الأول من هذه المذكرات في تاريخ 4 سبتمبر، كانت نيتي وراء ذلك تنبيه الرأي العام الوطني والدولي بأسرع ما يمكن إلى ظروف سجننا وللتنديد من خلال هذه الشهادة بأساليب النظام الحالي." انتهى الاقتباس.
للأسفـ كانت هذه الشهادة، منه، لإدانة عملية الاختطاف وكتم أصوات المواطنين، ورفض الحكم الدكتاتوري، وكل الممارسات التي تنجر عنه، لكن، ما حذر منه، وندد به، وقع فيه هو نفسه، ومارسه، تحت مظلة نفس النظام الذي نكل به، وورطه، في التنكيل بآلاف المواطنين، ذاق هو من نفس الكأس، سوا نفيا أو اعتقالا وحرمانا من نفس الحقوق.
وبدل مناصرة الشعب وحقه المهضوم، وفر الغطاء السياسي لمجموعة الجنرالات المجرمين الذين سطوا على خيار الشعب، فورطوه في جريمتهم، لينكل هو بذوره بأبرياء لم يقترفوا بحقه أو حق أي مواطن أي جريمة، فقبل أن يترأس هيئة لا محل لها في الدستور، المجلس الأعلى للدولة، ليحل محل الرئيس المنقلب عليه، هيئة تعَيَن بطريقة غير مشروعة من قبل أخرى أدناها شأنا، المجلس الأعلى للأمن HCS، وهو الذي كان قبل أيام من ذلك، صرح في استجواب لإحدى وسائل الإعلام الدولية، أنه حتى وإن لم يتفق مع توّجه الحزب الفائز، لكن لا بد من احترام خيار الشعب. وأكبر جرعة مرارة، أنه أذاق أبرياء من كأس جرعه إياه جماعة وجدة، فوقع على مرسوم يسوق بموجبه بين 20 إلى 30 ألف من المواطنين الأبرياء، لم يقترفوا أي ذنب، فور الانقلاب، ولم تكن أصلا أعمال العنف قد بدأت، وزج بهم في فيافي الصحراء، التي يعرف قسوتها وتجرع جزء من ويلاتها، ظلوا هناك سنوات، وعندما عاتبه بعض رفاق الدرب من الوطنيين المخلصين، أجابه بازدراء، إذا اقتضى الأمر أن ألحق بعهم عشرات الآلاف أخر لفعلت ولا أبالي !!!!! ما عسانا نقول؟ " ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ"
 

شوهد المقال 284 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

بوداود عمير ـ واقع الفنان الجزائري المؤلم " الفنان الكبير أحمد قادري " قريقش فنيا "

بوداود عمير  مؤسف ومؤلم جدا واقع الفنان الجزائري، لا وضعية مادية واجتماعية مريحة ولا عروض فنية تحقق بعضا من حضوره الفني. ذلك ما استخلصته وأنا أنهي
image

جلال خَشِّيبْ ـ عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنة دِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة السياسة الخارجية، 15 يناير 2021، الولايات المتحدّة

إعداد وترجمة: جلال خَشِّيبْ، باحث مشارك أول بمركز دراسات الإسلام والشؤون العالمية (CIGA)  عودةُ الاحتواء: ما الذّي تعنيه سياسةُ الحرب الباردة للحظتنا الراهنةدِيبُورا وِيلتْش لارسون، مجلّة
image

يوسف بوشريم ـ ثلاثة مواقف يوم 22-2-2021 ستبقى راسخة في ذهني. نور السلمية

يوسف بوشريم  الموقف الأول (الحر البصير القادم من خنشلة):العلم الوطني أداة جريمة في الجزائر لمستقلة  و نحن في طريقنا مشيا على الأقدام من ساحة الأمير عبد القادر
image

نجيب بلحيمر ـ إهانة مظاهر "الدولة" أهم من ترسيم تسعيني

نجيب بلحيمر  أهم من ترسيم تسعيني رئيسا لمجلس الأمة، بعد نحو سنتين من توليه هذه المسؤولية بالنيابة، طريقة إخراج هذه العملية.ما حدث اليوم يؤكد أن هذا
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام السلطوي تعامله معنا .. تعاملنا معه

د. عبد الجليل بن سليم  عندما يتم إلقاء القبض على أي شخص قام بحقه في الكلام و التعبير عن سخطه ، فان ردة فعلنا لمادا النظام
image

عبد الرحمن صالح ـ عزيزي المواطن(ة): اعرف حقوقك عند الاعتقال من طرف الشرطة الجزائرية أو المخابرات

عزيزي المواطن(ة):اعرف حقوقكإن ممارسة التظاهر والتجمع و التعبير عن الرأي حق دستوري مكفول ، وتضمنه المواثيق الدولية و التشريع المحلياذا تم توقيفك بمناسبة ممارسة هذه
image

حكيمة صبايحي ـ الشعب ليس حزبا سياسيا، وهو أكبر من كل الأحزاب السياسية

حكيمة صبايحي  لهذا يحتاجه الجميع، فهو وحده مصدر كل شرعية، والذين يرددون: "إذا بقي الشعب بلا مشروع محدد ستبقى المسيرات بلا معنى" أعتقد أنهم يخلطون بين
image

خديجة الجمعة ـ اللامنتمي

خديجة الجمعة  اللا منتمي : هو الذي يبحر في سماء غير السماء المعهودة. وينطق بما في حياته للبعيد . وخيالاته تنطق بما في جوفه.اللا منتمي لاتوقفه
image

عثمان لحياني ـ عامان من الحراك الجزائري: منجزات ملموسة ومطالب مركزية تنتظر التحقيق

عثمان لحياني  يصعب جرد حساب الحراك الشعبي الجزائري في غضون عامين من الانتفاضة السلمية. فمنذ تظاهراته الأولى في 22 فبراير/شباط 2019، أعلن الحراك عن
image

ناصر جابي ـ الحراك الجزائري في سنته الثانية… ماذا حقق وما ينتظره من تحديات؟

د . ناصر جابي  ليس هناك اتفاق ولو جزئي بين الجزائريين، حول حصيلة للحراك الشعبي الذي انطلق في 22 فبراير 2019 وهو يدخل سنته

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats